- فكيف يكون إحياء الدين من جديد؟!
- ولماذا يرى الكاتب أن التفوق الاقتصادي والسياسي ليس هو الجوهر الحقيقي لنهضة الإسلام؟
- وما هي الفكرة الخاطئة التي يتبناها البعض حول كيفية تجديد الإسلام؟ وكيف فنَّد الكتاب تلك الفكرة؟
- وفيم تختلف الجماعة الأحمدية عن غيرها في تفسير نبوءات مجيء المسيح والمهدي؟
- وما هو المفهوم الذي قدمته الجماعة لوصف الدجال وحماره في الأحاديث؟!
_____
بين أيدينا كتاب صغير الحجم، إذ يبلغ عدد صفحاته سبعا وعشرين صفحة، غير أنه عظيم النفع، جدير بالقراءة المتأنية والتأمل العميق إذ يطوف بنا مؤلفه في فلك فكرة «إحياء الإسلام» وتجديده، وهذا الكتاب في أصله خطاب ألقاه حضرة مرزا طاهر أحمد (رحمه الله) إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية، والخليفة الرابع للمسيح الموعود وذلك أثناء زيارته إلى الشرق الأقصى عام 1983(1). وقد تناول في خطابه فهمَ الجماعة الإسلامية الأحمدية لفلسفة إحياء الإسلام، حيث بيّن أن تجديد الدين إنما يتمّ عن طريق من يختاره الله تعالى ويبعثه للتجديد. وما كان لدين أن يُكتب له التجديد على أيدي موظّفي الدوائر الدينية أو عن طريق عقد المؤتمرات أو إصدار الفتاوى.
ضرورة هذا الخطاب
تأتي أهمية الخطاب في ظل الدعاوى المنتشرة في الأوساط الإسلامية غير الأحمدية، والتي تتبنى فكرة خاطئة تقول بأن تجديد الإسلام يمكن أن يتم بمجرد رغبة وإرادة العوام أو المثقفين أو حتى رجال الدين من المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية، والذين يدعون أنفسهم بأهل الاختصاص. كما تأتي أهمية هذا الخطاب أيضا لكونه ردًّا مفحما للفتانين القائلين بأن التجديد يمكن أن يتم خارج مظلة الخلافة الإسلامية الأحمدية المباركة، وهي دعوى فاسدة شرعا وعقلا، كما سيأتي في ثنايا الخطاب.
نبوءة انحطاط المسلمين
إن حال انحطاط المسلمين الحاضرة، كانت من الأمور التي كشفها الله سبحانه وتعالى لنبيه الخاتم ﷺ ولقد أنبأ النبي منذ أربعة عشر قرنًا بوحي من الله تعالى بأن المسلمين سيتفرقون إلى ثلاث وسبعين فرقة كما وصف حالة ما سيصبح عليه المسلمين، كأنه يشاهدهم أمام عينيه، ولكنه لم يقصر الوصف على العلامات المروعة التي سيكون عليها المسلمون، بل بشرنا ﷺ ببشارات عظيمة الشأن أيضا، فأخبرنا بأن الأمة الإسلامية لن تهلك رغم تعرضها لتلك المحنة الرهيبة وقال:
وقال أيضا:
هكذا بشر المصطفى ﷺ بإمام عظيم وهو الإمام المهدي مؤسس الجماعة الاسلامية الاحمدية. تلك الجماعة التي تتفق مع جميع الفرق الاسلامية في اعتقادها بأن بعث الاسلام وغلبته العالمية ترتبط بمجيء المسيح وظهور الإمام المهدي، ولكنها تختلف عنهم في تفسير النبوءات.(4)
فإن تاريخ الأديان يذكرنا بأن أنبياء الله قاطبة كانوا من بني نوع الإنسان ولم ينزل منهم أحد من السماء، ولم يكونوا أولي قوة خارقة للطبيعة الإنسانية، بل عانوا جميعا ألوانا من الابتلاءات والشدائد وفي النهاية نال اتباعهم المجد لا بجهد غيرهم لكن بجهدهم أنفسهم وبعد أن سالت جباههم عرقا وأجسادهم دما أريق في سبيل الله.
غايتهم وغايتنا
يظن معارضو الجماعة الإسلامية الأحمدية أن نهضة الإسلام مرتبطة بسيادته الاقتصادية والسياسية، ويتجلى الفضل الإلهي في رأيهم في تحقق تلك النتيجة، هذا مفهوم نهضة الإسلام كما يراه الكثيرون، وحسب اعتقادهم سيكون مجيء المسيح بشير عهد جديد يخضع فيه العالم كله للاسلام سياسيا ويكون ظهور الإمام المهدي سبيلا إلى هيمنة المسلمين على العالم اقتصاديًا(5). كما يعتقدون أن مجيء المسيح عيسى بن مريم الناصري، الذي ذكر في القرآن أنه رسول إلى بني اسرائيل، سيكون بنزوله من السماء بشخصه وجسده العنصري، ويشرع فور نزوله بإعمال سيفه في رقاب أعداء الإسلام. اللافت أن المسيح بن مريم الناصري لا ولم تنطبق عليه تلك الأوصاف طوال مدة بعثته لبني إسرائيل، ولم يجادلهم بغير الكلمة والتبشير وتحمل الآلام والتضحية من أجل هدايتهم، فكيف يظن المسلمون أنه حين ينزل من السماء سيجتاح العالم محطِّمًا صلبانًا مادية، فلا يبقى لأي صليب أثر على وجه الأرض؟! ثم يطارد الخنازير في الغابات والحظائر، بحيث لا يجد المسيحيون صليبًا لعبادتهم ولا خنزيرًا لطعامهم، وهكذا يُحرم المسيحيون من غذائهم الروحي بعبادة الصليب فضلا عن غذائهم المادي! ثم يقتل الدجال، ذلك الكائن البشع أعور العين الذي حذر كل الأنبياء أممهم من شروره!
