الحج والخلافة. وحدة القبلة، ووحدة القيادة

الحج والخلافة. وحدة القبلة، ووحدة القيادة

التحرير

  • لماذا تتجاوز علاقة المؤمن بنظام الخلافة أطر القوانين الوضعية؟
  • هل يجوز القول بأن طاعة الخليفة انصياعٌ قسريّ، أم أنها طاعة “معروفة”؟
  • ما هو القاسم المشترك بين الخلافة كنظام رباني، والحج كركن إسلامي؟

___

مما أصبح مُتَّفَقًا عليه أنه لا يتسنَّى لأية جماعة إنسانية أن تبلغ غاياتها المنشودة دون رأس يدبّر شأنها، حيث إن أمة بلا قيادة هي كمثل جسد بلا روح، وعرضة للتلاشي أمام أول ريح عاصفة. وإذا كانت القيادات الدنيوية تُبنى على مصالح آنية وتزول بزوال شخوصها، فإن نظام الخلافة الروحية استمرار لفيض النبوة، وذلك النظام الرباني هو الكفيل بتبديل الخوف بالأمن كما نصَّت على ذلك آيات الوعد الإلهي في سورة النور من قول الله :

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(1).

إن هذا الاستخلاف ليس تشريفًا لشخص ما بشغل منصب ما، بل هو تمكين للدين الذي ارتضاه الله، وتحقيق لغاية الخلق في عبادة الله وحده بلا شريك. إنَّ قراءة تاريخ نظام الخلافة في أمة خاتم النبيين ﷺ، من شأنها أن تدلَّنا على ملاحظة عجيبة، وهي أن تاريخ الخلافة الراشدة الأولى على منهاج النبوة بدأ بفتنة، وانتهى بفتنة، إذ كانت البداية مع فتنة الردة، والتي افتتح حضرة أبي بكر الصديق عهده المبارك بمكافحتها واجتثاثها من أصلها. ثم كانت النهاية مع وقائع الفتنة الكبرى، ووراء تلك الملاحظة العجيبة تكمن حكمة بالغة، فالفتنة الأولى، أي فتنة الردة، اجتازتها الأمة بسلام، على الرغم من ضراوتها، ذلك لأنها انتظمت في سلك الطاعة لخليفة وقته، بينما لم تجتز الفتنة الثانية، لما شقت عصا الطاعة لخليفة الوقت. السر إذن يكمن في الطاعة، الطاعة تحديدًا.

فالفتن إذن ليست مجرد حوادث مؤلمة، بل هي الخروج عن سلطة الحاكم وإحداث الفساد الذي يُخل بأمن البلاد. لقد كانت فتنة الردة هي الاختبار الأول الذي أثبت أن نجاة الأمة يكمن في التشبث بأهداب نظام الخلافة؛ فحين تزلزل كيان الدولة الناشئة بوفاة النبي ﷺ، كان أبو بكر الصديق هو الربَّان الذي رسا بسفينة الإسلام على بر الأمان.

هذا الدرس التاريخي هو ما نفتقده اليوم؛ فالمسلمون حين أعرضوا عن توجيهات الخلافة الراشدة في عصورهم المتأخرة، فقدوا البوصلة وتجرعوا مرارات الهزائم في قضاياهم المصيرية المعاصرة، أَبَقِيَ بعد كل الدروس شك في أن الخلافة هي عين السفينة التي تركتها العناية الإلهية في كل زمان ليدّكر من يشاء النجاة من طوفان الفتن؟ يقول :

وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ..

يكمن الخطأ التاريخي الفادح في محاولة تسييس مقام الخلافة وتحويله إلى ملك عضوض أو دكتاتورية دنيوية. إن المسيح الناصري حين أعلن أن مملكته ليست من هذا العالم، لم يكن ينسحب من الواقع، بل كان يضع النقاط على الحروف؛ فرجال الله لا يُبعثون لمنازعة الملوك كراسيهم، بل لتربية النفوس. وهذا ما غاب عن المفكرين الذين حاولوا فصل الدين عن الدولة كحلٍ للأزمات، بينما الحل يكمن في إدراك أن الخلافة الحقيقية هي خلافة نبوية ونيابة ظلِّيَّة، تهدف إلى إصلاح باطن الإنسان قبل ظاهره، ونشر قيم السلام والمعايشة بعيدًا عن دهاليز السياسة المظلمة.

