عالمية القيم الإسلامية، وفضيلة الائتلاف رغم الاختلاف

عالمية القيم الإسلامية، وفضيلة الائتلاف رغم الاختلاف

التحرير

  • فكيف أصل القرآن الكريم لمفهوم الاختلاف في الألسن والألوان كآيةٍ  دالَّةٍ على الوحدانية؟
  • وما النموذج الفريد الذي قدمته الشعوب المفتوحة (كالأمازيغ) في بناء ورفعة الحضارة الإسلامية؟
  • وكيف رعت اللغة العربية لغات الشعوب الأخرى وسمحت لها بالإبداع دون قمع أو إكراه؟

___

المتأمل في فلسفة الوجود الإنساني من منظور القرآن الكريم يدرك يقينًا أن الاختلاف ليس عارضًا طارئًا، بل هو آية مقصودة بحد ذاته. فالله الذي خلق السماوات والأرض جعل من اختلاف الألسنة والألوان دليلًا قائما على تفرده بالوحدانية. ومن هنا، تنطلق مجلة “التقوى” في عددها الحالي لشهر أكتوبر 2026 مسلِّطة ضوءًا كاشفًا على قيمة الائتلاف في ظل الاختلاف، والتأصيل العَقَدِيِّ الذي استطاعت به الحضارة الإسلامية تكوين اللوحة الفسيفسائية التي استوعبت قِطَعًا متنوعة من حضارات شتى دون أن تَجْحَدَ فضلَ أيٍّ منها.

ومنذ صدر الإسلام كانت النظرة الإسلامية إلى الأمور متوازنة، فقد أقرَّ النبي الخاتم ﷺ بالفضل لأهل الفضل، ولو كانوا ممن ظلُّوا على دين آبائهم، أو قضوا حياتهم في زمن الجاهلية على الشِّرك، فعفا عن قبيلة طيء بأسرها، عرفانًا بفضل أحد أبنائها ومناقبه، وهو حاتم الطائي.

كذلك تجلت أخلاق الفاتحين المسلمين فيما بعد في أبهى صورها، فلم يكن السيف هو أداة الفتح وآلته الوحيدة، بل كانت الأمانة والوفاء بالعهود هي الأداة الأبرز، وهي القوة الناعمة التي هزمت أعظم إمبراطوريتين حينئذٍ في آن واحد. لقد كانت المواقف التاريخية المتكررة لقادة جيوش المسلمين مع أهل البلدان المفتوحة نماذج منقطعة النظير، لم يكد يصدُر مثلها من ملوك الدنيا على مر الزمان. ألا يقص علينا التاريخ ذكر حسرة أهل بعض مدن الشام على رحيل المسلمين عنهم، داعين لهم بالعودة، لأنهم وجدوا في ظل الحكم الإسلامي عدلًا وإنصافًا وإيثارًا لم يجدوه عند إخوانهم في الدين من الروم المُحتلين.

وفتح الشام ليس المشهد التاريخي الوحيد، فبالانتقال إلى شمال أفريقيا، نجد نموذجًا آخر للتلاحم الحضاري لم تكن البشرية لتطلع عليه لولا حركة الفتوحات الإسلامية. فأقوام الأمازيغ، أولئك الأحرار النبلاء، لم يكونوا مجرد شعوب مفتوحة، بل كانوا روافد صبت في خضم الحضارة العربية، وكان منهم قادة عسكريون أفذاذ حملوا بدورهم راية الفتح الإسلامي عبر البحار، عابرين بها إلى أوروبا لينيروا بقاعها بنور الإسلام أواخر العصور الوسطى. وهذا الأمر بحد ذاته يُتَّخذُ دليلا على أنَّ الإسلام لم يسعَ يومًا لمحو الهوية الأمازيغية، بل إن من الممالك والسلطنات الإسلامية التي أقامتها أُسر أمازيغية في الشمال الغربي من القارة الأفريقية ما كانت راعية للثقافة العربية الإسلامية ومتماهية فيها، فلو افترضنا جدلا أن الإسلام سعى إلى طمس هوية الشعوب المفتوحة، لكان أول ما يسعى إليه أبناء تلك الشعوب حال التمكُّن من السلطة أن يتحرروا من السيطرة الإسلامية! ولكن الإسلام كان، ولا يزال، وسيظل حاضنا لاحتواء كل أبنائه، على اختلاف مشاربهم وآرائهم وألوانهم.

