- ما هو السبب الرئيس الذي يدفع الناس لاتخاذ الأصنام وبناء المعابد الضخمة والمزخرفة؟
- كيف قارن المصلح الموعود (رض) بين بساطة الكعبة المشرفة ومسجد الرسول وبين المساجد التي تُبنى للتفاخر في العصر الحالي؟
- ما هو المفهوم الخاطئ للشفاعة الذي يجعل المشرك يعبد غير الله ليقربه منه زلفى؟
____
شرح الكلمات:
عِزًّا: العِزُّ خلافُ الذلّ (الأقرب).
التفسير:
يتضح من دراسة تاريخ عَبَدة الأصنام أن من أكبر أسباب اتخاذ الأصنام هو الرغبة في العزة والشهرة بين الناس. فكانوا يصنعون الأصنام كبيرة ضخمة مثلما صنع المصريون «أبا الهول»، حيث يبلغ طوله مئات الأقدام، وقد اشتهر في العالم كله، ويزوره السياح من أقطار نائية، ويصابون بالدهشة برؤيته. وهذا يعني أنهم لم يكونوا يصنعون الصنم فقط، بل كانوا يصنعونه ضخمًا هائل الحجم حتى تنجذب إليه الأنظار تلقائيًّا، ويقول الناس إنه صنم عظيم. أو كانوا يبنون لها معابد ضخمة تصيب الناس بالهول والحيرة. ثم إنهم كانوا يقيمون لهذه الأصنام حفلات وأعراسًا وينفقون عليها الآلاف من المال، تفاخرًا أمام الأمم المجاورة. فمثلاً قد صنعوا بالهند صنم «سومنات» بإنفاق الملايين. وعندما يرى الرائي عيونه المصنوعة من الماس، ويرى على رأسه تاجًا، وفي يده مقامع ذهبية، وأنه طويل القامة حتى يصل إلى السقف، يقول في نفسه إن ما عند هذا الصنم من ذهب وفضة وألماس وغيرها من الثروة والمجوهرات لا يمكن أن يكون بحوزة أجيال وأجيال من أولادي، فيمتلئ قلبه رعبًا وهيبة، ولا يملك إلا أن يقر بعظمة القوم الذين اتخذوا هذا الصنم الهائل. فبما أن هؤلاء يصنعون الأصنام هائلة ضخمة، ثم يتفاخرون على جيرانهم بما أنفقوا عليها من أموال طائلة، فإنهم يزدادون عزًّا وعظمة بين الناس، ولذلك قال الله تعالى هنا واتخذوا من دون الله آلهةً ليكونوا لهم عزًّا لينبه إلى أنهم ليسوا بحاجة إلى أن ينفقوا شيئًا على الله تعالى لأنه موجود منذ الأزل، وإنما يصنع هؤلاء الأصنام الفخمة، وينفقون عليها الذهب والفضة والأحجار الثمينة ويبنون لها المعابد الكبيرة المزخرفة طمعًا في العزة والشهرة وتفاخرًا بين الناس. وعلى النقيض انظروا إلى المساجد في الإسلام كم هي بسيطة! فلكم تتميز الكعبة المشرفة بطابع البساطة! وكم هي بسيطة روضة رسول الله ! وليس صعبًا على المرء أن يدرك أن كل من يدخل المسجد الحرام إنما يدخله من أجل العبادة خالصة، وليس لأي شيء آخر إذ لا توجد فيها أي أحجار كريمة ولا مجوهرات ولا ذهب ولا فضة. كذلك من يذهب لزيارة قبر الرسول للدعاء إنما يزوره بمشاعر الحب والاحترام فحسب، وليس لأن يرى هناك مبنى عاليًا رائعًا. من المؤسف أن المسلمين قد جعلوا المساجد الآن مدعاة للفخر والمباهاة. فيبنون المساجد الفخمة رياءً وتفاخرًا، وينفقون على زخرفتها الملايين، بغض النظر عما إذا كان هناك بالفعل حاجة إلى المسجد أم لا، وهل يصلي فيه أحد أم لا. لقد ذهبت لزيارة مسجد جامع بمصر، فوجدت لفيفًا من الناس لا يتجاوز عددهم الأربعة أو الخمسة يصلون جماعة في زاوية منه بعيدًا عن المحراب. ولما فرغوا من الصلاة سألتهم هل تأخرتم عن الصلاة بالجماعة حيث تصلون الآن؟ قالوا كلا، بل هذا هو إمام هذا الجامع وهؤلاء هم المأمومون. قلت: فلم تركتم المحراب، وصليتم بعيدًا عنه في زاوية منه. قالوا هذا هو عدد المصلين هنا، فنخجل أن نصلي نحن الأربعة فقط وراء الإمام في محراب هذا الجامع الكبير، فنؤدي الصلاة في زاوية منه، حتى إذا رآنا أحد ظن أن هؤلاء قد تخلفوا عن الصلاة بالجماعة!
