- فما التحديات الناعمة التي تواجه الهوية الإسلامية في الغرب مقارنة بالاضطهاد المادي المباشر؟
- وكيف نصنع لأنفسنا مناعة روحية تحمينا من الخجل الاجتماعي وتذويب الهوية؟
- وكيف يؤدي الخجل الاجتماعي لدى الناشئة والشباب إلى التنازل التدريجي والذوبان في المجتمع المحيط؟
- وما هو الفرق الجوهري بين الاندماج الإيجابي البنّاء والانعزال السلبي من منظور تعاليم الإسلام؟
- وكيف يمثل الاعتزاز الصادق بالهوية والالتزام الأخلاقي أفضل وسيلة صامتة لتبليغ رسالة الإسلام في الغرب؟
____
المناعة الروحية للشباب المسلم في الغرب، بين مقتضيات الاندماج وواجب التبليغ
إن الشباب المسلم في أوروبا اليوم إذ يعيش واقعًا معقدًا ومليئًا بالتحديات، فإنه في الوقت نفسه يحظى بفرصٍ عظيمة لا تُقدّر بثمن. فقط حين يكون متحصِّنًا بالمناعة الروحية التي لا تقل شأنًا عن المناعة الجسدية ضد الأمراض العضوية المُعدِيَة وغيرها.
وتتصدّر مسألة الهويّة واجهات النقاش الفكري والسياسي في عصرنا الراهن، لتغدو قاسمًا مشتركًا ومثار قلق وتخوف واضحين في مختلف أنحاء العالم، دون فرق بين عالم غربي متقدم وعالم ثالث نامٍ.(1) وإذا كان هذا القلق نابعًا في أصله من رغبة الشعوب المتأصلة في حفظ ملامح هوياتها القومية أو العنصرية الزائلة، فإن التحدي يأخذ منحى أكثر عمقًا وجدية حين يتعلق بالمسلمين المغتربين في المجتمعات الغربية. هناك، تقع الهوية الروحية والمنظومة القيمية على المحك، لا سيما في خضم التصاعد المستمر لدعاوى الاندماج التي يطلقها البعض بحجة أن احتفاظ المسلم بخصوصيته الدينية قد يخل بالتجانس المجتمعي المشترك. (2)
إن الفكرة المحورية الجديرة بالتفكر مليًّا في هذا المقام، والتي تلتقي عندها الرؤى الإصلاحية والدراسات النفسية والاجتماعية المعاصرة، هي أن الهوية الروحية الحقيقية المستقرة لا تمثل عائقًا أمام العيش المشترك، بل هي الضامن الفعلي للاندماج الإيجابي والبناء البشري المثمر.(3) فالإسلام، في جوهره منفتح على الإنسانية كافة، بوصفه رسالة إليها كافة، حيث يقول :
فهو دين لا يدعو إلى الانكفاء أو اعتزال المجتمعات، وإنما يقدم منظومة توازن فريدة تجمع بين الصلابة الإيمانية الواضحة، وبين التفاعل الحضاري القائم على التعارف، والاحترام المتبادل، وتبليغ الرسالة الإلهية بالتي هي أحسن.
بين مطرقة القوة الناعمة وسندان المشاعر السلبية
يمرّ الشباب المسلم في المجتمعات الغربية بظروف استثنائية تؤثر بشكل مباشر في تشكيل وعيهم بذواتهم وبانتمائهم الديني. فبينما يواجه المسلمون في بعض دول الشرق اضطهادًا مباشرًا يبلغ في كثير من الأحيان حد التصفية الجسدية، فإن التحدي الأكبر والأخطر في الغرب يأتي عبر بوابات القوى الناعمة، ممثلة في وسائل الإعلام واعتبارات الصداقة والجيرة والعمل، وإغراءات الحياة اليومية المختلفة، إنها تيارات خفية، ثقافية وإعلامية واجتماعية، تسعى إلى صهر الأفراد وتذويب الفوارق القيمية لصالح نمط مادي استهلاكي لا مكان فيه للإيمان بالغيب أو بالرقي الروحي. في هذا الخضم المتلاطم الأمواج، تطفو على السطح عواطف إنسانية سلبية يعانيها بعض الشباب، كالخجل من الإعلان الصريح عن الهوية الإسلامية. وهو خجل لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج ضغط اجتماعي وإعلامي مستمر؛ حيث يعمد الإعلام الغربي في كثير من الأحيان إلى إلصاق سمعة سيئة بالإسلام، وإثارة تساؤلات ساخرة حول إنجازات المسلمين المعاصرة في مجالات العلم والمعرفة، أو ترديد عبارات نمطية من قَبِيل «فتش عن المسلمين» عقب كل حادث مأساوي. يتبدى ذلك الخجل الاجتماعي في مواقف يومية تبدو بسيطة في مظهرها لكنها عميقة الخطورة في دلالاتها الوجدانية في قرارة نفوس كافة المسلمين المقيمين في الغرب على اختلاف فئاتهم العمرية؛ فعلى مستوى الطفولة والناشئة، يتجلى حين توَدِّع الأم طفلها عند حافلة المدرسة بتحية «السلام عليكم»، فيُهَمْهمُ الطفل خجلًا بـ «وعليكم السلام» مخافة أن يسمعه زملاؤه فيبدو مختلفًا عنهم. (5)
وعلى مستوى الشباب من طلبة الجامعات، يمتد هذا السلوك ليصبح اعتيادًا مهددًا بذكاء؛ فيتحرج الطالب في سكنه الجامعي مثلا من إقامة الصلاة أمام زملائه في الغرفة، وتواجه الفتاة المسلمة ضغوطًا نفسية هائلة عند اتخاذ قرار ارتداء الحجاب أو اللباس المحتشم، مُتحيِّرة كم ستبدو غريبة في محيطها! (6) ولعل السينما الغربية صورت هذه القضية في شكل كوميدي ساخر مرارا، حين قدمت عبارة «الله أكبر» بوصفها دليلا يكفي المحققين لإصدار قرار باعتقال قائلها، بوصفها عبارة تسبق ارتكاب أي جريمة إرهاب ديني أو حادث انتحاري! فإنا لله وإنا إليه راجعون!
