المسلم بين الواقع والتاريخ
  • الادعاء بحب المجد التليد يكشفه الواقع
  • العقاد الفاسدة في الدين
  • الرموز المضيئة في الدين ومواجهة مع النفس

__

ما أسهل أن نقرأ التاريخ ونقرأ مواقف القادة العظماء، والمؤمنين، والصالحين، ويقول المرءُ في نفسه يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.ولكن إذا كنا معهم في ذلك الموقف أو تلك، هل تُرانا نوافقهم على سلوكهم؟ هل تُرانا نفعل كما فعلوا؟. وماذا لو تكرر نفس الموقف في عالمنا المعاصر؟

لنعرض هذا المثال ونرى ماذا يكون رد فعلنا:

يقول جوستاف لوبون فى كتابه (حضارة العرب):

“أن أول ما بدأ به قائد الحملة الصليبية الثالثة ريكاردوس* هو قتله ثلاثة آلاف أسير مسلم سلَّموا إليه أنفسهم بعد أن قطع لهم عهدا بحقن دمائهم….. ثم يقول لوبون: ليس من الصعب أن يتمثل المرء درجة تأثير تلك الكبائر في صلاح الدين النبيل الذي رحم نصارى القدس فلم يمسهم بأذى والذي أمد فيليب أوجست وقلب الأسد ريكاردوس، بالأزواد والمرطبات فى أثناء مرضهما، فقد أبصر الهوة العميقة بين تفكير الرجل المتمدن وعواطفه وتفكير الرجل المتوحش ونزواته”.

هنا نرى صلاح الدين الأيوبي يرسل بالدواء والعلاج إلى من احتل فلسطين وقتل ثلاثة آلاف أسير مسلم.

أنا على يقين أن معظم مَن قرأ هذه الرواية وعرف موقف صلاح الدين سيقول ما أعظم الإسلام والمسلمين، وسيقول إن تصرف صلاح الدين بهذا الشكل يدل على عظمة هذا الرجل وعظمة دينه وأن الإسلام دين الرحمة والعدل.

ولكن إذا افترضنا أن هذا الحدث قد وقع في عالمنا الآن، هل سيبقى الرأي هو هو؟

لماذا تغير موقف المسلم يا تُرى ؟!السبب هو تلك العقائد الفاسدة التي دخلت إلى مجتمعنا الإسلامي، قادمة من الفهم الضيق الخاطئ للإسلام.فقد جاءت منه عقيدة “الولاء والبراء” بمعناها الخاطئ، وهذه الصورة الخاطئة جعلت مَن يؤمن بها يكره كل إنسان ليس على دينه، بل ليس على مذهبه.

لنفترض مثلا أن أحد قادة الدول العربية أو الإسلامية قد أرسل العلاج والدواء لأحد قادة إسرائيل، هل تقولون ما أعظم هذا الحاكم العربي، وما أعظم دينه الذي يدعو للرحمة حتى مع الأعداء؟

أم تقولون إنه حاكم خائن وعميل لإسرائيل، ويخرج المشايخ على كل الفضائيات يفتون بكفر هذا الحاكم الذي يوالى الكافرين حتى إنه يحرص على بقائهم على قيد الحياة.ما الفرق بين ريكادوس وقائد من إسرائيل؟

هذا نصراني وهذا يهودي.

هذا محارب وهذا محارب.

هذا محتل لفلسطين

وهذا محتل لفلسطين.

هذا قتل المسلمين

وهذا قتل المسلمين.

هذا عدو للإسلام وهذا عدو للإسلام.

ماذا تغير موقف المسلم يا تُرى؟!

السبب هو تلك العقائد الفاسدة التي دخلت إلى مجتمعنا الإسلامي، قادمة من الفهم الضيق الخاطئ للإسلام.

فقد جاءت منه عقيدة “الولاء والبراء” بمعناها الخاطئ، وهذه الصورة الخاطئة جعلت مَن يؤمن بها يكره كل إنسان ليس على دينه، بل ليس على مذهبه.

وبهذا اختفت المحبة التي كانت في قلب صلاح الدين، واستوطنت الكراهية في قلوب المسلمين.

لقد أصبح اليوم مَن يدعو إلى محبة الآخر، موالياً للكافرين – بحسب هذا الفهم الضيق- ولكن ماذا نقول عن موقف صلاح الدين؟

هل فعْل صلاح الدين موافق لتعاليم الإسلام وبالتالي هو مؤمن، أم مناقض للولاء والبراء وبالتالي فهو مرتد يتولى الكافرين؟

لا سبيل للوصول إلى حقيقة الموقف إلا بأحد أمرين:

الأول: اعتبار صلاح الدين كافراً ومرتداً لأنه يوالى الكفار، وكان حريصا على أعداء الإسلام ويسعى لإبقائهم على قيد الحياة، وقد قال تعالى “ومن يتولهم منكم فإنه منهم”.

الثاني: أو تقولوا إن صلاح الدين على حق وقد تصرف حسب تعاليم الإسلام.

وبالتالي ينهار كل معتقداتكم عن الولاء والبراء ونواقض الإسلام وموالاة الكافرين، وتعترفون بأن ما تقومون به من ظلم للناس فى دينهم وقتلهم على معتقداتهم – وخصوصا أنهم مسالمون- ليس من الإسلام فى شيء.

Share via
تابعونا على الفايس بوك