تلك فلسفة عامة المسلمين التي تعفيهم من عبء أي كفاح، ويظلون يحلمون بوراثة الأرض من دون أن تتحرك فيهم عضلة، وبوسعهم أن يعيشوا في سعادة الغفلة عما هم فيه من فساد وانحطاط، ينتظرون نزول الكائن الإلهي من السماء وينطلق غازيا من اجلهم، يقتل الخنزير ويكسر الصليب ثم يعود إلى جماهير المسلمين ويقول لهم هلم يا جند الله تعالو وتقلدوا الأمور في مملكة الارض.
في حين أن سنة الله في الأرض هى أن يرثها عباده الصالحون وليس الكسالى، كذلك سنة المصطفى أنه قام بالكفاح والتضحية بالنفس والمال لنصرة دينه، ولم تتحقق نصرة الدين في البعثة المحمدية الا بالتضحية وبذل الجهد بالرغم من أن الله بشر النبي ﷺ بنصره وبأنه راض عن صحابته الكرام، لكن لم يدعهم هذا للكسل وانتظار نصر الله بدون تضحية وبذل المال والنفس.(6) وإلى الآن لم يستطيع أحد غير المسيح الموعود أن يهزم العقيدة المسيحية بالأدلة القوية والحجج الدامغة، وكيف يستطيعون وهم يعتقدون عقيدة النصارى بأن المسيح الناصري حي في السماء وينتظرون نزوله؟ حتى أصبح بعض القساوسة يحاربون نبي الإسلام ولا تستطيع اي فرقة من الفرق الاسلامية مواجهتهم وهزيمتهم، لبعدهم اولا عن المبعوث السماوي المسيح الموعود وثانيا لتشابه عقيدتهم في شخص المسيح الناصري بأنه عند النصارى في السماء على يمين الرب والعياذ بالله، ولم يستطيع غير الجماعة الأحمدية المباركة التصدي لأكثر الصليبيين حقارة وتجاوزًا في حق دين ونبي الإسلام بسيف المسيح الموعود ، الذي حطم الأساس الفكري للعقيدة المسيحية الضالة.
كذلك كيف ينتصرون على المسيح الدجال، وهم لم يفهموا المعنى المجازي في أحاديث المصطفى ﷺ في وصفه فلو تأملنا الأوصاف التي رواها لنا المصطفى ﷺ منذ أربعة عشر قرنا لأدركنا المعنى ولفهمنا مراده من هذا المخلوق ولا شك أن تحقيق هذه العلامات بدقة لشهادة مجيدة على صدق محمد المصطفى ﷺ. وبالمثل فإن المسلمين الاحمديين يرون الأنباء المتعلقة بمجيئ الإمام المهدي من قبيل المجاز أيضا، وإن الثروة التي سيوزعها بين المسلمين إنما هي ثروة العرفان الروحاني والحكمة الربانية وليست ثروة المال الدنيوي، ثم أن رفض البعض قبول هذا المال لهو دليل على نوعية هذه الثروة إذ أن المال الدنيوي لا يشبع منه الإنسان قط، إنما الكنوز الروحانية هي وحدها التي تلقى منه الازدراء. ولقد تعلمنا من القرآن المجيد، سنة الله منذ عهد أدم إلى محمد ﷺ أن الفلاح لا يأتي بغير السير في طريق الآلام والتضحيات كما سار أنبياء الله وتبعهم المؤمنين من أقوامهم. ويعلمنا القرأن المجيد أن تجديد الدين إنما يتم عن طريق من يصطفيهم الله بفضله من المجددين، ولم يتجدد الدين ابدا على أيدي موظفي الدوائر الدينية. بل ربما تكون تلك الدوائر عقبة أمام المجدد الذي يختاره الله لانها محرومة من المدد الإلهي.
الرفض والمقاومة والإيذاء سنة من خلوا مع رسلهم
وكما يحدث دائما مع المجددين الذين يختارهم الله بفضله تعالى يلقون الرفض من اقوامهم دائما ويواجهون بالاستعلاء والاحتقار. وغالبا ما يتعرض المجددون للعنف من جانب الناس، بينما نجد المجددين لا يستعملون العنف بل يعانون هم وأنصارهم الاضطهاد ويتحلون بالصبر. فإن ما عاناه نبي الإسلام محمد المصطفى ﷺ لم يتحمل مثله نبي سواه.
