النرجسية والسقوط في شباك الذات
  • فما هو الفرق بين السمات النرجسية الطبيعية واضطراب الشخصية النرجسية؟
  • كيف فسرت علوم المسيح الموعود (ع) تحول النرجسية من صفة ملائكية في الطفولة إلى حالة مرضية عند البلوغ؟
  • ما هي إستراتيجية الصخرة الرمادية؟ وكيف تساعد في التعامل مع الشخصية النرجسية؟
  • ما هي العوامل الوراثية والبيئية التي تسهم في تطور هذا الاضطراب النفسي؟
  • ثم كيف يسهم العالم الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في انتشار السلوك النرجسي؟

___

عرَّفت القواميس المتخصصة «النرجسية Narcissism» بأنها «حب الذات المفرط، أو التمركز في الذات. وفي نظرية التحليل النفسي، هي اتخاذ الذات أو الجسد كموضوع جنسي أو محور للرغبة الجنسية، أو البحث عن شخص آخر أو اختياره لأغراض علائقية بناءً على تشابهه مع الذات.»(1) وبشكل أعمق تُعرف النرجسية بأنها «نمط مستمر من الشعور بالعظمة (في الخيال أو السلوك)، وحاجة مُلِحَّة إلى الإعجاب من المحيطين، مع افتقار واضح إلى التعاطف مع الآخرين. يبدأ هذا النمط عادة في مرحلة البلوغ المبكر ويظهر في سياقات متنوعة، حيث يتصف الشخص النرجسي بتقدير مبالغ فيه لذاته، وانشغال بذكاءات أو نجاحات مُتوهَّمة، وشعور مفرط بالاستحقاق.»(2)

ومما يثير استغراب الكثيرين أن النرجسية ترتبط في أذهانهم ارتباطًا لفظيًّا دون أن يطلعوا على سر ذلك الارتباط. والسر أن وصف «النرجسية»، حسبما تذكر دائرة المعارف البريطانية، له جذوره الضاربة في القدم، وتحديدًا في الميثولوجيا الإغريقية، والتي عُثِر فيها على قصة أسطورية لفتى يُدعى نرجس Narcissus، وهو ابن إله النهر سيفيسوس والحورية ليريوبي. كان يتميز بوسامته. وحدث أن أخبر العرَّاف الأعمى والدة نرجس أن ابنها سيعمر طويلا، شريطة ألا يتعرف على نفسه أبدًا. ومع ذلك، فإن رفضه لحب الحورية إيكو أثار عليه انتقام الآلهة. لقد وقع في حب انعكاس صورته في مياه أحد الينابيع، فظل يُحدِّق بصورته المنعكسة حتى مات مكانه، وتحوَّل إلى زهرة سمِّيت لاحقا باسمه، زهرة النرجس.(3)

النرجسية بين الطبع الشخصي والاضطراب في الشخصية

الشخص النرجسي ليس مجرد فرد يحب ذاته، بل هو بناء نفسي معقد يتسم بصلابة في المظهر وهشاشة في الجوهر. وفي الأدبيات الأكاديمية، يُنظر إلى النرجسي من خلال طيف يبدأ من سمات شخصية عادية وينتهي باضطراب مرضي. وأبرز ما يميز أصحاب الشخصية النرجسية هو تضخم الأنا، والثقة المفرطة بالنفس، حيث إن لدى النرجسي شعورًا مبالغًا فيه بأهميته الذاتية، حيث يعتقد أن إنجازاته ومواهبه فريدة من نوعها وتستحق التبجيل، حتى دون وجود أدلة واقعية كافية تدعم ذلك، ولعل النرجسيين هم المعنيون في قول الله :

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.(4)

كذلك إن النرجسي يفتقر إلى التعاطف مع الآخرين، أي إنه مُجرَّد من خُلُق المواساة، ليس عن تجاهُل، وإنما عن قصور فهم وإدراك، وهذه هي الصفة الأكثر تأثيرًا في علاقات النرجسي الاجتماعية؛ فالنرجسي غير قادر على فهم أو مشاركة مشاعر الآخرين، ويرى احتياجاتهم كمصدر للإزعاج أو كأدوات لتحقيق غاياته. كما أنَّ لدى النرجسي أيضا شعورًا دائمًا بالاستحقاق، فلديه توقعات غير منطقية بالحصول على معاملة خاصة، أو الامتثال التلقائي من الآخرين لرغباته.

وبوجه عام، فخلف قناع الثقة المفرطة ذاك، تقبع هشاشة نفسية، ويختبئ تذبذب في تقدير الذات، مما يجعل النرجسي حساسًا بشكل مفرط تجاه النقد، وغالبًا ما تكون ردة فعله عنيفة تجاه من يوجه له أي نقد، ولو كان نقدًا بناءً.

