- فكيف تُبطِل صفة “الرحمانية” عقيدة الفداء وبنوة المسيح المزعومة من المنظور القرآني؟
- وما هو المعنى الدقيق لكلمة “الوُدّ” في اللغة العربية وعلاقتها بمفهوم “الوتد”؟
- وكيف فسر المصلح الموعود رضي الله عنه تحول محبة خلق الله إلى محبة حقيقية للخالق؟
____
التفسير:
إن عقيدة المسيحيين عن بُنوّة المسيح مخالفة تمامًا لصفة الله «الرحمن»، ومن أجل ذلك تجد المسيحية تنكر كون الله تعالى رحمانًا، وتقدم نظرية فداء ابن الله تعالى لخلاص العالم. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إذا كان صحيحًا أن الله تعالى لا يمكن أن يغفر ذنوب العباد، وأنه تعالى قد نجّا الناس بفداء ابنه، فأين غابت صفة الله «الرحمانية»؟ ذلك لأن رحمانيته هي التي كانت ستتسبب في مغفرة الناس، ومن أجل ذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم الرحمنُ * علّمَ القرآنَ(الرحمن: 2-3).. أي أن كلام الله تعالى الذي ينـزل لهداية الناس إنما هو نتيجة صفة الله الرحمن، حيث تجيش رحمانيته حين يرى العباد في الضلال. وكما أن الله تعالى قد خلق في العالم المادي آلاف النعم بدون أن يسأله الناس إياها، كذلك في العالم الروحاني يُنـزل الله تعالى كلامه الذي ينال العباد النجاة بالعمل به.
التفسير:
أي ما الداعي أن يكون لله ولد وكل شيء خاضع لـه ؟ إنما يكون الولد ليعين أباه أو ليخلّد اسمه بعد موته، ولكن ما دام الله تعالى أسمى من أي احتياج، وحاكمًا على كل شيء، فما الذي سيحكم عليه ولده؟
التفسير:
هذا شرح لما سبق، والمراد أن الله تعالى ما دام قد عد كل واحد منهم فما الحاجة إلى ولد لـه. إنما تكون الحاجة إلى ولد إذا كان هناك شيء لا يقدر الله على القيام به.
التفسير:
يزعم المسيحيون أن المسيح قد حمل عنهم أعباءهم، ولكن الله تعالى يدحض زعمهم هذا ويقول إن هذا العالم كما هو خاضع لقوانينه تعالى سيخضع الناس بعد موتهم لقوانينه هو ، وسيمثل كل إنسان أمام الله للحساب فردًا. فمن الخطأ الزعم أن المسيح قد مات على الصليب مكانهم، وحمل عنهم وزرهم. كلا، بل كل إنسان سيحمل صليبه بنفسه كما قال المسيح نفسه: «ومن لا يحمِلْ صليبَه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا» (لوقا 14: 27). وقال أيضًا: «من أراد أن يأتي ورائي فليُنكِرْ نفسه ويحمِلْ صليبَه ويَتْبَعْني. (مرقس 8: 34).
فعندي أن هذه الآية القرآنية تومئ إلى هذا الأمر نفسه، حيث يقول الله تعالى إن المسيح ما دام قد صرح بنفسه أن على كل واحد أن يحمل صليبه فكيف تظنون أنه قد حمل عنكم كل أعبائكم؟
إنه لمن مزايا القرآن الكريم أنه يستعمل أحيانًا كلمات يُستنبط منها مفاهيم عديدة بالنظر إليها من زوايا مختلفة. وهذا ما فعل الله تعالى هنا أيضًا حيث قال سيجعَل لـهم الرحمن ودًّا حيث أطلق لفظ لهم الذي يعني لفائدتهم، دون أن يحدد المجال الذي يجعل الله فيه الود لهم، وذلك لتؤدي هذه الجملة جميع المعاني المحتملة.
شرح الكلمات:
وُدًّا: الودّ هو الحب الشديد الذي يقوّي الصلة بين المحب والمحبوب جدًّا حتى يرتبط الواحد بالآخر. إن الود يحتوي على مفهوم مماثل للدابة المربوطة بالوتد، فيكون بين الله والعبد رابطة حب قوية لا انفصام لها. والوُدّ والوَدّ والوِدّ بمعنى واحد.
وتتضح حقيقة معنى الود من حيث إن الوُدّ يعني الوتد أيضًا (المفردات: ودد)، لأن الحيوان يُربَط به. فالود هو المحبة التي تربط المحب بالمحبوب كما يربط الوتد الحيوان بمكان ما. وفي اللغة العربية كلمات كثيرة للتعبير عن الأُنس والألفة، ولكنها كلها دون الود قوة وشدة. فمثلا يدل لفظ الرغبة على اشتياق المحب إلى حبيبه، ولكنه لا يعني بالضرورة اشتياق الحبيب إليه أيضًا. كما أن لفظ الأُنس يتضمن معنى تولد الشوق في قلب المحب نحو حبيبه والتفات الحبيب إليه، ولكن الود يعني أكثر من ذلك، وهو أن حبهما المتبادل قد بلغ من القوة والشدة بحيث ربط الواحد بالآخر وعقدهما عقدًا.
