الحج.. رحلة العشق الإلهي في مدارج الترقي الروحي
- فكيف عرَّف المسيح الموعود فلسفة الحج وعلاقته بمراحل العبادة والسلوك؟
- وما وجه التطابق الذي يجب أن يحققه الحاج بين المعنى اللغوي والمعنى الروحي للحج؟
- وما هي الدلالات الرمزية التي يحملها منسك نحر الأضاحي في الحج؟
- ولماذا يعد الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج؟ وما هي لحظة المكاشفة المرتبطة به؟
- وكيف يرسخ الحج في آن واحد معنى وحدانية الله (عز وجل) وقيم كرامة الإنسان؟
_____
الحج في الإسلام رحلة لا تشبهها رحلة فهو ليس مجرد انتقال مكاني من كل فج عميق إلى مكة المكرمة حيث البيت العتيق، بل هو سياحة روحانية بامتياز، وانتقال من عالم المادة وضجيجها إلى فضاءات النور الإلهي. في تلك البقعة المباركة، التي وصفها القرآن الكريم بواد غير ذي زرع تتجلى مفارقة عجيبة، فبينما تتباهى المزارات الدينية في العالم بجمال الطبيعة وخضرة الأرض يبقى البيت الحرام متجردًا من الزينة المادية، ليكون الجمال فيه روحانيًا صرفًا، يستشعره القلب، ولا تدركه الأبصار المادية إلا إذا فتحت لها عين البصيرة. يقول سيدنا المسيح الموعود :
معنى الحج وفلسفته
الحج في اللغة هو القصد، وفي دلالته الروحية هو قصد الذات الإلهية وتجريد النية من كل شائبة دنيوية. وينبغي للحاج أن يتحقق لديه التطابق بين الدلالتين اللغوية والروحية فالقصد ينبع من النية التي هي أساس كل عمل. ولن يُحقق المرء مقتضى الحج إلا بإعلان الاستسلام المطلق لِلّه، تمامًا كما فعل إبراهيم الخليل حين ترك زوجه وولده في صحراء مقفرة متكئًا على عصا اليقين بالله القيوم هذا الفعل لم يكن مجرد مغامرة، بل كان «حجا» حقيقيًا الله قبل رفع قواعد البيت، وتتويجًا لعقيدة راسخة مفادها أن من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!
الطواف عشقًا
لا تتوقف بركات تعاليم الشريعة على إنقاذ المؤمن ونجاته فحسب، بل تتعداها إلى بلوغ درجة الفلاح، لقد ذكر المسيح الموعود أن سورة المومنون تذكر ستة مدارج للترقيات الروحانية، وجاء تطبيقها الرمزي في شعيرة الطواف حول الكعبة المشرفة. والحق أن المرء لا يطوف إلا حول من يحب، ولا يتمسح إلا بمن يهوى وكما كان الشعراء يطوفون حول دیار محبوباتهم شوقًا، فإن المسلم يطوف بالبيت العتيق تعبيرًا عن فنائه في حب الله.
وفكرة مدارج الترقيات التي يمر بها الجنين الإيماني الروحاني حتى يُكتب له الاكتمال ومن ثم الولادة هي فكرة أصيلة في التعاليم الإلهية، وهي مبثوثة فيما حولنا من مظاهر الشريعة في جلاء تام، وعلى سبيل المثال لا الحصر هناك شعيرة الطواف حول بيت الله الحرام، والتي يؤديها كل من الحاج والمعتمر، والتي ينبغي لكل من يقصد بيت الله حاجا أو معتمرا أن يُدرك فلسفتها، فبإدراكها يجني المرء ثمرة طوافه، وينقلب إلى أهله وقد حج حجا مبرورا، فيستحق الثواب الذي وعد به النبي بقوله:
الشعائر والمناسك.. دروس في التوكل وذبح النفس
من شعائر الحج المعروفة السعي بين الصفا والمروة، وهذه الشعيرة ليست مجرد عملية هرولة بين جبلين، بل هي استحضار لسعي السيدة هاجر (عليها السلام) التي علمتنا أن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل والإيمان. فرغم ثقتها المطلقة بالله، لم تجلس ساكنة، بل سعت وبذلت الجهد، وأفرغت ما في جعبتها من أسباب، حتى بلغت حال المضطر، فتحقق لها شرط إجابة الدعاء المُبيَّن في قول الله :
فانفجر لها الماء من تحت قدمي رضيعها.
