العربية تصون هويات بناتها..لغات البلاد المفوحة

العربية تصون هويات بناتها..لغات البلاد المفوحة

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • كيف ترتبط اللغة عضويًا ببناء العقل الجمعي وتشكيل الهوية المجتمعية والثقافية؟
  • كيف تطورت غريزة “بقاء النوع” البيولوجية لدى الإنسان المتحضر لتصبح غريزة “بقاء الهوية”؟
  • ما هي الأدلة التاريخية التي تثبت رعاية العربية للغات وثقافات الشعوب غير العربية؟
  • لماذا يعد اختلاف الألسن آية كونية للتكامل والتعارف لا أداة للصراع العرقي والشعوبي؟

 ___

علاقة اللغة بمسألة الهوية

حين نتناول موضوع الهوية الفردية فإن أبرز ما نجده معبرا عنها هو أسلوب المرء الشخصي في كلامه وصوغه العبارات المختلفة سواء على مستوى الحديث الشفاهي اليومي، أو الكتابة التحريرية في شتى المجالات الحياتية، ولله در شاعرنا العربي زهير بن أبي سلمى حين قال:

وَكَاءٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِـبٍ

زِيَـادَتُهُ أَو نَقْصُـهُ فِـي التَّكَلُّمِ

.,

لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُـؤَادُهُ

فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ.(1)

فلسان المرء، أي لغته وما يستتبعها من أساليب التعبير اللفظي، هو الصورة المنعكسة لأسلوب التفكير ومدى ضحالته أو رقيه. وما يصدق على الفرد ينطبق على المجتمع كذلك، فلغة المجتمع، محليّا كان أو إقليميا أو عالميا، تُعد المعيار الأول لثقافته ورقيه وتحضره، وطالما نقوم بعقد مقارنات تلقائية بين المستوى الذوقي للهجة المحكية التي كانت متداولة منذ بضعة عقود ومستوى تلك المتداولة في هذه الآونة، فنرى أن كفة الأولى هي الراجحة، لنشكو بثنا وحزننا إلى الله على ما فرطنا في مستوى الكلام، ومن ثم الذوق العام، ليتمثل لنا كل حين صدق حكمة زهير بن أبي سلمى التي بلورها في بيتين من معلقته.

واللغة مكون رئيس من مكونات الهوية القومية، وهي العملة المتداولة في كافة المعاملات داخل مجتمعها، وتتحدد قيمتها بمدى اتساع نطاق استعمالها وتداولها. وعلى الرغم من أهمية وظيفة الاتصال والتداول كقاعدة يقوم عليها أي مجتمع، إلا أنها تُعد وظيفة ذات قيمة محدودة، لأنَّها متحقِّقة بين الكائنات الأخرى الحيَّة بالقدر الذي تحتاج إليه تلك الكائنات ويكفيها، فــ «التواصل» في حدِّ ذاته ضروري، لكن أهميته الجوهريَّة تنبعُ مِن تأثيره المباشر عندما يرتدُّ إلى الفِكر، ويُغيِّر في طرائقه، فالتواصل، بحسب وصف د. فيصل الحفيان أحد أهم عناصر المحيط الذي يبني القِيَم والمشاعر والأفكار ويُشكِّلها، ويعطيها مذاقَها وخصوصيتها، ويصبغها بصبغته الفارقة، وهذا ما يُعيدنا مرَّة أخرى إلى «اللغة» التي ترتبط بعقل الإنسان وفِكره أكثرَ ممَّا ترتبط بلسانه وعلاقاته بالآخرين. (2)

إذن لا تتوقف أهمية اللغة، كأبرز محددات هوية المجتمع، عند مجرد كونها وسيلة تواصل بين أفراده، بل تتخطى ذلك إلى كونها المادة الأولية للتفكير وتشكيل العقل الجمعي، ووعاء ذاكرة ذلك المجتمع. وحيثما انقطعت الصلة بين أي مجتمع وبين لغة أسلافه، فإنها تنقطع بالتبعية بين المجتمع وتراثه وجذوره، حتى ليصدق عليه القول الدارج «من فات قديمه تاه».

