الحوار الصريح

من استعارات العزيز الحكيم

إن الوعد الذي قطعته (التقوى) على نفسها بأن تكون مهدًا لكل حوار فكري علمي هادئ يطل اليوم في شكل باب جديد نضيفه لصفحات المجلة تحت عنوان “الحوار الصريح” يجيب من خلاله الكتاب المختصون على الأسئلة الكثيرة التي يحملها بريد المجلة.  إن أسئلتكم ستكون الزاد الذي يغني هذا الباب ولذلك فصدر (التقوى) الرحب سيتسع لكل سؤال بنَّاء يتعلق بالمواضيع التي تطرحها المجلة.

سؤال هذا العدد يُجيب عليه الأستاذ: محمد حميد كوثر[1]

السؤال

ما هو تفسير الوحي الذي تلقاه مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية حضرة مرزا غلام أحمد ( ) القائل: “أنت مني وأنا منك، أنت مني بمنزلة ولدي”

الجواب

تدل هذه الكلمات الإلهامية على علاقة المودة والمحبة التي كانت بين الله تعالى وبين سيدنا أحمد . وقد استُعمِل نفس هذا الأسلوب في القرآن المجيد وفي الأحاديث النبوية الشريفة وفي كلام العرب بغرض إظهار المحبة والمودة بين المتكلم والمخاطَب. فقد ورد في القرآن الكريم على لسان سيدنا إبراهيم : فَمَن تَبِعَنيِ فَإِنَّهُ مِنيِّ (إبراهيم: 37)

وبطبيعة الحال.. لا يفهم أحد من كلمة “مني” بأن كل من اتبع سيدنا إبراهيم قد أصبح من أولاده، بل في هذا دلالة على قوة علاقة المودة والمحبة بينه وبين أتباعه وكأنهم صاروا من ذريته.

كذلك ورد في القرآن المجيد بأن طالوت قال لجنوده:

فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنيِّ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنيِّ (البقرة: 250)،

ولا يُفسر أحد هذه الآية بأن كل من لم يشرب قد صار من أولاد طالوت، بل تعني أن من شرب لن يكون من أتباع طالوت، وأن من لم يشرب فهو مع طالوت وطالوت معه.

ولرسول الله أقوال كثيرة تحتوى على هذا التعبير، إذ ورد عنه أنه قال: “إن عليًّا مني وأنا منه” (مشكاة باب مناقب علي ابن أبي طالب، رواه الترمذي)، ولا يُفسر أحد هذا الحديث على أن العلاقة بين رسول الله وبين عليّ هي علاقة الأب بابنه الذي من صلبه، فالجميع يعلم أن حضرة علي كان ابن أبي طالب. وكذلك قال: حسين مني وأنا من حسين” (المرجع السابق باب مناقب أهل بيت النبي). وأيضا قال: “العباس مني وأنا منه” (المرجع السابق)، كذلك قال عن سلمان الفارسي: “سلمان منّا أهل البيت”. كما ورد عنه كذلك أنه قال عن الأشعريين: “هم مني وأنا منهم” (صحيح البخاري، كتاب المغازي – باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن).

“أنا منك” إشارة إلى أن وحدانية الله المفقودة في هذا العصر.. عصر الإلحاد وفقدان الإيمان وانتشار التثليث والشرك.. هذه الوحدانية سوف تعود وتعلو وتظهر بواسطتك وبواسطة جماعتك.

يتضح من استعمال القرآن الكريم والحديث الشريف لهذا التعبير: “أنت مني وأنا منك” أن مثل هذه الكلمات تُطلق تعبيرا عن المحبة الفائقة وإظهارًا لكمال المودّة. وقد وردت في إلهامات سيدنا أحمد للدلالة على مدى العلاقة الوثيقة والحب العظيم الذي كان بين الله سبحانه وتعالى وعبده أحمد الإمام المهدي . وفي الحديث القدسي يشير الله تعالى إلى أنه حينما يُحب إنسانا فإنه سبحانه يكون سمعه وبصره، ويكون يده ورجله التي يمشي بها:

قال رسول الله إن الله قال: من عادى لي وليًا آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها”. (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع) ولم يعترض أحد قط على نص هذا الحديث وفهمه على ظاهره وبصفة سطحية أي أن الله فعلا قد صار يد المؤمن التي يبطش بها أو رجله التي يمشي بها وكأن الله حلّ في جسد هذا المؤمن، بل يفهم الجميع أن ذاك المؤمن قد صار قريبا من الله تعالى وتفانى في حبه وطاعته حتى أن يده التي يبطش بها لا تقوم بعمل إلا بعد أن تحظى على موافقة الحضرة الأحدية، ولا تخطوا رجله خطوة إلا وتكون الغاية من هذه الحركة الحصول على رضا الله والسعي في الأعمال الخيرية التي تُحبب المرء وتقربه للمولى .

