وَالله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ (71)

شرح الكلمات:

أرذل العُمُرِ: الأرذَلُ: الدُونُ في منظره وحالاته؛ الرديء من كل شيء. وأرذلُ العمر: آخِرُه في حال الكِبَر والعجز (الأقرب).

التفسـير:

في الآيات السابقة كان الحديث يدور حول عدم قدرة آلهة المشركين الباطلة على إنزال هَدْي كوحي الله تعالى، أما الآن فقد ندّد الله بالمشركين بأنهم أنفسهم لا يستطيعون أن يأتوا بكلام كامل كوحي الله تعالى؛ فقال: إنما يقدر على تقديم هدي كامل مَن بيده الخلقُ والموتُ، ويملك التصرفَ على العقل الإنساني، فثبت أنه ليس بوسع الإنسان تقديمُ منهج مكتمل، إذ ليس بيده الخلق حتى يُودِع في الناس كفاءاتٍ وطبائع تتناسب مع التعليم الذي يقترحه لهم، كما لا يملك الموتَ حتى يخلق أسباب الحياة بعد الموت، كما لا سلطان له على العقل الإنساني حتى يختار لهداية الجنس البشري أناسًا يضمن سلامة عقولهم من الآفات والعاهات على الدوام؛ فكثيرًا ما تختار الحكومات لتعليم النَّشْءِ أساتذة ذوي ذكاء خارق، ولكنهم عندما يبلغون سن الهرم يأخذون في الهذيان والخَرَف، وليس هناك وسيلة نحدّد بها زمنَ إصابةِ عقولهم بالخرف حتى لا يؤخذ بخرافاتهم منذ ذلك الوقت؛ لذلك نجد الكثيرَ من تلاميذهم السذّج يصدّقون خرافاتِهم فيضلّون. فثبت أن التعليم الذي يهدي الناس حقًّا إنما ينـزل من عند الله وحده، فهو خالقُهم وهو الأعلمُ بحاجاتهم، وهو الذي يُميتهم، وهو الأعلم بحاجاتهم بعد الموت، وهو الذي يملك التصرف على العقل الإنساني، وبالتالي يضمن سلامةَ عقول الذين يختارهم لوحيه. وإن في هذا لآيةً للمتفكرين، إذ لا يوجد بين الأنبياء نبي واحد بَلَغَ أرذلَ العمر حتى يقال عنه أن حالته العقلية ضعُفت في وقت من الأوقات، فلم يعد لكلامه اعتبار. هل هناك أية حالة كهذه تعرفها الدنيا من بين مئات الأنبياء الذين تعرفهم؟ كلا، لن تستطيع الدنيا تقديم مثال واحد على ذلك. أفليس هذا برهانًا ساطعًا على أن الذي يبعثهم هو مالِك العقل الإنساني والمتصرف فيه، فإذا اختار عبدًا من عباده لتعليم الناس تولّى بنفسه حماية عقل هذا العبد من كل مرض وعاهة.أما إذا فسّرنا الآية من منظور الحياة القومية فالمراد أن الأمم أيضًا تصاب بالهرم والكبر وتنسى المعارف، فيتطلب الأمر أن يأتي الله بجيل جديد يتولّى بنفسه تعليمَهم بإنزال الوحي إليهم من جديد.ثم أشار بقوله تعالى إن الله عليم قدير إلى أن الذي عِلمُه دائم لا ينفد، والذي هو قادر فعّال لما يريد، فهو وحده الذي يحق له أن يُنـزل الوحي.

وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (72)

شرح الكلمات:

على ما ملكتْ أيمانُهم: هو مَلَكَةُ يميني أي أملِكُه وأقدِر عليه (الأقرب).يجحَدون: جحَده حَقَّه وبِحَقِّه: أنكره مع عِلمه به. جحَده: كفَر به؛ كذّبه (الأقرب).

التفسير:

لقد ساق الله هنا دليلاً آخر على ضرورة الوحي، وهو أن الوحي لا يصحح العقائد الفاسدة فحسب، بل يعمل أيضًا على إصلاح توازُن الحكومات الدنيوية. ففي كل زمن يخص الله بعضَ الأفراد والأمم بنعمه وفضله، فيسبِقون غيرهم؛ وهذا قانون إلهي عام. ولو أن هؤلاء المتفوقين يتمسكون بالعدل والإنصاف ولا يهضمون حقوق الآخرين فلا بأس بسبقهم، ولكن ما يحدث دائمًا هو أن الذين يملكون زمام الأمور يرفضون كليةً أن يتقاسموا تلك السلطة أو النعمة مع عبيدهم أو الذين هم كعبيد لهم؛ وليس هناك من سبيل لإخراجِ المظلومين من تحت وطأة الظالمين ولِمنحِهم الشرفَ والمنصب على أساس الجدارة والكفاءة والمساواة.. إلا أن يبعث الله مرة أخرى نبيًّا من عنده يسترد للمظلومين حقوقهم.