وتراث الأمم جزء لا يمكن فصله عن هويتها، وهو جملة الإرث الثقافي والحضاري الذي يتركه السلف للخلف. وليس من الصواب اختزال التراث في مجرد الأطلال الباقية التي خلفها الأجداد، بل هو كل ما بقي من الأجداد عالقا في عاداتنا وتقاليدنا وأساليب تعبيرنا وموسيقانا ولغاتنا، نعم! اللغة كذلك تُعد أبرز ما يتوارثه الأجيال عن الآباء والأجداد كابرا عن كابر، وهي إن جاز التعبير خزانة أكثر ما نتوارثه عن أسلافنا، ولنتأمل برهة فيما لو انقطعت علاقتنا باللغة التي كان أجدادنا يتواصلون بها فيما بينهم! لا شك أن الخسارة لن تقتصر حينها على قاموس المفردات المتداولة في العصور الخالية، بل إنها خسارة أفدح، وسبب فداحتها أنها تطال كل الإرث الفكري الذي كان متاحا بلغة الأجداد، ولماذا نذهب بعيدا؟! أولسنا نشهد هذه الحال مع أكثر التراث المصري القديم على سبيل المثال حتى مع بقاء كم لا بأس به من الآثار المادية منذ عصر المصريين القدماء؟! بل إن القطيعة كانت شبه تامة بيننا وبين ذلك التراث حتى تمكن شامبليون من فك رموز حجر رشيد واكتشاف اللغة الهيروغليفية، مما أعاد أواصر الصلة شيئا فشيئا بيننا وبين أجدادنا، وبدأت حقبة دراسة المصريات، والتي كان لها عظيم الأثر في تشكيل هوية مصر الحديثة. وبالقياس على نموذج اللغة الهيروغليفية يتضح لنا حجم الخسارة المتوقعة فيما لو تأثرت اللغة الأم لدى أي مجتمع تأثرا سلبيا بشكل أو بآخر، لا شك أن تأثر الوعاء الناقل بالسلب سينعكس سلبيا على المنقول أيضا، وبالنظر إلى لغتنا العربية فإن خطورة تأثرها تكون أجل، نظرا إلى علاقتها الخاصة بالدين الإسلامي ومنطوق الوحي القرآني.

أمر آخر يجعلنا ننظر إلى التراث الفكري لكل أمة نظرة إكبار، وهو أن المعرفة الإنسانية تراكمية بوجه عام، وهذه الطبيعة التراكمية هي ما يؤهلنا للتقدم في شتى الميادين، فلا معنى للحضارة إذن دون ذلك التراكم المعرفي، وبتعبير آخر، لا يمكن تصور حضارة دون تراث، فالتراث هو الوقود الذي نتزود به خلال رحلة تطلعنا إلى المستقبل، وبما أن قضية علاقة اللغة بالتراث قد نوقشت سلفا، فإنه يتضح دور لغة المجتمع في تقدمه أيضا، وبالتالي في تشكيل هويته على مر العصور.

لا تتوقف أهمية اللغة، كأبرز محددات هوية المجتمع، عند مجرد كونها وسيلة تواصل بين أفراده، بل تتخطى ذلك إلى كونها المادة الأولية للتفكير وتشكيل العقل الجمعي، ووعاء ذاكرة ذلك المجتمع. وحيثما انقطعت الصلة بين أي مجتمع وبين لغة أسلافه، فإنها تنقطع بالتبعية بين المجتمع وتراثه وجذوره

مِن «بقاء النوع» إلى «بقاء الهوية»! 

الأمن مطلب إنساني، إن لم نقل حيوي، فكل الكائنات الحية تلتمسه، بطريقة عقلية أو غريزية. والأمن لغةً ضد الخوف، وهو إلى جانب عامل وفرة الغذاء يُشكلان ساقَيْ عملية التحضر، إذ لا معنى للحديث عن تنمية في أي مجتمع يقع أفراده تحت وطأة الجوع أولا أو القلق على النفس والمال ثانيا. وكلما ارتقت إنسانية الإنسان عظمت حاجاته أيضا، وأصبحت الحاجة إلى الأمن لا تقل أهمية عن الحاجة إلى القوت والسكن، فليس غريبا إذن أن تقرن الآية القرآنية بين عنصري التنمية هذين، وذلك في قوله تعالى:

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (3)