وقد فسر سيدنا أحمد هذا الوحي، وشرح معناه بكل وضوح، ولكن المعارضين يتجاهلون ذلك الشرح والتفسير، ويحاولون أن يؤوّلوه كما يحلو لهم حتى يُضلّوا خلق الله ويصرفوهم عن الحق. وتلخيص تفسير حضرة الإمام المهدي لهذا الوحي كالآتي: إن قوله تعالى: “أنت مني” يعني أنك مبعوث من قِبَلي، وقوله: “أنا منك” يشير إلى وحدانية الله التي فُقِدت في العصر الحاضر بين الناس، حيث يُنكر الملحدون وجود الله تعالى من جهة، ويزعم المسيحيون أن الله ثالث ثلاثة من أخرى، كما اتخذ اليهود أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، واتخذ غيرهم من البشر مثل الهندوس والبوذيون وغيرهم رجالا ورفعوهم إلى مرتبة الآلهة كما فعل المسيحيون بعيسى بن مريم ، وانصرف المسلمون عن جوهر الشريعة وتمسكوا بالمظهر والقشور. ففي هذه الظروف يقول تعالى لعبده الإمام المهدي والمسيح الموعود : “أنا منك” إشارة إلى أن وحدانية الله المفقودة في هذا العصر.. عصر الإلحاد وفقدان الإيمان وانتشار التثليث والشرك.. هذه الوحدانية سوف تعود وتعلو وتظهر بواسطتك وبواسطة جماعتك.

وأما ما جاء من قول الله تعالى في وحي سيدنا أحمد : “أنت مني بمنزلة ولدي”، فهو يماثل قول سيدنا محمد حيث قال: “الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله” (مشكاة، باب الشفقة والرحمة على الخلق، الفصل الثالث، ومرقاة المفاتيح ج 9 ص 244). وقد فسّر سيدنا أحمد بنفسه هذا الوحي فقال:

“… حاشى لسبحانه وتعالى أن يكون له ولد، ولكن هذه استعارة كمثل قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ ، والاستعارات كثيرة في القرآن الكريم ولا اعتراض عليها عند أهل العلم، فهذا القول ليس بقول منكر، وتجد نظائره في الكتب الإلهية وأقوال السلف الصالح من مشائخ وكبار الصوفية الذين عُرفوا بانغماسهم وإبداعاتهم في المجالات الروحانية، فلا تعجلوا علينا يا أهل الفطنة…” (الخزائن الروحانية: ج22 – كتاب: الاستفتاء ص 709).

كذلك لا يغيب عن البال أن الله تعالى قد بعث سيدنا أحمد وجعله المسيح الموعود، أي جعله مثيلا لعيسى ابن مريم ، وحيث أن المسيحيين قد غلوا في أمر المسيح بن مريم واعتبروه ابن الله وأنه وحده من دون الخلق جميعا الذي يعتبر “ولد الله” والعياذ بالله، لذلك أراد سبحانه أن يُبيّن مرتبة رسوله الأعظم وسيد الخلق أجمعين عليه وعلى أهله وأصحابه وأتباعه أفضل الصلاة والتسليم، فبعث رجلا من خدام رسول الله ومن أتباعه، وجعله مثيلا لذلك الذي اتخذه النصارى “ولد الله”، وقال له أنت بمنزلة ذلك الذي زعموا أنه ابن الله، وكأنه سبحانه يُبكّت أولئك المغضوب عليهم والضالين الذين ذكر تعالى عنهم:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ (التوبة: 30)،

فكأنه سبحانه يقول إنني جعلت واحدا من خدام محمد في منزلة ذلك الذي زعمتم أنه ولدي، فإذا كانت هذه منزلة الخادم، فما أعظمها وأرفعها وأعلاها منزلة السيد الذي أنتم عنه غافلون! اللهم صل على هذا النبي الصادق الأمين، وسلم على هذا الرسول الكريم العظيم، وبارك على من جعلته رحمة للعالمين إلى يوم الدين يا أرحم الراحمين. ولعله من المناسب أن نختم هذا الشرح بسرد بعض الأبيات التي تغنى فيها سيدنا أحمد بالثناء على الله تعالى وذكر صفاته فقال:

بِكَ الحَوْلُ يَا قَيُّومُ يَا مَنْبَع الهُدَى

فَوَفِّقني أَنْ أُثْني عَلَيْكَ وَأَحَمدَا

.