ومن المهم التنبيه إلى أن النرجسية، كطبع، ليست سوى سمة شخصية عامة تقع ضمن الطيف الطبيعي للغرور والأنانية، في حين أن اضطراب الشخصية النرجسية والمعروف اختصارًا بـ NPD هو أحد اضطرابات الشخصية النفسية المتعدّدة، ويظهر بصورة حالة عقلية يعاني فيها الشخص من إحساس متضّخم بأهميته، وحاجة عميقة إلى جذب الاهتمام الآخرين. فضلًا عن ذلك نجد أن الشخص النرجسي غالبًا ما تكون علاقاته متوترة مع الجميع ويفتقر إلى مشاعر التعاطف تجاه الغير. فهذا الاضطراب إذن حالة نفسية مرضية مزمنة شديدة الوطأة، تؤثر سلبًا في الحياة العاطفية والأسرية والمهنية للمصاب به. بيد أنه ليس كل من تظهر عليه سمات نرجسية يُعد مصابًا بالنرجسية المرضية؛ فإن ما يميّز السلوك النرجسي العادي عن النرجسية السريرية هو الشدة، والتكرار، والاستمرارية في إظهار هذه السمات. فبعض الناس قد يُظهرونها أحيانًا وبدرجة خفيفة، بينما يستخدم النرجسي المرضي سماته النرجسية بصورة مدمّرة، وبأساليب غير صحية، لفرض التفوق وحماية صورته الذاتية الإيجابية عبر استغلال الناس والعلاقات.

وإمعانًا في بيان الفرق بين النرجسية الطبعية واضطراب الشخصية النرجسية، يمكن سوق مثالين اثنين من الحياة اليومية لحالَتين قد تُظهران نزعة نرجسية طبيعية دون أن تكونا نرجسية مرضية:

المثال الأول: زميلة تحصل على ترتيب متقدم في دراستها، فتتباهى بإفراط سعيًا لجذب الانتباه والإعجاب والمديح لجهدها. وهي غارقة في الإعجاب بنفسها، تُظهر تعاليًا على أقرانها، وتسخر منهم بازدراء، وتطلق تعليقات تحطّ من قدر أصدقائها وزملائها. لكن بعد أن تتلقى ملاحظاتهم، تدرك مدى خطئها، وتشعر بالأسف على تصرّفها المتعجرف وتعتذر، فيعود وضعها إيجابيًا مع من حولها.

والمثال الثاني: موظف يُشاد بعمله علنًا، وبعد أيام قليلة يبدأ في التصرّف بغرور وأنانية، ويُظهر شعورًا متضخمًا بالتفوّق. غير أنه خلال أسبوع أو أسبوعين، ومع زوال نشوة العظمة الظرفية والشعور المؤقت بالاستحقاق، يعود إلى العمل بروح تعاونية.

على الجانب الآخر، فإن المريض المُصنَّف مصابًا باضطراب الشخصية النرجسية يخلق غالبًا، عن قصد وإرادة، بيئات سامة وعلاقات مؤذية بغرض استغلال الآخرين لخدمة مصالحه الذاتية غير المعقولة، وإشباعًا لشعوره المتضخم بالعظمة، فضلًا عن اتصافه بسمات مثل التفوق الزائف، والتعالي المتغطرس، وانعدام الحساسية دون أي ندم أو شعور بالذنب. بينما السلوك النرجسي الناتج عن ظرف معيّن يكون نرجسية ظرفية مكتسبة، وسرعان ما تزول بزوال المؤثِّر، فهي ناتجة عن محفّزات عارضة مثل الشهرة أو الثروة أو السلطة، وليست اضطرابًا في الشخصية.

الشخص النرجسي ليس مجرد فرد يحب ذاته، بل هو بناء نفسي معقد يتسم بصلابة في المظهر وهشاشة في الجوهر. وفي الأدبيات الأكاديمية، يُنظر إلى النرجسي من خلال طيف يبدأ من سمات شخصية عادية وينتهي باضطراب مرضي. وأبرز ما يميز أصحاب الشخصية النرجسية هو تضخم الأنا، والثقة المفرطة بالنفس، حيث إن لدى النرجسي شعورًا مبالغًا فيه بأهميته الذاتية

ضرورة أن نكون نرجسيين في وقت ما!