وقد ذكر القرآن الكريم من بين أسماء آلهة الكفار اسم وَدًّا(سورة نوح: 24).. وذلك لزعم المشركين أن لهذا الصنم ارتباطًا قويًّا بالله تعالى كارتباط الوتد بالأرض.
بيد أن الودّ، وإن كان أقوى من الرغبة والأُنس، إلا أنه دون الخُلّة، إذ تعني الخلّة الحُبّ الذي يتخلل كل ذرة من الكيان. أما الود فلا يبلغ هذه الدرجة، ولكنه يدل على صلة ثابتة دائمة لا انفصام لها.
التفسير:
لقد قال الله تعالى عن المسيح من قبل ولنجعلَه آيةً للناس ورحمةً منّا(مريم: 22).. أي سنجعله آية للناس وسبب رحمة من عندنا؛ فكأنه تعالى قد استخدم لفظ الرحمة للمسيح. بينما استخدم الله تعالى هنا للمسلمين لفظ الودّ، وهو المحبة الثابتة كالوتد كما ذُكر من قبل.
إنه لمن مزايا القرآن الكريم أنه يستعمل أحيانًا كلمات يُستنبط منها مفاهيم عديدة بالنظر إليها من زوايا مختلفة. وهذا ما فعل الله تعالى هنا أيضًا حيث قال سيجعَل لـهم الرحمن ودًّا حيث أطلق لفظ لهم الذي يعني لفائدتهم، دون أن يحدد المجال الذي يجعل الله فيه الود لهم، وذلك لتؤدي هذه الجملة جميع المعاني المحتملة.
وعندما نتدبر من هذا المنظور في قول الله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعَل لهم الرحمن وُدًّا يتبين لنا أنه يحتوي على الدلالات التالية: الأول أن الله تعالى سيجعل حبه في قلوب المؤمنين ثابتًا كالوتد. والثاني أنه تعالى سيثبت حب المؤمنين في قلبه كالوتد. والثالث أنه تعالى سيثبت حب الإنسانية في قلوب المؤمنين كالوتد. والرابع أنه تعالى سيجعل حب المسلمين في قلوب الناس ثابتًا كالوتد.
ولنتناول الآن هذه المعاني بشيء من التفصيل:
المعنى الأول هو أن الله تعالى سيجعل حبه في قلوب المؤمنين ثابتًا كالوتد. وبالفعل إن الذي يتدبر في نعم الله تعالى، ويرى الفيوض الواسعة لرحمانية الله تعالى، ويدرس مننه ونعمه التي تخرج عن حد الإحصاء، فلا بد أن تتولد محبة الله في قلبه، وأن يسعى للتقرب إليه .
يقول المسيحيون إن الله تعالى قد أرسل ابنه إلى الدنيا لخلاص أهلها، فمن واجبهم أن يحبوه ، ولكن الله تعالى يقول إني أشملكم بحبي ليلَ نهارَ. إني أنا الرحمن، وأمتّعكم برحمانيتي في كل حين وآن. ألا يمكنكم أن تحبوني برؤية هذه النعم والمنن التي أنـزلها عليكم؟
إننا لم نر المسيح يموت على الصليب، ثم إنه لا دليل بيدنا على أنه علِّق من أجلنا؛ ولكنا نرى الشمس التي قد سخرها الله لنا تطلع علينا كل يوم. ونشاهد في السماء دائمًا القمر الذي جعله الله لنا. ونرى الأنهار التي قد خلقها الله تعالى تجري في الأرض. ثم إن هذه العيون التي نرى بها الأشياء لم يعطنا آباؤنا إياها، كما لم نشترِها من أي مكان، إنما هي منحة من الله تعالى وهبها لنا نتيجة رحمانيته. كذلك إنه تعالى منحنا اللسان الذي نتكلم به. ورزقنا الطعام الذي نأكله صباحَ مساءَ من غلال وأرز ولحم وخضار. كما أعطانا المال والصحة والعز والشرف. فإننا نشاهد بأعيننا آلاف المشاهد من رحمانية الله تعالى كل يوم، مما يجعل قلوبنا تلهف إلى الله تعالى حبًّا وشوقًا. ولكن المسيحيين يقولون لنا علينا أن نحب الله تعالى بناء على حدث لم نره قط، بدلاً من أن نحبه بناء على ملايين النعم والمنن الإلهية التي نشاهدها يوميًّا.