إذًا فإن المسلمين أيضًا قد أصيبوا بهذا المرض في هذا العصر، حيث لا يلتزمون بأداء الصلوات، ولكنهم يبنون مساجد فخمة؛ مع أن جمال المسجد إنما هو في بساطته، وقد جعله الله تعالى سببًا للزينة الروحانية، وليس أن نتخذه سببًا للتعالي والتفاخر. بيد أنه لا بد من الأخذ في الحسبان سعة المكان للمصلين والنظافة والصحة، فهذا ليس زخرفة، بل ضرورة.
فقول الله تعالى واتخَذوا مِن دون الله آلهة ليكونوا لهم عزًّا.. يعني أولاً أن هؤلاء يصنعون أصنامًا كبيرة ويبنون لها معابد ضخمة، ويقيمون عليها أعراسًا وحفلات، طمعًا في العزة والشهرة والمدح والثناء فحسب.
كما أن قوله تعالى ليكونوا لهم عزًّا.. ينطوي على إشارة أخرى أيضًا وهي أن الذي يعبد الصنم يعدّه سببًا للشفاعة، ومدعاةً للتقرب إلى الله تعالى. إنه يظن أنه لا يصلح بنفسه للدخول إلى أعتاب الله تعالى، فينضم إلى حاشية من هو من رجال العرش الرباني، حتى يدخل معه في بلاط الله تعالى. إنه يظن أنه آثم جدًّا وأنى لـه الوصول إلى بلاط الله تعالى بنفسه، ولكن هذه الأصنام لها درجة وزلفى عند الله تعالى، ولو أني عبدتها لدخلت في خَدَمِها، ووصلت معها إلى بلاط الله تعالى. شأنه شأن شخص يعمل خادمًا لحاكم المحافظة مثلا، فيدخل معه على المسؤولين الكبار. فالمشرك يظن أنه يتمكن من الجلوس في البلاط الإلهي من خلال عبادة الأصنام. ولكن الله تعالى في كل مكان، وأبوابه مفتوحة لكل سائل وفي كل حين وآن. وقد نبه الله تعالى إلى ذلك في القرآن الكريم بقوله ألا لله الدينُ الخالصُ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبُدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى إن الله يحكُم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي مَن هو كاذب كَفّار(الزمر: 4).. أي ما كان الله ليقبَل من الناس عبادة يشترك فيها غيره. إن الذين يعبدون من دونه أشياء أخرى يحسبون أنهم إنما يعبدونها لتقربهم إلى الله تعالى، ظانين أنها من المقربين لدى الله تعالى، وإذا كانوا على صلة معها دخلوا معها في بلاط الله تعالى؛ ولكن الغريب أن طالبي البلاط الإلهي هؤلاء لا يزالون في خصام دائم فيما بينهم، ويشن بعضهم الغارات باسم صنمهم على عبدة الصنم الآخر. فلا شك أنهم سيحضرون في بلاط الله تعالى ولكن ليس كرجال البلاط، بل كمجرمين، وسوف يحكم الله بينهم ويكشف عليهم زيف دعاواهم. لقد ارتكب هؤلاء جريمتين: أولاهما الكذب حيث عزوا إلى الأصنام أو الآلهة الباطلة التي اتخذوها من دون الله تعالى صفات لا توجد فيها؛ وثانيتهما أنهم قاموا بنكران شديد لنعم الله تعالى، فإنه تعالى، رغم عظمته وجبروته، يتفضل عليهم وينعم عليهم، ومع ذلك يلجأ هؤلاء إلى الآلهة الباطلة. فقال تعالى إن الله لا يهدي مَن هو كاذبٌ كَفّارٌ.. فبكلمة كاذب نبه إلى كونهم كاذبين إذ يدركون أن هذه الأصنام لا تقدر على شيء ومع ذلك ينسبون إليها قدرات إلهية؛ أما كلمة كَفّار فبين الله تعالى بها أنهم جد ناكرين لمعروفنا حيث يرون نعمنا المتوالية ومع ذلك يعوذون بأصنامهم الباطلة بدلاً من أن يدخلوا في حمانا.