العجيب في أمر النرجسية، وبعض اضطرابات الشخصية الأخرى، أنها تبدأ مع كل إنسان بمجرَّد ولادته، وحينها لا تكون مَرضًا بحال من الأحوال، بل إنها ضرورة لازمة لبقاء الوليد على قيد الحياة؛ ففي عام 1986م، وفي ثنايا بيانه الفريد للفرق بين الحالات الطبعية والأخلاق، ذكر سيدنا المسيح الموعود ما مُلخَّصه أن الحالات الطبعية، أي تلك التي تكون مكنونة في فطرة الإنسان من لحظة ولادته، مصدرها النفس الأمارة، ويندرج تحت تلك الحالات الطبعية جميعُ المَلَكَاتِ الطبعية والميول والرغبات الجسدية. ونفس هذه الحالات الطبعية تتحول إلى أخلاق فاضلة عند صدورها بإرادة صاحبها، مرتبةً معدلةً في محلها الأنسب.(5)

فبتطبيق بيان سيدنا المسيح الموعود على موضوع المقال، نجد أن النرجسية تُعد مَلَكَةً طبعية مكنونة في فطرة الوليد؛ لتعينه على الحياة، فلا يمكِن أن يُتوقَّع من طفل رضيع أن يكون متصفا بالإيثار والتفاني، بل إنَّ مثل هذا التوقع سيُعدُّ ضربا من الحُمق!

بعد بيان المسيح الموعود بقرابة عقدين من الزمان، توصَّل سيغموند فرويد رائد التحليل النفسي الكلاسيكي عام 1914م إلى أنَّ النرجسية تولد مع الوليد كملكة طبعية، وأعطى لها مُصطلحًا علميا، هو «النرجسية الأولية»، وهي مرحلة طبيعية وضرورية في نمو الطفل الرضيع، حيث يوجه كل طاقته النفسية نحو ذاته لإشباع حاجاته الحيوية، معتقدًا أنه مركز الكون.(6) فلا يُتوقَّع لهذا الوليد أن يحيا ما لم يتصف بالصفات النرجسية المذكورة؛ فالنرجسية الأولية تلك تُعدُّ في هذه الحال صفة ملائكية بكل المقاييس، غير أن هذا الملاك سرعان ما يتحول شيطانا في سن البلوغ، حيث ترتد هذه الطاقة من الأشياء الخارجية وتعود لتتركز في الأنا مرة أخرى، وهنا تُعتبر حالة مرضية أو اضطرابا.(7)

كيف يستحيل الطبع النرجسيُّ شيطانا؟!

اضطراب الشخصية النرجسية مزيج معقد من العوامل الوراثية والبيئية. فمن حيث العوامل البيولوجية والوراثية، تُظهر الأبحاث أن الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية النرجسية لديهم مادة رمادية أقل في أجزاء من الدماغ المعنية بمعالجة التعاطف، وتنظيم العواطف، والمعلومات الاجتماعية، واتخاذ القرارات. تساعدنا هذه المناطق على فهم مشاعر الآخرين والتصرف بحذر واحترام تجاه مشاعر الآخرين ورغباتهم واحتياجاتهم.

علاوة على ذلك، هناك أدلة على أن اضطراب الشخصية النرجسية وراثي جزئيًا، أي أنه ينتقل ضمن العائلات. الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب أكثر احتمالًا أن يكون لديهم والد أو قريب يعاني من حالة مشابهة. وجدت دراسة كبيرة أن التوائم المتطابقة أكثر عرضة بكثير من التوائم غير المتطابقة لتلبية معايير اضطراب الشخصية النرجسية.

كذلك فإن للبيئة التي ينشأ فيها الطفل دور كبير في تطور اضطراب الشخصية النرجسية. فالتفاعلات والتوقعات والتفسيرات والإيماءات الأبوية لها قدرة هائلة على تشكيل مواقف الطفل واهتماماته وأنماط تفكيره وتقديره لذاته، وكما قال :

«كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه»(8)،

أي إن العوامل البيئية تُسهم بصورة واضحة في رسم ملامح شخصية الإنسان في مرحلة البلوغ؛ فالتجارب المبكرة في الطفولة، مثل المبالغة في تقييم قدرات الطفل ومدحه المفرط من قبل الأهل الذين يعتقدون أن طفلهم مميز ويستحق ما لا يستحقه الآخرون، تؤدي إلى ارتفاع مؤشرات النرجسية لديه مع مرور الوقت. فالأطفال الذين يُثنَى عليهم باستمرار، فيُقال لهم أنهم مميزون، قد يصدقون ذلك دون فهم الشروط والمتطلبات اللازمة ليكونوا كذلك. وعلى النقيض من ذلك، فإن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة إهمال عاطفي مستمر ونقد لاذع قد يطورون النرجسية كآلية دفاعية.