النجاة في ركوب السفينة، وإسقاطات عصرية لقصة نوح
في تناول قضية الخجل الاجتماعي آنفة الذكر، ندرك بسهولة أن الخطورة الحقيقية تكمن في تحول هذا الخجل من مجرد سلوك عابر إلى حال اعتياد تُفضي تدريجيًا إلى ذوبان الجيل الناشئ في المجتمع المحيط. وهنا يبرز دور الأسرة المحوري؛ فبعض الآباء والأمهات، وتحت وطأة الرغبة في تأمين مستقبل مادي لأبنائهم، يقعون في فخ دفع الأولاد للتركيز المطلق على الدراسة والعمل الدنيوي، معتبرين الالتزامات الروحية كالصلاة أمورًا ثانوية لا داعي للقلق بشأنها! هذا التوجه ينذر بعواقب وخيمة، وإذا لم يمتلك الشاب قناعة ذاتية راسخة ومبنية على الفهم والتحقيق الرجولي الواعي -كما فعل السلف الصالح في شبابهم – فإن الانتماء الديني لن يعدو كونه مجرد تسمية فارغة من المضمون، مما يجعل المناعة الروحية لدى الأجيال القادمة واهية أمام عواصف التغريب.
هنا تمس الضرورة إلى البيعة والتزام جماعة المؤمنين، بما يتضمنه ذلك الالتزام من تشبث بالقيم الروحية التي لا تُكتسب بمجرد الوراثة عن آباء مسلمين. وقد كان التزام جماعة المؤمنين وإمامهم توصية قرآنية ونبوية أصيلة إزاء قضيتنا المذكورة، أي قضية الحفاظ على الهوية الإسلامية، فيقول الله :
وفي التعبير القرآني يكون البقاء مع الصادقين بمثابة ركوب مركبهم وسط طوفان التحديات المذكورة، وعلى رأسها تحدي الهوية. وتعبر آيات سورة هود عن هذه القضية أصدق تعبير في إطار قصة نوح ، حيث يقول الله :
وينبغي حين نسقط مضمون الآية القرآنية على واقعنا المعاصر أن نفهم بعض الألفاظ والعبارات بدلالة أوسع، فالموج الذي كالجبال ليس بالضرورة ماءً طاغيًا، بل تحديات اجتماعية وفكرية معاصرة، وأكثر من يقوم مقام نوح في هذا الزمان إمام جماعة المؤمنين الذي يقيمه الله ، وابن نوح الذي تحدثت عنه الآية يمكن إسقاط صورته على كل شاب مسلم يكاد أن يغرق في خضم حيرته الاجتماعية التي تحدثنا عنها آنفًا.
ولعل السينما الغربية صورت هذه القضية في شكل كوميدي ساخر مرارا، حين قدمت عبارة «الله أكبر» بوصفها دليلا يكفي المحققين لإصدار قرار باعتقال قائلها، بوصفها عبارة تسبق ارتكاب أي جريمة إرهاب ديني أو حادث انتحاري! فإنا لله وإنا إليه راجعون!