إن الذين يستولون على أقدار البلاد إنما حجتهم أن زمام الأمر يجب أن يبقى في أيدي الأكفاء، وبهذه الحجة يحصرون الكفاءة في أناس معينين وعائلات خاصة يريدونها، فيصبح الحكم حِكْرًا على بعض العائلات والقبائل، وتتوطد المَلكية، دون أن يؤخذ رأي العامة في الاعتبار أو أن يكون لهم دخل في الحكم.

وهناك فئة أخرى أيضًا تقوم بسلب حقوق الناس، وهم المحترفون الدينيون من براهمة ومشايخ وقسيسين ورهبان وكهان الذين يتصرفون وكأن الدين حِكْرٌ عليهم ومِلْكٌ لهم، فيجعلون العامة في معزل عن الدين، فلا هم يُخبرونهم بحقائقه كما لا يتيحون لهم الفرصة لدراسته عن كثب، وإنما يُقنعونهم بأن ليس لهم إلا أن يقبلوا كل ما يقال لهم عن المسائل الدينية، من دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء قراءة كتبهم الدينية والتدبر فيها حتى يفهموها وينتفعوا بها.

فكلما ابتعدت الأمة عن زمن نبي أخذت بعض الأُسر السلطةَ والحقوق في أيديها، ثم توارثتها فيما بينها، حتى لا يُعتبر العامة أهلاً للإدلاء برأيهم في أمور الدين ولا الدنيا. وتُرجع هذه الأسر المحتكِرة للسلطة هذا التمييزَ إلى كفاءة تكون موهومة في الواقع، حتى إن ابنًا غبيًّا للملِك يُعَدُّ أذكَى شخص في العالم، وهذا الغبي يبلغ من الزهو والغرور بحيث إنه حينما يريد إصدار أمر من الأوامر يستخدم كلمات سخيفة جدًّا، فيقول مثلاً: إن السمو الملكي يقترح لمصلحة الرعايا اقتراحًا رائعًا كذا، وها إننا نعلن عنه بهذا الإشعار؛ أو يقول: إنه من حسن حظ أهل البلد أن جلالة الملك يوافقني في رأي كذا. وكلما كثُر غباؤه كثُر زهوه واستكباره.

والأمر نفسه ينطبق على العالَم الديني. فإن الكثير يتلقبون بالمشايخ لأنهم أولاد علماء، في حين أنهم محرومون أصلاً من قوة التفكر والتدبر، ومع ذلك يطالبون الدنيا أن تقبل منهم سخفَهم من دون أدنى اعتراض؛ ومن فَضَّلَ كلامَ الله على خرافاتهم وترّهاتهم التي لا برهان عليها أفتَوا عليه بالكفر والارتداد.

إن من مزايا تعليم الإسلام أنه يعلن أن كل شيء مِلك لاثنين: أحدهما مَنْ كَسَبَ هذا الشيء، وثانيهما البشرية جمعاء. إن الإسلام يوزّع المِلك بين صاحِبه وبين الناس أجمعين، لأن الواقع أن لكل فرد من البشر حقَّ المِلكية على كل شيء موجود في الدنيا لكون الناس سواسية، ولذلك فقد سعى الإسلام أن لا يملك أحد شيئًا ما بحيث يحول دون رقي الآخرين، بل قد أفسح الإسلام المجال للآخرين أيضًا لينتفعوا منه…

وفي مثل هذا الوقت العصيب لا ملجأَ للناس ولا علاج لمشاكلهم إلا بعثة نبي من عند الله . وعندما يظهر النبي يُحرَم من معرفته وتصديقه هؤلاء الأغبياء الذين يدّعون العلمَ؛ أما الذين هم علماء حقًّا، والذين تراهم الدنيا بالعموم جهالاً، فيؤمنون به بما أوتوا من نور البصيرة ونقاء الفطرة. وعندها تنشب الحرب بين الملائكة والشياطين، فأما الذين استُضعفوا واعتُبروا جاهلين غيرَ أكفاء فيُفشلون مكائدَ المستبِدّين المستعبِدين للناس بحجة الكفاءة والجدارة، ويمزِّقون حججَهم كما تمزق النسور لحمَ الجيفة ضربًا على الصخرة. وهكذا ينكشف على الدنيا زيف هؤلاء الأغبياء الذين ادعوا أنهم أكفأ الناس وأجدرهم بالحُكم، وتتاح للمقهورين منذ أجيال فرصةُ الرقي مرة أخرى، وتتنفس الإنسانية في حرية تامة من جديد.