والخليقة مجبولة على غريزة طبيعية يسميها علماء الأحياء بغريزة «بقاء النوع»، هذه الغريزة الطبيعية تسيطر وتتحكم في جل تصرفات سائر الأحياء، بما في ذلك الكائن البشري، غير أن هذه الغريزة الطبيعية تنحو لدى الإنسان العاقل والمتحضر منحًى أكثر رقيا، لتتحول إلى «بقاء هوية»، بحيث إن الإنسان المتحضر لا تشغله فكرة بقاء نفسه بقدر ما يشغله أمر بقاء هويته واستمرار أثره الطيب في هذا العالم، فلا يتردد في الإقدام على التضحية بنفسه والشهادة مثلا في سبيل بقاء هويته وأثره الطيب ذاك. ففكرة «بقاء الهوية» إذن هي التطور الحضاري لغريزة «بقاء النوع»، من هذا المنطلق نشرع في بيان خطورة مسألة الهوية بكافة محدداتها من مظاهر الثقافة والتراث واللغة، وهذه الثالثة، أي اللغة، تتربع على عرش محددات الهوية لدى كافة شعوب العالم.

والهوية في مفهومها الشامل قيمة جوهرية في حياة الإنسان، بوصفه كائنا ثقافيا علاوة على كونه كائنا بيولوجيا، وجوهر الهوية هو شعور الانتماء الذي يفارق فيه الإنسان آدميته الغريزية ويرتفع به إلى آدميته المتسامية.(4) ولأن الأنسان مجبول بفطرته على أن يقلق لأجل ما يحب ويكتسب، كان الخوف على الهوية سمة واضحة لدى كافة شعوب الأرض، حيث إن هويات الشعوب كيانات مُكتسبة بتراكم تراثها على مر القرون وربما آلاف السنين حسبما ذُكر آنفا.

صراع الهويات في ظل جدلية الاختلاف والائتلاف

إذا كان الاختلاف سنة الله في خليقته حقا كما نصت على ذلك آي الذكر الحكيم، فلا بد أن تنشأ عنه مصلحة عظيمة نلمسها في الواقع، لأن هذا الاختلاف ليس مجرد مظهر عارض، ولكنه في حقيقة الأمر دليل قائم بنفسه على وجود ذات أعلى حي قيوم متحكم فيه. الاختلاف الذي نحن بصدده هو ذلك الاختلاف الموحي بالتنوع الإيجابي، وليس ذلك الاختلاف البغيض المُحرِّض على إلغاء الآخر المختلف، لماذا؟! لأن الاختلاف الذي نروم بيانه هاهنا لهو من الآيات الدالة على مصممه عز وجل الذي أعلن سلفًا:

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ.(5)

واختلاف الألسنة هو ما نحن بصدده في هذا الشهر، وقد أضحى مؤخرا، بكل أسف، ضربا من ضروب الصراع الثقافي الذي لا يقل ضراوة أحيانا عن الاختلاف العرقي والمذهبي والفكري والسياسي، بحيث يسيء المختلفون فهمه ليستحيل بدوره آلة محو وإبادة دموية.

العربية لغة ثقافة، لا قومية!