تَتُوبُ على عَبْدٍ يَتُوبُ تَنَدُّمًا

وتُنْجِي غَرِيقًا في الضَّلالَةِ مُفْسِدَا

.

كَبِيرُ الْمَعَاصِي عِنْدَ عَفْوِكَ تَافِه

فَمَا لَكَ في عَبْدٍ أَلمَّ تَرَدُّدَا

.

تُحِيطُ بِكُنْهِ الكائِنَاتِ وَسِرِهَا

وَتَعْلَمُ مِنْهَاجِ َالسّوَى وَمُحَرَّدَا

.

ونْحنُ عِبادُكَ يَا إِلَهِي وَمَلْجَائي

نَخِرُّ أَمامَكَ خَشيَةً وَتَعَبُّدَا

.

وَمَا كَانَ أَن يَخْفَى عَلَيْكَ نُحَاسُنا

وَتَعلَمُ أَلوَانَ النُّحَاسِ وَعَسْجَدَا

.

وكَمْ مِنْ دَهِيٍّ أَهلَكتَهُم مِّنْ شُرُورِهِمْ

وَأَخَذتَهم وكَسَرْتَ دَأْيًا مُنَضَّدَا

.

وكَمْ مّنْ حَقِيرٍ في عُيُونٍ جَعَلتَهُم

بِأَعْيُنِ خَلْقٍ لُؤلُّوءًا وَزبرْجَدَا

.

وَتَعْمَرُ أَطْلالاً بِفَضْلٍ وَرَحمَةٍ

وَتَهُدُّ مِنْ قَهْرٍ مُّنِيفًا مُّمَرَّدَا

.

وَمَا كَانَ مِثلُكَ قُدرَةً وَتَرَحُّمًا

وَمِثلُكَ ربّيِ ما أَرَى مُتَفَردَّا

.

فَسُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الخَلاَئِق كُلَّهَا

وَجَعَل كَشَيْءٍ وَاحِدٍ مُتَبَدَّدَا

.

غَيُورٌ يُبِيدُ الْمُجرِمِينَ بِسُخْطِهِ

غَفُورٌ يُنَجّي التَّائِبينَ مِنَ الرَّدًى

.

فَلاَ تَأْمَنَنْ مِنْ سُخْطِهِ عِنْدَ رُحْمِه

وَلاَ تَيْئَسَنْ َمنْ رُحْمِه إِنْ تَشَدَّدَا

.

وَإِنْ شَاءَ يَبْلُو بِالشَّداَئِدِ خَلْقَهُ

وَإِنْ شَاءَ يُعْطِيهِمْ طَرِيفًا وَمُتْلَدَا

.

وَحِيدٌ فَرِيدٌ لاَ شَرِيكَ لِذَاتِهِ

قَوِيٌ عَلِيٌّ في الْكَمَالِ تَوَحَّدَا

.

وَمَنْ جَاءَهُ طَوْعًا وَصِدْقًا فَقَدْ نَجَا

وَأُدْخِلَ وِرْدًا بَعْدَ مَا كَانَ مُلْبَدَا

.

لَهُ الْمُلكُ وَالْمَلْكُوُت والْمَجدُ كُلُّهُ

وكُلٌّ لَهُ مَا لاَحَ أَوْ رَاحَ أَوْ غَدَا

.

وَمَنْ قَالَ إِنَّ لَهُ إِلَهًا قَادِرًا

سِواهُ فَقَدْ تَبِعَ الضَّلالَةَ وَاعْتَدَى

.

هَدَى الْعَاِلَمينَ وأَنزَلَ الكُتْبَ رَحْمَةً

وَأَرْسَلَ رُسلاً بعد رُسلٍ وَأَكَّدَا

.

وَأَنتَ إِلهِي مَأْمَنيِ ومَفَازَتي

وَمَا لي سِوَاكَ مُعاوِنُ يَدْفَعُ الْعِدَا

.

عَلَيْكَ تَوكَّلْنَا وَأَنتَ مَلاَذُنَا

وَقَدْ مَسَّنَا ضُرٌّ وَجِئْنَاكَ لِلنَّدَا

.

وَلَكَ آياتٌ في عِبادٍ حَمِدْتَّهُمْ

وَلَا سِيَّمَا عَبْدٍ تُسَمّيهِ أَحْمَدَا

.

(الخزائن الروحانية – الجزء 7 – ص 89 – 90)

Share via
تابعونا على الفايس بوك