وحين ننظر في داخل هيكل نظام الخلافة، تستوقفنا العلاقة التي تربط المؤمن بنظام الخلافة الراشدة ومقامه السامي، وهي علاقة عجيبة حقًّا، حيث تتجاوز أطر القوانين الوضعية؛ إنها علاقة حب متسلسل، إذ يبدأ من حب شخص الخليفة بسبب حبه الصادق للنبي ، والذي أُمرنا بحبه للوصول إلى حب الله :

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.(3)،

فطاعة الخليفة ليست انصياعًا قسريًّا، بل هي ظل الحب الذي تضمره القلوب وتُظهره لله ورسوله ؛ فكما أن الظل لا يمكنه بحال أن يستقل عن الأصل، فكذلك المحب لا ينفك عن طاعة محبوبه.

ذلك لأن الاصطفاء الإلهي للخليفة يجعل منه قناة للفيوض الربانية، وهنا تصبح الطاعة وسيلة لذبح أهواء النفس وكبح ثوائرها، والوصول إلى الفناء في حضرة الله. فإن أي خطة أو مشروع للجماعة محكوم عليه بالفشل ما لم تُنفَخ فيه روح الانقياد التام لخليفة الوقت، لأن بركة العمل تكمن في وحدة الكلمة التي يمثلها هذا المقام.

إن المتأمل في تزامن صدور هذا العدد مع حلول موسم حج بيت الله الحرام، يدرك أنَّ ثمة خيطًا ناظمًا يربط بين رُكن الحج بكافة شعائره من جانب، ونظام الخلافة من جانب آخر؛ فالحج في جوهره هو إعلان عملي عن وحدة الأمة واجتماعها على صعيد واحد، وهي الغاية ذاتها التي يمثلها مقام الخلافة بوصفه الضرورة القصوى لصون وحدة الأمة. وكما أن الحجيج يلبون نداءً واحدًا، ويولُّون وجوههم شطر قبلة واحدة تذوب معها الفوارق، فإن نظام الخلافة يعمل كقناة للفيوض الربانية التي تصهر إرادات المؤمنين في وحدة الكلمة. إن الحج يمثل الجانب الشعائري من التمكين للدين، بينما تمثل الخلافة التجلِّي العملي والقيادي لهذا التمكين، حيث لا يتسنى لأية جماعة إنسانية بلوغ غاياتها دون رأس يتولى أمرها. فإذا كان الحج هو آية الاجتماع البدني حول بيت الله، فإن الخلافة هي السفينة التي تُقِلُّ هذا الجمع في خضمِّ الاضطرابات والضلالات ويدير دَفَّتَهَا رُبَّانٌ واحد. ومن هنا، تصبح الطاعة للخليفة ونظام الخلافة هي ذاتها روح التلبية في الحج؛ فكلاهما انقيادٌ للمحبوب، وكلاهما وسيلة لذبح أهواء النفس الأمارة، ومن ثمَّ الوصول إلى الفناء في حضرة الله .

فارتكازا على موضوع الاستخلاف، وبمناسبة الذكرى السنوية الثامنة عشر بعد المائة لقيام الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة في الجماعة الإسلامية الأحمدية، التي صُنِعت على عين الله ، يطيب لأسرة التقوى اتخاذ خطوة في إصلاح الخطأ التاريخي الفادح، والمتمثِّل في محاولة تسييس مقام الخلافة وتحويله إلى ملك عضوض أو دكتاتورية دنيوية. وفي خطبة سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله) نطلع على جانب من تدابير الله التي أهلت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بحيث تَحَقَّقَ له وَعْدُ الاسْتِخْلَافِ هُ بِكُلِّ لَوَازِمِه. وكذلك نطَّلع على شيء من النتاج الفكري لخلفاء جماعة المؤمنين في القضايا الدينية والعلمية. كما لا يسعنا إغفال ركن حج بيت الله الحرام، الذي يتزامن صدور عدد مايو 2026 مع حلول موسمه المبارك. فندعو الله أن يبارك لنا في نظام الخلافة الرباني، ويعيننا على الانخراط في سلك الطاعة المعروفة، آمين.

الهوامش:

1 – (النور: 56)

2 – (القمر: 16)

3 – (آل عمران: 32)

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via