مؤخرا، أخذت تعصف بالعالم كله دعاوى شعوبية معاصرة، لا تختلف كثيرا عن الدعاوى الشعوبية القديمة التي تصاعدت في العصرين الأموي والعباسي من التاريخ الإسلامي، وهذه الدعوات لم تكن إلا جاهلية جديدة مغلفة بغلاف قومي، كانت هي العنصرية المنتنة ذاتها، والتي تتراءى أحيانا بين الألوان وأحيانا أخرى بين الأعراق. فصرنا نسمع بالعنصرية النازية التي نادت بالقومية الألمانية وتفوق الجنس الآري، بل وحتى القومية العربية التي أضحى مناصروها يضطهدون طائفة من مواطنيهم الذين نادوا في المقابل بقوميات أخرى، كالكردية والأمازيغية والكوشية وغيرها. وبصرف النظر عن مسألة الوجود التاريخي لهذه القوميات، الأمر الذي يُعد طبيعيا إذا أخذنا في الحسبان أن الله تعالى خلق الإنسانية شعوبا وقبائل، فمسألة الوجود القومي إذن أمر طبيعي، فإن لم يكن بمقدورنا جعل هذا الوجود القومي محل تعارف، فعلى الأقل لا داعي لأن نجعله موضع صراع، لا سيما وأن أعلاما ومشاهير لدى قوميات عديدة، لم يروا في مسألة قوميتهم الأم وازعا لهم للصدع بنداءات شعوبية، من مثل هؤلاء نعرف مثلا الشيخ ابن تيمية، والذي كان كرديا من حيث القوم، غير أنه تحدث وكتب بالعربية، ولم يكن ثمة ما يُكرهه على هذا الصنيع! فهل تنكر ابن تيمية لهويته القومية مثلا؟! وهل كان العلم الأشهر في البلاغة العربية، عبد القاهر الجرجاني (400 – 471هـ/1009- 1078م)، الفارسي مولدا ونشأة وقوما، هل كان ثمة ما يُكرهه على الكتابة بالعربية وإهمال لغة قومه؟! أيتأتى كل هذا الإبداع الذي حققه عبد القاهر الجرجاني في كتابيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» بعد إكراه وجبر؟! قد يرى البعض أن هؤلاء الأعلام، غير العرب قوما، إنما كتبوا وأبدعوا باللسان العربي نظرا إلى نشأتهم في ظل حكومة عربية آنذاك، ويظل هذا الطرح قائما حتى نعثر على ما ينقضه، وفي الحقيقة ثمة نماذج كثيرة تنقض فكرة القائلين بأن أعلام الفكر والثقافة من غير العرب قوما تفوقوا في الكتابة بالعربية دون لغتهم الأم بسبب وجودهم في ظل حكومات عربية.. ونستشهد بنموذج أبي الرحالة، مُحَمَّد بْن عَبْدِ ٱللّٰهِ بْن مُحَمَّدٍ ٱللَّوَاتِي ٱلطَّنْجِي المعروف بابْنِ بَطُّوطَةَ (703 – 779هـ/ 1304 – 1377م)، والذي كتب درته الفريدة « تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» بالعربية، وذلك على الرغم من وجوده تحت حكومة غير عربية من حيث القوم، بل إن كتابة رحلة ابن بطوطة بالعربية كان برعاية تامة من السلطان الأمازيغي أبي عنان فارس، أحد سلاطين بني مرين، وهم سلالة أمازيغية حكمت بلاد المغرب الأقصى قرابة قرنين، من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي، إذ كلَّف أبو عنان رسميا كاتبه «ابن جزي الكلبي» بأن يكتب بالعربية البليغة كل ما يمليه عليه ابن بطوطة من تفاصيل رحلته البديعة التي طاف خلالها العالم القديم من أقصاه إلى أقصاه.

فالظاهر أن دعوات الحميَّة القومية لا تكون ذات أثر في عصور النهضة والتعايش الثقافي، والأظهر أن أعلام الفكر والثقافة  هؤلاء الذين أسلفنا سرد أسماء بعضهم، لم يكونوا ينظرون إلى العربية بوصفها لغة قوم آخرين، بل بوصفها اللغة الأم التي تسع الجميع وتحتضنهم وتنميهم وتربيهم وتمدهم بما يطيل بقاءهم.

والعربية بوصفها لغة دين وحضارة لها وضع خاص على خارطة توزُّع اللغات العالمية، فهي اللغة الوحيدة التي لم يشهد انتشارها قمعا لما عداها من لغات فيما انتشرت فيه من بلدان مفتوحة خلال العصر الوسيط، وبطبيعة الحال قد ينشأ عن إثارة مثل هذه النقاشات خلاف نُتَّهم حياله بالتحيُّز لهويتنا ولغتنا، غير أن إلقاء نظرة فاحصة على واقع لغات البلدان المفتوحة في ظل سيادة العربية ليشهد شهادة حق بأن العربية بوصفها أمَّ الألسنة قد رعت حتى اللغات الأخرى وأمدتها من معينها الذي لا ينضب، ففي ظل العربية كلغة ثقافة عالمية تم تأليف مصنفات بلغات غير العربية، تعد الآن من عيون الفكر الإنساني، فعلى سبيل المثال هناك «رباعيات الخيام»، وكتاب «منطق الطير» لفريد الدين العطار، و«مثنوي» جلال الدين الرومي، وجميعها كتب مؤلفة بالفارسية.

 

الهوامش:

  1. معلقة زهير بن أبي سلمى
  2. د. فيصل الحفيان، العلاقة بين اللغة والهوية
  3. (قريش: 4-5)
  4. محمود السيد، الأمن اللغوي ودوره في الحفاظ على هوية الأمة»، مجلة التعريب، العدد 53، ديسمبر 2017، ص 18
  5. (الروم: 23)
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via