شرح الكلمات:
ضدًّا: الضدُّ هو المخالف وأيضًا المعاون. وكلا المعنيين ينطبق هنا بمعنى أنهم سيقفون في وجوههم أعداءً لهم، أو سيقفون في وجوههم مؤيدين للحق.
التفسير:
المراد من كلمة كلا أن أكبر ما يصبو إليه عبدة الأصنام هو أن ينالوا عزًّا، ولكن هذه الأصنام لن تتسبب في عزتهم أبدًا.
أما قوله تعالى سيكفُرون بعبادتهم.. فضمير الغائب في سيكفُرون يمكن أن يعود إلى العابدين وأيضًا إلى المعبودين، والتقدير: سيكفر العابدون بعبادة المعبودين، أو سيكفر المعبودون بعبادة العابدين.. بمعنى أن عابدي الأصنام أنفسهم سينكرون عبادتها، ويقولون إننا لم نعبدها قط، أو أن هذه الأصنام أو المعبودين باطلاً سيكفرون بعبادة من عبدوها ويقولون إن هؤلاء كاذبون إذ لم يعبدونا قط، بل كانوا يحققون بذلك مآربهم الأخرى من العز والشهرة.
وقد ذكر القرآن الكريم في موضع آخر هذين المعنيين كليهما حيث قال الله تعالى إذ تبرَّأَ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورَأَوُا العذابَ وتقطَّعتْ بهم الأسباب * وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كَرّةً فنتبرَّأَ منهم كما تبرءوا منّا (البقرة: 167-168).
بينما ورد في مكان آخر من القرآن الكريم أن الآلهة الباطلة ستقول لله تعالى تبرّأْنا إليك ما كانوا إيانا يعبُدون(القصص: 64).. أي يا رب نتبرأ من هؤلاء أمامك، فإنهم ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون أهواء أنفسهم.
كذلك جاء في مكان آخر من القرآن الكريم أن الملائكة تقول للمشركين وهي تقبض أرواحهم أين ما كنتم تَدْعون مِن دون الله من الآلهة الباطلة، فيقولون ضلُّوا عنا(الأعراف: 38).. أي قد فرّوا من عندنا ولا نراهم اليوم.
فبما أن هؤلاء يصنعون الأصنام هائلة ضخمة، ثم يتفاخرون على جيرانهم بما أنفقوا عليها من أموال طائلة، فإنهم يزدادون عزًّا وعظمة بين الناس، ولذلك قال الله تعالى هنا واتخذوا من دون الله آلهةً ليكونوا لهم عزًّا لينبه إلى أنهم ليسوا بحاجة إلى أن ينفقوا شيئًا على الله تعالى لأنه موجود منذ الأزل، وإنما يصنع هؤلاء الأصنام الفخمة، وينفقون عليها الذهب والفضة والأحجار الثمينة ويبنون لها المعابد الكبيرة المزخرفة طمعًا في العزة والشهرة وتفاخرًا بين الناس.
ويقول القرآن الكريم أيضًا وإذا رأى الذين أشركوا شركاءَهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعواْ مِن دونك فألقَوا إليهم القولَ إنكم لكاذبون(النحل: 87).. أي أن المشركين حين يرون آلهتهم الباطلة يقولون لله تعالى ربنا هؤلاء هم الذين كنا نعبدهم من دونك، وهؤلاء هم الذين قاموا بإغوائنا. فترد عليهم آلهتهم لِمَ تفترون علينا أيها المفسدون؟ فنحن لم نغوِكم، بل كنتم تشركون بالله تعالى طمعًا في مآربكم ومكاسبكم. وهذا يعني أن أولئك الآلهة التي يعتبرونها مدعاة عز لهم هي التي ستجلب عليهم الخزي والهوان في ذلك اليوم.