أما ذبح الأضاحي، فذلك المنسك يحمل دلالة عميقة تتجاوز إراقة الدماء؛ إنها رمز لذبح النفس الأمارة بالسوء. فالبهيمة التي تنحر هي إشارة رمزية إلى القوى البهيمية في الإنسان التي يجب إخضاعها والتضحية بها في سبيل الله. فإذا ما ذُبحت النفس الأمارة، لم يتبقَّ في الإنسان إلا الخير وبات مستعدًا للقاء ربه بقلب سليم.
الحج مظهر وحدانية الله وكرامة الإنسان
يعد الحج أكبر مظهر لإرساء وحدانية الله . ففي تلك البقعة المباركة تذوب الفوارق الطبقية والعرقية واللغوية. حيث يكتسي الجميع برداء الإحرام ذي اللون الواحد هو الأبيض، وهو ثوب يشبه الأكفان، ليعلن الحاج أنه مات عن دنياه وبعث إلى ربه. هذا التوحد في المظهر والجوهر هو التجسيد العملي لكرامة الإنسان؛ ففي الحج لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
واجتماع الملايين في مكان واحد، وفي زمان واحد يلبون ربًا واحدًا، هو إعلان سلطان الله المطلق وتحرير للإنسان من عبودية الخلق. الحج إذن يُمَكَّن لكرامة الإنسان حين يجعله عبدًا لله وحده متحررًا من قيود الجاه والمال، مساويًا لأخيه الإنسان في أدق الشعائر وأعظم المواقف.
والحق أنه من آخر مراحل العبادة والسلوك أن ينقطع الإنسان عن نفسه، ويعشق ربّه، ويغرق في بحر حبه، فالمحب الصادق يضحي بقلبه ومهجته في سبيل حبيبه والطواف ببيت الله الحرام رمز لهذه التضحية وهذا الفداء، وكما أنّ هناك بيتًا لله تعالى على الأرض، فكذلك هناك بيت لله في السماء، وما لم يطف به الإنسان لم يصح طوافه
وقفة عرفات، ذروة المعرفة
الْحَجُّ عَرَفَةُ، الوقوف بذلك المشعر الحرام أعظم أركان الحج، لأنه إذا فات وقته بدون وقوف فقد فات على المرء الحج في ذلك العام، بخلاف غيره من الأركان فيمكن تداركها. قال الحافظ ابن حجر:
والوقوف بعرفة هو لحظة المكاشفة والمعرفة، حيث يقف العبد مجردًا من كل شيء إلا دعائه، في مشهد يذكر بيوم الحشر العظيم. هو صعود معنوي يرمز للانقطاع عن الأسافل والترقي إلى عالم الأرواح. فمن حج ولم يعرف الله في عرفات، فقد فاته جوهر الرحلة فالمقصود الحقيقي هو الوصول إلى درجة اليقين الذي لا تشوبه شائبة شك.
عودة الحاج كمن ولدته أمه
الحج المبرور هو الذي يعود صاحبه منه بقلب جديد، حيث يترجم الحاج شعيرة رمي الجمرات إلى عزم أكيد على طرد الشيطان من حياته اليومية، ويحول حلق الرأس إلى رمز للتخلص من الكبرياء والغرور. إن الحج رحلة تبدأ بالقصد، وتنتهي بالإشراق، حيث تشرق الروح بنور اليقين، ويعود الإنسان إلى وطنه وقد غسلته أنوار الكعبة، ليكون لبنة صالحة في مجتمع يقوم على التقوى والوحدانية واحترام كرامة الإنسان.
الهوامش:
1 – مرزا غلام أحمد القادياني، خطاب الجلسة السنوية عام 1906
2 – الطبراني، المعجم الأوسط
3 – (النمل: 63)
4 – أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح البخاري، ج3، ص482، المكتبة السلفية، القاهرة، ١٣٨٠ – ١٣٩٠ هـ