معادلة التوازن
إن رفض الذوبان والتغريب الأعمى لا يعني بحال من الأحوال الدعوة إلى العزلة والانكفاء على الذات، أو تشكيل مجتمعات «غيتو» معزولة عن محيطها، أو منفصلة عن نبض الحياة العامة. فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، والمسلمون في الغرب ينعمون بأعلى مستويات الأمن من الفقر المالي ومن الاضطهاد الديني مقارنة ببعض بلدانهم الشرقية، وهو أمر يستوجب الامتنان بهاتين النعمتين. غير أن المرء لم يُخلَق لمجرَّد الأكل والشرب، والهجرة بسبب الاضطهاد ليست نهاية المطاف. وهنا تبرز الحاجة إلى الاندماج المحمود، وهو الاندماج الذي يسهم فيه المسلم بفعالية في بناء مجتمعه الجديد وتطويره، شريطة أن تظل هويته الروحية متميزة ومعتزًا بها. والإسلام، بنصوصه وتشريعاته، هو الراعي الرسمي لهذا النوع من الاندماج البناء القائم على التعارف الحضاري، يقول :
تميز الهوية كبوابة لتبليغ رسالة الإسلام بالتي هي أحسن
إن التميز الذي ينشده الإسلام ليس تميزًا نابعًا من دوافع عنصرية بغيضة أو استعلاء عرقي جاهلي، بل هو تميز مدفوع بأهداف أخلاقية وروحية بحتة. وحين يرى المجتمع الغربي إنسانًا مسلمًا يعلن مبادئه بشجاعة واحترام، دون عداء أو تنازل، فإن ذلك لا يثير حفيظته، بل يدعوه إلى الإكبار والتقدير. إن رؤية نماذج ملتزمة بالهوية، سواء أكانت فتاة متمسكة بحجابها أو شابًا مواظبًا على صلاته وقيمه، تترجم لدى العقل الغربي المُنصف إلى رسالة صامتة بليغة مفادها أن هذا إنسان يحترم قيمه الروحية ويتشرف بها، وهي سر توازنه الحقيقي.
والتاريخ الحديث يزخر بنماذج مشرفة لشباب ورجال ثبتوا على هويتهم الروحية في قلب الحواضر الغربية، فكانوا خير سفراء لدينهم. ولنا في قصة العازف الأمريكي «محمد صادق» (هوارد سكوت سابقًا) أسوة حسنة؛ إذ تحولت حياته تمامًا بعد قراءته لكتاب عن سيرة النبي ﷺ، فترك الشهرة والمال في عالم الجاز ترفعًا وصيانة لدينه. أطلق لحيته، وتمسك بهويته، واختار تعلم العربية لقراءة القرآن الكريم. وعندما صدح بصوته المتميز بالقرآن والتكبير في المحافل الدولية، أذهل الحاضرين وترك أثرًا روحيًا دائمًا يُثبت أن الأفعال الخارجية والاعتزاز الظاهري بالهوية هما المرآة الصادقة لطهارة القلب واستقرار الإيمان. (10)
إن حاجة المجتمعات الغربية المعاصرة -التي تعاني تزايدًا في معدلات القلق والغموض الأخلاقي وغياب المعنى- إلى الرسالة الروحية للإسلام هي حاجة ماسة. والمسلم المغترب لا يمكنه تقديم هذا الترياق الأخلاقي للعالم وهو يعيش حالة من التذبذب أو الخجل من دينه. إن تقديم الإسلام كنموذج حضاري إنقاذي يتطلب جيلًا متسلحًا بالعلم والمعرفة، معتزًا بأصوله، وقادرًا على قيادة الحوار الإنساني بموضوعية وكفاءة.
قضية وجودية
إن المحافظة على الهوية الروحية للشباب المسلم في المهجر ليست ترفًا فكريًا، بل هي قضية وجودية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم البقاء والاستمرار. إن نقض عرى هذه الهوية والانسياق وراء دعاوى التذويب تحت مسمى الاندماج لا يفضي إلا إلى عواقب وخيمة، أشبه بالانقراض الروحي والهلاك الذي قصّه القرآن الكريم عن الأمم الغابرة التي نسيت حظًا مما ذُكرت به. فالاندماج الحقيقي المثمر إذن هو الذي يقف فيه الشاب المسلم على أرض صلبة من القيم الإيمانية، مادًّا يد العمل العطاء والحوار البنَّاء نحو مجتمعه. إنها دعوة متجددة لشبابنا وأسرنا في الغرب لتمثيل جوهر الإسلام النقي، ليكونوا بحق كالغيث، أينما وقع نفع.
الهوامش:
- يُنظر: ريهام سنون، منهج القرآن في حماية الهوية الروحية في خضم دعاوى الاندماج، مجلة التقوى، نوفمبر 2025.
- يُنظر: فهيم يونس القرشي، ماذا عن هويتنا الروحية؟!، مجلة التقوى، فبراير 2022.
- يُنظر: ريهام سنون، منهج القرآن في حماية الهوية الروحية…
- (الأعراف: 159)
- يُنظر: فهيم يونس القرشي، ماذا عن هويتنا الروحية؟!
- يُنظر: المرجع السابق.
- (التوبة: 119)
- (هود: 43)
- (الحجرات: 14)
- يُنظر: فهيم يونس القرشي، ماذا عن هويتنا الروحية؟!