كما يخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم ويومَ نحشُرهم جميعًا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤُكم الذين كنتم تزعُمون * ثم لم تكُنْ فتنتُهم إلا أن قالوا واللهِ ربِّنا ما كنا مشركين (الأنعام: 23-24). والمراد من قوله تعالى ثم لم تكن فتنتُهم … أنه لن يكون جوابهم إلا أنهم يحلفون بالله ويقولون ربنا إننا لا نعرف هؤلاء الفاسدين، إذ لم نشركهم في عبادتك قط.
ويخبرنا الله تعالى في مكان آخر في القرآن الكريم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (يونس: 29).. أي أن الآلهة الباطلة نفسها ستقول في وجه المشركين ما كنتم إيانا تعبدون.
ويقول الله أيضًا عن المشركين وكانوا بشركائهم كافرين(الروم: 14).. أي أن المشركين سيكفرون بآلهتهم الباطلة ويقولون إننا لم نتخذها قط آلهة من دون الله تعالى.
وكما بيّنتُ من قبل أن من معاني الضد المعاون أيضًا، وعليه فيكون المراد من قوله تعالى ويكونون عليهم ضِدًّا أن هؤلاء المعبودين من دون الله تعالى باطلاً سيتعاونون مع الله تعالى في ذلك اليوم ضد عابديهم المشركين، أو أن المشركين سيصبحون متعاونين مع الله تعالى ضد آلهتهم الباطلة. وهذا يعني أن كلا الفريقين سيكون عندئذ معارضًا للآخر، ومتعاونًا مع الحق والصدق أيضًا. سيقول المشركون لم نعبد هؤلاء الآلهة، ويقول المعبودون ما كان هؤلاء إيانا يعبدون.
ومن الجدير بالذكر هنا أن الله تعالى يقول هنا ويكونون عليهم ضدًّا[، ولفظ ضدًّا واحد ولكنه يعني الجمع (إملاء ما منّ به الرحمن). والحكمة في هذا الاستعمال الرباني هي الإشارة إلى كمال الاتحاد والإجماع، حيث بيّن الله تعالى أن المشركين، رغم كثرة عددهم ورغم انتمائهم إلى شتى الطوائف والأحزاب، سيتحدون في ذلك اليوم ضد آلهتهم، فيقولون بلسان رجل واحد: لا علاقة لنا بهذه الآلهة الزائفة الباطلة، ونحن بريئون منهم كل البراءة. وأما الآلهة الباطلة فهي الأخرى ستعلن بالإجماع أن لا صلة لنا بهؤلاء المشركين، وها نحن نعلن براءتنا منهم. وذلك لشدة هول ذلك اليوم المخيف الشديد الذي يستولي فيه اليأس على الجميع، فيفرّ المشركون بأنفسهم من آلهتهم الباطلة، وستسعى آلهتهم الباطلة أيضًا للتخلص منهم إنقاذًا لنفسها.
فما أدل هذا الاستعمال على محاسن اللغة العربية، حيث أشار الله تعالى إلى موضوع واسع بتغيير الأسلوب قليلاً حيث استعمل المفرد مكان الجمع. فدل بذلك على أن هذه الآلهة التي يحسبها المشركون مدعاة عز لهم هي نفسها ستجلب عليهم الخزي والعار، وليس ذلك فحسب، بل أشار أيضًا إلى ضعفهم وعجزهم، وهول الموقف، واقتراب الخطر منهم بحيث لن يحتاجوا إلى تفكير طويل، بل إن الجميع، المشركين وآلهتهم الباطلة كلهم، سيتوصلون إلى نتيجة واحدة. سينكر المشركون عبادة آلهتهم الباطلة بلسان رجل واحد، دونما تدبر وتشاور، مدركين أن هذا هو السبيل الوحيد لنجاتهم. سيبلُغون الملايين عددًا، ولكن سيصبحون فردًا واحدًا فيما يتعلق بالنتيجة.
وهنا يطرح سؤال نفسه وهو أن معظم الآلهة الباطلة جماد فكيف تتكلم إذًا؟
(يُتبع)