سنة التجديد إرسال رسل من الناس، لا من غيرهم
وهكذا فإن تاريخ الأديان يذكرنا بأن أنبياء الله قاطبة كانوا من بني نوع الإنسان ولم ينزل منهم أحد من السماء، ولم يكونوا أولي قوة خارقة للطبيعة الإنسانية، بل عانوا جميعا ألوانا من الابتلاءات والشدائد وفي النهاية نال اتباعهم المجد لا بجهد غيرهم لكن بجهدهم أنفسهم وبعد أن سالت جباههم عرقا وأجسادهم دما أريق في سبيل الله.
مفهوم الدجال في النبوءات القديمة
“أما لفظ الدجال فهو اسم وصفي شأنه في ذلك شأن الكلمات الأخرى مثل كلمة المسيح والصليب والخنـزير التي ذكرت في النبوءة، فالدجال وصف لأمة عظيمة قوية تحكم الأرض والفضاء. والواقع أن كلا من الصليب والخنـزير يتعلقان بهذه الأمة أيضا.
تقول الأحاديث النبوية بأن العين اليمنى للدجال عوراء، أما عينه اليسرى فكبيرة نيرة.. وفي هذا الوصف المجازي تشير عماية العين اليمنى إلى عماية البصيرة الروحانية عند هذه الأمة وحرمانها من النور الروحاني، وأما قوة العين اليسرى فتدل على حدة بصرها في المجالات المادية بما يمكنها من التفوق المادي وتحقيق إنجازات عظمى ملموسة على هذا الصعيد.
وحمار الدجَّال أيضا
وأخيرًا فإن المسلمين الأحمديين يرون في حمار الدجال وصفًا رمزيًا كذلك. فهو يشير إلى وسائل النقل المستحدثة التي قُدّر لها أن توجد في زمننا، ذلك أن جميع ملامح حمار الدجال يمكن التعرف عليها فيما نراه من وسائل النقل الحاضرة ذات المحركات الاحتراقية التي اخترعها الغرب. فلو تأملنا أوصاف هذا الحمار كما وردت في الأحاديث النبوية الشريفة وكما انكشفت للمصطفى ﷺ في أحد كشوفه.. لرأيناه يأكل النار، ويجري على الأرض ويشق البحار ويطير في الهواء، وسرعته «كغيث استدبرته الريح» كناية عن السرعة الفائقة، ويدخل الركاب في جوفه ولا يركبون على ظهره، وإنه يضاء لهم ويعلن عن مسيره ويطلب من الركاب ملازمة مقاعدهم.. فلو تأملنا هذه الأوصاف التي رواها لنا المصطفى ﷺ منذ أربعة عشر قرنا لأدركنا المعنى، ولفهمنا مراده من هذا المخلوق.. ولا شك أن تحقق هذه العلامات بدقة بالغة لشهادة مجيدة على صدق محمد ﷺ.
وبالمثل فإن المسلمين الأحمديين يرون الأنباء المتعلقة بمجيء الإمام المهدي من قبيل المجاز أيضا. وإن الثروة التي سوف يوزعها بين المسلمين إنما هي ثروة العرفان الروحاني والحكمة الربانية وليست ثروة المال الدنيوي. ثم إن رفض البعض قبول هذا المال لهو دليل على نوعية هذه الثروة.. إذ إن المال المادي لا يشبع ضمنه الإنسان قط، وإنما الكنوز الروحانية هي وحدها التي تلقى منه الازدراء. وهكذا فإن الجماعة الإسلامية الأحمدية ترفض أيضا هذه الفكرة الساذجة لنهضة الإسلام الاقتصادية التي تنتشر بين طوائف المسلمين الأخرى. وإنها ترى أن فلسفتهم هذه تناقض تعاليم القرآن المجيد ولا تتفق وتاريخ الأنبياء، بل وتناقض سنة الرسول.
إن الجماعة الإسلامية الأحمدية لتنأى بنفسها عن تعاطي هذا الأفيون الفكري الذي تفشى تعاطيه بين أبناء خير أمة أُخرِجت للناس في هذا المعترك الصعب، ليتركها جثة هامدة في عالم الهلاوس والخيالات.
النتيجة.. لا يقدر على تجديد الأمر إلا صاحبه
ليس من سبيل إلى إحياء الدين إلا بتدخل إلهي، فالله وحده هو القادر على ذلك، ويكون الإحياء ببعث مبعوث من لدنه هو، لينقذ الناس من تهافتهم على المادة ويعيدهم إلى خالقهم.
الهوامش:
- مقدمة الناشر، إحياء الإسلام، ص4
- أخرجه أبو نعيم في «أخبار المهدي»
- أخرجه البخاري (3449)، ومسلم (155)
- راجع: مرزا طاهر أحمد، إحياء الإسلام، ص5-10
- 5. راجع: مرزا طاهر أحمد، إحياء الإسلام، ص8-9
- راجع: مرزا طاهر أحمد، إحياء الإسلام، ص14-16