والمعنى الثاني هو أن الله تعالى سيجعل حب المؤمنين في قلبه ثابتًا كالوتد، ويكون لـه صلة قوية بهم. وقد تجلى هذا المعنى أيضًا من خلال المسلمين. والتاريخ شاهد على أن الله تعالى كان معهم، وعاملهم بحب لا يوجد لـه مثيل في العالم.
والمعنى الثالث هو أنه تعالى سيجعل حب الإنسانية في قلوب المؤمنين ثابتًا كالوتد. وقد دعا المسيح أيضًا في الإنجيل مرارًا إلى هذا التعليم نفسه وقال: أحِبّوا الناس، عاشِروهم بالبرّ والإحسان (متى 5: 44). ولكن ليس سبيل حب البشرية أن يؤمن المرء بكون المسيح ابنًا لله تعالى، وإنما السبيل لحب الإنسانية حقًّا أن يعتبر المرء نفسه ابنًا لله تعالى. وإنما يتأتى هذا الحب إذا بلغ المرء مقام الوُدّ، فيرتبط بالله تعالى ارتباط الحيوان بالوتد. فإذا تولد في قلبه حب الله تعالى تولد فيه حب عباده حتمًا. ولكن أنَّى لهذا الحب أن يتولد بالإيمان ببنوّة المسيح عليه السلام.
والمعنى الرابع هو أن الله تعالى سيجعل حب المسلمين في قلوب الناس ثابتًا كالوتد. هذا أيضًا نتيجة حتمية لحب الله تعالى، لأن الإنسان حين يحب الآخرين فإنه يخدمهم ويعاملهم بالحسنى ويغمرهم بحبه وحنانه؛ فيحبه الناس أيضًا. ونجد مثال حب الناس للمسلمين جليًّا في الفتوحات الإسلامية في المناطق الرومية. فمرة تقدم جيش مسيحي عرمرم لمواجهة المسلمين، فظن المسلمون أن لا قبل لهم به، وأرادوا إخلاء تلك المنطقة، فردوا لأهلها كل ما أخذوه منهم من خراج بضمان حمايتهم. فكان لذلك وقع عظيم في قلوب القوم يهودًا ونصارى حتى جاءوا باكين ليودّعوا جنود المسلمين، وكان القسيسون والرهبان يدعون الله تعالى أن يرجع بالمسلمين إليهم ثانية. وقد تأثر اليهود لدرجة أنهم بدءوا يحلفون بالله تعالى أنهم سينذرون أرواحهم، ولن يسمحوا للجيش المسيحي المحارب ضد المسلمين بالدخول في مدينتهم (فتوح البلدان: الجزء الأول ص 143-144).
ما أشدَّ هذا الوعظَ العَمَلي روعةً وتأثيرًا مِن وعظ المسيح بالحب! لقد قال المسيح باللسان فقط إن الله محبة، ولكن المسلمين قد أثبتوا بعملهم أن الله تعالى محبة. ثم إن الله تعالى قد استعمل للمسيح لفظ الرحمة فقال ولنجعلَه آيةً للناس ورحمةً منا[، بينما استخدم للمسلمين كلمة الود التي هي أشد من الرحمة، لأن الود يدل على محبة شديدة راسخة رسوخ الوتد في الأرض. فشتان بين تعليم المحبة في الإنجيل وبين تعليم المحبة في القرآن. إن بينهما ما بين الأرض والسماء.
فترى كيف بيّن الله تعالى هذا الموضوع الواسع بكلمات وجيزةً: سيجعَل لهم الرحمنُ وُدًّا.
ثالثًا: كما أن الذي يحب الناس لا بد أن يتولد في قلبه حب الله تعالى، شأنه شأن الذي إذا أحب ولدًا أبدى الحب والاحترام نحو والديه أيضًا، إذ من المحال أن يحب الولد ويكره أبويه.
رابعًا: ثم إن الذي يحب عيال الله تعالى لا بد أن يحظى بحب الله تعالى أيضًا.
قصارى القول إن الإيمان والعمل الصالح يجعلان المؤمن يحب الناس. والنتيجة الحتمية لحبه إياهم أن يحبوه أيضًا. ثم إن الذي يعامل الناس بلطف ومحبة يتولد في قلبه حب الله تعالى أيضًا؛ إذ من المحال أن تقرأ كتابًا جيدًا وتحبه ولا تحب مؤلفه؛ أو ترى رسمًا جميلاً وتحبه ولا تحب الرسام. إن الذي يحب البشرية لا بد أن يؤدي به حبه لها إلى حب الله تعالى، فبعد حبه لخلق الله يبدأ في حب الله نفسه. وهذا ما يسمى عند الصوفية «العشق المجازي».. أي أن يتولّد حب الله تعالى في قلب المرء نتيجة حبه للناس. (يُتبع)