مأساة الارتباط بشخص نرجسي

إن إدارة علاقةٍ وثيقة مع شخصية نرجسية تشبه السير في حقلٍ من الألغام العاطفية؛ حيث تبدأ المأساة ببريقٍ خاطف، وتنتهي بعزلةٍ موحشة. يُسَخِّر النرجسي ما لديه من كاريزما طاغية كطُعم يجذب به الشركاء، فيبدو في أول اللقاء وكأنه الفارس المخلص أو زوج الأحلام أو فتاة الأحلام، مما يمهد الطريق لارتباط عاطفي سريعٍ وعاصف. وغالبًا ما تقع النفوس المتعبة، التي عانت من صدمات غابرة، ضحية هذا البريق. ومع انقشاع سَكْرَةِ البدايات، يبدأ الوجه القبيح في الظهور؛ حيث يصطدم الشريك الضحية بالحقيقة المُرَّة، وهي عجز النرجسي عن التعاطف. بالنسبة للنرجسي، ليست العلاقة رباطا مقدسا، بل هي صفقة تبادلية بحتة؛ حيث يفتقر هؤلاء إلى القدرة على خوض تجربة الحب الحقيقي القائم على المساواة والثقة. وبدلًا من السكينة، يجد الشريك الضحية نفسه عالقًا في دوامة من التلاعب النفسي، وتهميش المشاعر، واللوم المستمر، حيث تُنتهك خصوصية تجاربه وتُهمل آلامه. وما إن يرتوي النرجسي من جرعات الاهتمام، أو حين تلوح في الأفق بوادر متطلبات الشريك من الحميمية الحقيقية والمواساة، الأمر الذي يخشاه النرجسي ويتجنبه، حتى يتسلل الملل إلى قلبه، لتبدأ رحلة قاسية من الإساءة العاطفية والمادية والفكرية. يسعى فيها النرجسي لعزل شريكه عن العالم، فيقصيه عن الأصدقاء والأهل ليحكم قبضته عليه في بيئة عدائية موحشة.

إن هذه الإساءة غالبًا ما تظل طي الكتمان، لا لبؤس الضحية فحسب، بل لأن استيعاب أبعاد هذه الجريمة النفسية قد يستغرق سنوات طويلة، يحاول فيها الناجي لملمة شتات روحه المبعثرة، وإعادة بناء أنقاض تقديره لذاته الذي سحقه غرور الآخر النرجسي.

مضاعفات وإدارة اضطراب الشخصية النرجسية

يتقاطع اضطراب الشخصية النرجسية بشكل معقد مع مجموعة واسعة من الاضطرابات، كالاكتئاب والقلق واضطرابات الشخصية الأخرى، كالشخصية الحدية أو المعادية للمجتمع. ويزداد الأمر خطورة عند تداخل هذه الحالات مع اضطراب تعاطي المواد المُخدِّرة، وصولًا إلى ارتفاع احتمالات التفكير في الانتحار أو الإقدام عليه نتيجة اليأس الذي يسببه الشعور بالفشل أو الرفض الاجتماعي.

وبما أنَّ إدراك المرض يعد أول السبيل إلى الشفاء، من هنا ندرك صعوبة علاج اضطراب الشخصية النرجسية، فالواقع أن المسار العلاجي لهذا الاضطراب يواجه عقبةً كؤودًا، تتمثل في امتناع النرجسي عن طلب المساعدة، لاعتقاده الراسخ ببراءته من العيوب، ونظرته السلبية إلى العلاج النفسي بوصفه مُهددا لصورتهم المثالية. وغالبًا ما يكون لجوء النرجسي إلى الطبيب النفسي مجرد رد فعل اضطراري نتيجة أزمات حياتية طاحنة، مثل فقدان العمل أو القضايا القانونية، أو بسبب تفاقم أعراض اضطرابات متزامنة كالأرق والاضطراب ثنائي القطب.

وتتطلب إدارة هذه الحالة نهجًا علاجيًا متكاملًا يبدأ بالتدخل الدوائي للسيطرة على الأعراض المصاحبة، حيث تُستخدم مضادات الاكتئاب والقلق ومنظمات المزاج لتحقيق الاستقرار النفسي. ويمثل التثقيف والوعي ركيزة أساسية من خلال العلاج النفسي المتخصص، لاسيما العلاج المركّز على الأنماط، الذي يعمل على تفكيك المعتقدات الجوهرية الضارة واستبدالها بإستراتيجيات تأقلم أكثر صحة وواقعية. وتمتد الحلول لتشمل العلاج الجماعي والعائلي، الذي يلعب دورًا حيويًا في تطوير المهارات الاجتماعية للنرجسي وتنمية قدرته على مواساة الآخرين. وتساعد هذه الجلسات في تعزيز الوعي بالذات وتلقي الملاحظات البنَّاءة من المحيطين، مما يفتح باب الأمل للنرجسي وعائلته في تجاوز حدة الأعراض وتحسين جودة الحياة المشتركة.