هذا هو المعنى الذي تبيّنه هذه الآية، حيث تخبرنا أن الذين يحتكرون نعمَ الله في أيديهم لا يُشركون فيها الذين استعبدوهم كيلا ينتفع بها السيد والمسود على حد سواء. متى منح هؤلاء المستبدّون لأهل الدنيا حرية الرأي وحرية العمل؟ فكيف يتسنى للإنسانية – والحال هذه- أن تتقدم وتزدهر، اللهم إلا أن يبعث الله أنبياءه مِن حين لآخر ليعيدوا للإنسانية اعتبارها وحريتها.

إذن، فهذه الآية تؤكد ضرورةَ النبوة، وتسوق بهذا الصدد برهانًا عمليًّا يبلغ من القوة والوضوح بحيث لن يسع أهلَ البصيرة أمامه إلا الاعتراف بأنه لولا النبوة لما استطاع الناس حماية حقوقهم، ولولا نزول هذه النعمة مرة بعد أخرى لما قدر الإنسان على المضي قُدُمًا.وأما قوله تعالى أفبِنعمةِ الله يجحَدون فيمثّل لومًا لعامة الناس بأنكم تتنكرون لمن جاء لنجدتكم وتكفرون به، وتُظاهرون الظالمين الذين سلبوكم حقوقكم بالظلم والعدوان.

هذا، والآية عرضٌ رائع للنظرية الإسلامية عن المِلْكية. فقوله رِزقهم يمثل إعلانًا ربانيًّا أن ما في أيدي الأثرياء هو مِلك لهم بدون شك، ولكنه مِلكٌ للفقراء أيضًا كما يتضح من قوله تعالى فما الذين فُضِّلوا برادّي رزقِهم ، لأنه إنما يُرَدُّ من الأشياء ما يكون للغير، أما ما يملكه أحد بالتمام والكمال فلا يُرَدّ. ويبدو لأول وهلة أن هناك تعارضًا في الآية، ولكن الأمر ليس كذلك. إن من مزايا تعليم الإسلام أنه يعلن أن كل شيء مِلك لاثنين: أحدهما مَنْ كَسَبَ هذا الشيء، وثانيهما البشرية جمعاء. إن الإسلام يوزّع المِلك بين صاحِبه وبين الناس أجمعين، لأن الواقع أن لكل فرد من البشر حقَّ المِلكية على كل شيء موجود في الدنيا لكون الناس سواسية، ولذلك فقد سعى الإسلام أن لا يملك أحد شيئًا ما بحيث يحول دون رقي الآخرين، بل قد أفسح الإسلام المجال للآخرين أيضًا لينتفعوا منه؛ وما أدلَّ على ذلك من أحكام الإسلام في أداء الزكاة وتوزيع الإرث، ونهيِه عن جمع الذهب والفضة، وعن التعامل الربوي وغيرها من الأحكام الكثيرة مما لا مجال هنا للخوض في تفصيله. والخلاصة أن الإسلام لا يقول بمِلكية شخصية مطلقة، ولا بمِلكية قومية بلا حدود، بل يقيّد الطرفين بشروط، لكي يزدهر كل منهما في دائرته المحددة.

و ما ملكتْ أيمانُهم يعني العبيد عمومًا، وقد استخدمه القرآن بهذا المعنى في معظم الأحيان، ولكن مفهومه، لغةً، أشملُ من ذلك، أي كلُّ ما هو تحت تصرُّف الإنسان من الخَدَم والموظفين والأجراء والعمال وغيرهم.

هذه الآية رد على الذين لا يرون أية حاجة للوحي السماوي ويقولون: بإمكاننا أن نختار بأنفسنا منهجًا مناسبًا لحياتنا. يقول الله تعالى: إن سن الشرائع يجب أن يكون من اختصاص الله فقط، لأن سن القوانين السليمة من الخطأ والسقم إنما يستطيعه من لا مصلحة له في تقسيم الحقوق، إذ لا بد أن تدفع المصلحة الشخصية أو القومية صاحِبَها إلى الخطأ. فمثلاً لو سنّ الرجال قانونًا ما لم يرعَوا فيه حقوقَ النساء كما ينبغي، ولو سنّ الأثرياء قانونًا ما لركّزوا فيه على حماية حقوق كبراء القوم مهملين حقوق الفقراء، وهلمّ جرًّا. فلذا يقول الله تعالى: إننا لم نفوّض سنَّ الشرائع إلى البشر منعًا لاحتكار النعم في أيدٍ معدودة، وإنما باشرنا هذا الأمر بأنفسنا حتى نسترد حقوقَ العامة الذين هم كالعبيد ولا يملكون صوتًا قويًّا يجبر الآخرين على ردّ حقوقهم إليهم.

Share via
تابعونا على الفايس بوك