لقد أثبت التاريخ أن أهل البلدان المفتوحة، سواء كانوا من الفرس أو الروم أو الأمازيغ أو غيرهم، هم من رفعوا دعائم الحضارة العربية الإسلامية إلى عنان السماء، ولم تكن لغتهم أو عرقيتهم عائقًا أمام إبداعهم الذي خلده مؤرخون مثل ابن خلدون ورحّالة مثل ابن بطوطة، وعلماء مثل البيروني، ولغويين مثل ابن جني وابن آجُرُّوم.

وهنا نصل إلى قضية ثقافية حساسة، وهي علاقة العربية بغيرها من اللغات. إن العربية، بوصفها لغة دين وحضارة وثقافة، تميزت عما سواها من لغات حية وميتة بكونها اللغة الوحيدة التي لم يشهد انتشارها، بوجه عام، قمعًا لما عداها من لغات، بل في ظل مجد العربية التليد أبدع المسلمون كلٌّ بلسانه القومي، فكتب جلال الدين الرومي ديوانه “مثنوي معنوي”، وعُمَرُ الخيام رباعياته كُلًّا بالفارسية، وأبدع الأمازيغ والأكراد بالعربية حبًّا واختيارًا لا جبرًا أو إكراهًا بأية حال من الأحوال.

وبما أنَّ اللغة والفكر والأخلاق عناصر ثقافية ضمن المنظومة الحضارية الواحدة، لا يفوتنا في هذا السياق تفكيك الادعاءات الغربية المعاصرة التي تحاول عزل الإسلام عن القيم المعاصرة التي تبنتها أنظمة سياسية حديثة نسبيًّا، كالثورة الفرنسية، في مناداتها بقيم الحرية، والإخاء، والمساواة. إن هذه المبادئ التي تشدقت بها الثورة الفرنسية ليست غريبة عن الإسلام، بل هي نبت إسلامي أصيل غرسته التعاليم القرآنية قبل أربعة عشر قرنًا؛ فالحرية أصِّلَ لها لا القرآن بحرية الضمير، وألَّا إكراه في الدين. والمساواة كذلك جاء التأصيل لها في القرآن مِرارًا وتكرارًا، أبرزه ما ورد عما بين الرجل والمرأة من مساواةٍ في التكليف والجزاء. والإخاء تجلى في أول منظومة إعلانات عالمية تؤصل للأخوة الإنسانية، حيث تُصرف الزكاة على الفقراء والمساكين دون سؤال عن دينهم أو عرقهم.

لقد أثبت التاريخ أن أهل البلدان المفتوحة، سواء كانوا من الفرس أو الروم أو الأمازيغ أو غيرهم، هم من رفعوا دعائم الحضارة العربية الإسلامية إلى عنان السماء، ولم تكن لغتهم أو عرقيتهم عائقًا أمام إبداعهم الذي خلده مؤرخون مثل ابن خلدون ورحّالة مثل ابن بطوطة، وعلماء مثل البيروني، ولغويين مثل ابن جني وابن آجُرُّوم.

إن محاولات فرض مواثيق تتظاهر بمطالبة المسلمين بالتصالح مع هذه القيم هي من قبيل تحصيل الحاصل؛ لأن المسلم الحقيقي يرى في هذه المبادئ صميم دينه. وكما علمنا النبي ﷺ أن حب الوطن من الإيمان، فإن ولاء المسلم لوطنه وسعيه لرقي مجتمعه هو جزء لا يتجزأ من ولائه لخالقه.

إن حضارة اليوم تنطلق من حيث توقفت حضارة الأمس. والحضارة الإنسانية كتاب واحد تكتب كل أمة فيه صفحتها وتطبع عليها بَصْمَتَها الخاصة. لقد سطر المسلمون، عربًا وأمازيغَ وفرسًا ومغولًا، صفحاتٍ ناصعةً من العدل والتسامح، فاليوم نجدد الدعوة لأن يكون هذا الإرث هو المُنْطَلق لبناء مستقبل يسع الجميع، حيث بقاء الهوية لا يعني بتاتًا صراعها مع ما سواها من هُوِيَّات، بل تكاملها في إطار من الإنسانية المتسامية على الضغائن والأحقاد.

من هنا ندعو القارئ العزيز للإبحار في مقالات هذا العدد، ليرى كيف أنَّ الإسلام يظل دائمًا وأبدًا مِظَلَّةً للأحرار، ومنارًا للمنصفين! فنُطلعه على خطبة لسيدنا أمير المؤمنين (أيده الله) ليرى كيف تتجلى أخلاق قادته وفاتحيه في المواقف المصيرية! إضافة إلى باقة من المقالات التي تعزز تلك الغاية، منها ما يبيِّن كيف صانت لغة القرآن تراث العالم وحضاراته!

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via