استراتيجيات الدعم النفسي للمحيطين بشخص نرجسي

المحيطون بشخص نرجسي غالبا ما يعيشون مأساة مزمنة، لذا فهم جديرون بنوع خاص من الرعاية، شأنهم في ذلك شأن المحيطين بشخص مصاب بمرض عضوي مُعدٍ. وتبدأ رحلة رعاية المحيطين بالنرجسي بالتوعية المعرفية عبر فهم سمات اضطراب الشخصية النرجسية.من الناحية التكتيكية في التعامل اليومي، يُنصح بتبني إستراتيجية الصخرة الرمادية عبر البقاء هادئين ومحايدين لتفتيت محاولات التلاعب النفسي، وتجنب الانخراط في الجدال العقيم مع النرجسي، الأمر الذي لا يزيد الوضع إلا سوءًا.

وعلى الصعيد الروحي والقيمي، يمثل التمسك بالقيم الإسلامية حصنًا منيعًا ضد آثار النرجسية؛ فمن خلال تعزيز قيم التواضع، والمواساة، والافتقار إلى الله، يتم التصدي لأمراض القلوب كالكِبْر والغرور. كما أن الممارسات الذهنية الروحية، كالتدبر والتفكر والذكر، تساعد في بناء شخصية متوازنة تميز بين حب الذات المشروع وبين الأنانية المفرطة، مما يخلق بيئة قائمة على الاحترام المتبادل والسكينة.

النرجسية وباء العالم الرقمي

وفقًا لدراسة أجريت في الولايات المتحدة، فإن 6% من الأمريكيين نرجسيون. ومع ذلك، هناك خمس دراسات أخرى على الأقل استخدمت معايير أكثر صرامة ولم تستطع العثور على حالة واحدة للنرجسية، حتى عند استخدام عينات كبيرة جدًا. وترى طائفة من المختصين أن الحالة أكثر شيوعا مما نظن، وأن اضطراب النرجسية بات وباءً، ويوجد الكثير من تلك الحالات حولنا بكل تأكيد، ومن المؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي تشجع السلوك النرجسي.(9)

إننا إذا ألقينا نظرة سريعة على ما يجري في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد نصل إلى الاعتقاد بأن النرجسية غزت العالم، على الأقل العالم الرقمي. ويتفق خبراء الصحة النفسية على أن النرجسية باتت أكثر انتشارا ووضوحا في الحياة اليومية. وليس من الغريب الانتشار الواسع للصور التي يلتقطها الأفراد لأنفسهم selfie في مواقع التواصل الاجتماعي حتى بات أمرا اعتياديا بين أبناء الجيل الحالي.(10)

فختامًا، تظل الاستعانة بالخبرات المهنية من أطباء ومعالجين نفسيين متخصصين في اضطرابات الشخصية خطوة حاسمة لتجاوز هذه المحنة. ورغم أن العيش مع شخصية نرجسية قد يكون تجربة محبطة، إلا أنها فرصة لإعادة اكتشاف الهوية والهدف من الحياة، فبينما قد لا نملك السيطرة على مشاعرنا تجاههم، نملك دائمًا القدرة على التحكم في ردود أفعالنا، وهو المفتاح الحقيقي لتغيير الواقع المعاش.

الهوامش:

Dictionary of Psychology, (narcissism), 1

2 – الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية – الطبعة الخامسة (DSM-5)، الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، 2013.

3 – Britannica, Narcissus, Feb. 20, 2026.

4 – (آل عمران: 189)

5 – يُنظَر: مرزا غلام أحمد القادياني، فلسفة تعاليم الإسلام، الطبعة العربية الثالثة، ص21-22، الشركة الإسلامية المحدودة، لندن، 2011م.

6 – Sigmund Freud, On Narcissism: An Introduction, pages:73-75, The Hogarth Press (English Standard Edition), 1975.

7 – نفس المرجع السابق

8 – صحيح ابن حبان (129)

 9 – هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، تقرير بعنوان «ما هي النرجسية؟ ولماذا تزداد انتشارا؟  وهل أنت مصاب بها؟»،

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via