التسامح أساس قيام المجتمعات

التسامح أساس قيام المجتمعات

مريم شرف الدين

  • فما هي الوصية الجامعة التي قدمها النبي ﷺ في خطبة الوداع لمحاربة التمييز العنصري؟
  • وما النتيجة المترتبة على التنازع ومخالفة أمر الله بالوحدة؟
  • وما هو السر الخفي وراء سعي القوى الدجالية للتفريق بين المرء وزوجه؟

 ___

تأصيلا لقيمة التسامح

التسامح من الخصال الجميلة والسمات الجليلة فقد أمر الله به إذ قال:

فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ.(1)،

كما قرر الله في سننه سلفا أن ينشأ المجتمع الإنساني من حال التقارب والتآلف بين أفراده، وذلك على مدى رحلة طويلة أخذ يتخلى فيها أولئك البشر الهمج عن وحشيتهم شيئا فشيئا، ليحل محلها خلق التسامح والعطف، لتتشكل أول صور المجتمعات الإنسانية البدائية، وما كان هذا ليتم لولا خُلُق العطف والتسامح، ولعلنا بهذا التصور ندرك شيئًا من دقائق قوله :

خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ.(2)،

أي حال التعلق والتواصل الناشئ من علاقة الحب والألفة التي تنشأ في جو من السلام والوئام.

والتسامح صفة من صفات أولي العزم من الرسل، وخير أسوة لنا في تطبيق خلق التسامح بكافة مقتضياته، من عفو وعطف الفعال ومسالمة ولين، هو رسولنا الكريم ﷺ. فأخرج ابن أبي الدنيا عن الشعبي قال: «لما أنزل الله:

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. (الأَعراف: 200).

قال رسول الله ﷺ: ما هذا يا جبريل؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فذهب ثم رجع فقال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك.»(3)

فقد أوصانا بإفشاء السلام ونشر التسامح والرحمة والمحبة. ولم يتوقف عند حد أمرنا بالبر وحسب، بل طبقه بنفسه ﷺ حين عفا عمن آذوه وقتلوا صحبه وذويه، وهو يومئذ القاضي عليهم كيف يشاء، إلا أنه قال مقولته المشهورة:

«يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟  قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاء.ُ»(4)

قوى الشر والتمييز بين الناس على أسس باطلة

لقد استنكر سيدنا خاتم النبيين ﷺ كل صور ومظاهر العنصرية القومية واللونية وغيرها، ونظرًا إلى خطورة هذا الموضوع فقد تناوله ﷺ في خطبة الوداع موصيًا جميع الأمة بقوله:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى.»(5)

وما من شك في أن قوى الشر تدرك تمام الإدراك أن قوة المجتمعات تقاس بقوة أواصر الحب والمودة بين أبنائها، وأن قوتها تكمن في تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الواحد الذي إِذَا اشْتَكَى منه عُضْو تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى، لذا فإن قوى الشر تلك لا يهدأ لها بال ولا تهنأ لها حال إلا بإفساد العلاقات بين الأقارب والجيران، سواء كان هؤلاء الجيران أفرادًا أو دولاً، وكم من شعبين يعودان إلى قومية واحدة، ولكن حالت بين مواطنيهما حدود مكهربة وأسلاك شائكة وجدران عالية وجنود مدججة! ولننظر مليًّا إلى شعوب الأرض قاطبة، سنجد هنا وهناك أواصر القربى تنقطع، فمن الكوريتين إلى دول أفريقيا، يرى المرء المتأمل انقطاع الأواصر بوضوح، أمَّا عندنا في بلاد المسلمين عمومًا والعرب منهم خصوصًا فحدث ولا حرج، فأصابع الدجال تتحكم في الخيوط بمكر سيئ. الغريب في الأمر أننا ندرك هذه الحقيقة، وعلى الرغم من هذا ننصاع لتحقيق أمنية الدجال القبيحة بكل ما أوتينا من مقدرات. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما السِّر الخفي وراء سعي القوى الدجالية الدؤوب لقطع أواصر القربى والتفريق بين المرء وزوجه؟!

اختلافنا لحكمة

نعود فنؤكد أننا مخلوقون مختلفين بطبيعتنا، وليس من شأننا إلغاء ذلك الاختلاف بقدر ضرورة التعايش معه، حيث قال :

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.(6)

فليس الهدف من خلق الاختلاف إذكاء نار الفتن والتناحرات، إنما الهدف هو التكامل والتعايش البنَّاء، وهذا ما غاب عن تفكير مشعلي نار الفتن في كل العصور.

أنظمة التمييز العنصري وُجِدت لتتمزق

إن مكمن خطورة دعاوى العنصرية أنها والوحدة لا تجتمعان، وحيثما وجدت إحداهما زالت الأخرى، وإذا كان الله تعالى قد أمرنا بالوحدة حفظًا للقوة وصيانة للأمة، فمن الطبيعي أن ينهانا صراحة وضمنا عن كل ممارسة عنصرية تفت في عضد وحدتنا وقوتنا، وهذا ما بينه الله في كتابه العزيز بقوله:

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.(7)

الهوامش:

  1. (الحجر: 86)
  2. (العلق: 3)
  3. مكارم الأخلاق، ابن أبي الدنيا (رقم 25)
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (2/ 412)
  5. (مسند أحمد, كتاب باقي مسند الأنصار)
  6. (هود: 119-120)
  7. (الأَنْفال: 47)
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via