- فما هو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط؟
- وما هي أنماط هذا الاضطراب؟
- وما هي العوامل البيئية والوراثية التي تزيد من احتمالية الإصابة بهذا الاضطراب؟
____
هل يواجه طفلك صعوبة في التركيز عند تنظيم المهام أو الأنشطة؟ هل لاحظت أنه غير قادرٍ على الانتباه للتفاصيل الدقيقة؟ هل يفقد تركيزه أثناء إنجاز الواجبات أو أثناء المحادثات؟ هل يبدو قلقًا مفرط النشاط ومثيرًا للاضطراب؟ إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة بنعم، وتشعر بأنّ وتيرة حياته تتسارع يومًا بعد يوم، وأنّ إدارة الروتين اليومي باتت أكثر صعوبة، فمن الضروري استكشاف مؤشّرات اضطرابٍ يُعرف باسم اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط لديه، ويُعرف اختصارا بـ ADHD، بغية التعرّف على أعراضه في مرحلةٍ مـــــــــبكرة والســـعي نحو التدخّل العـــــــــلاجي في الوقـــــــــــت المنـــــــــــاسب.
وتهدف هذه المقالة إلى توعية القرّاء، لا سيما الآباء والمُعلِّمين والمُربِّين بطبيعة هذا الاضطراب من خلال عرض أنواعه، وأعراضه، وأسبابه، والعوامل المسبّبة له، إلى جانب سبل التدخّل والعلاج التي تساعد في التعامل معه والسيطرة على مظاهره السلوكية والنفسية.
وصف الحالة وتأثيرها بإيجاز
يُعدّ اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط من جملة الاضطرابات العصبية السلوكية، والذي تتسع دائرته لتشمل الأطفال والمراهقين والبالغين على حدّ سواء. كذلك تتسع دائرة المصابين به لتشمل الجنسين، ذكورا وإناثا، دون أية فروق بين المفحوصين طبقًا لمتغيِّرَي النوع و العمر.(1)
ويتلخص تشخيص هذا الاضطراب في أنه نمطٌ مستمرٌّ من نقص الانتباه، أي ضعف القدرة على الحفاظ على التركيز لفتراتٍ ممتدة، مع فرط النشاط، أي زيادة في الحركة والسلوك غير المناسب للموقف، وغالبا ما يكون مصحوبًا بالاندفاعية أي التصرّف بسرعةٍ دون تفكيرٍ كافٍ أو مبرّر منطقي.
وتؤثّر هذه الأنماط مجتمعةً في مختلف مجالات حياة المصاب بهذا الاضطراب، بما في ذلك الأداء الدراسي والمهني والاجتماعي وكذلك العلاقات الشخصية. ويُعتبر هذا الاضطراب أحد أكثر الاضطرابات العصبية السلوكية شيوعًا لدى الأطفال، وغالبًا ما تستمر أعراضه إلى مرحلة المراهقة والبلوغ.
يبدأ اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط في مرحلة الطفولة. ويُشترط أن تظهر أعراض الإصابة به قبل بلوغ الثانية عشرة من العمر، وأن تستمرّ لفترةٍ تزيد عن ستة أشهر، وأن تؤدّي إلى تدهورٍ واضح أو ضيقٍ نفسيٍّ ملحوظ في واحدٍ أو أكثر من مجالات الأداء، كالتحصيل الدراسي، أو الأداء المهني، أو المهارات والعلاقات الاجتماعية.

أطفالنا، الضحية الأولى!
من الطبيعي أن يُظهر الأطفال بين حينٍ وآخر بعض الصعوبة في التركيز أو في ضبط السلوك. غير أنّ الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط لا يستطيعون تجاوز هذه الصعوبات، إذ تستمر لديهم وتعرقل قدرتهم على أداء واجباتهم اليومية. وقد تقلّ حدة الأعراض مع التقدّم في العمر لدى بعض الأفراد، بينما تبقى شديدةً ومؤثّرة لدى آخرين، مسببةً مشاكل في المدرسة أو البيت أو العلاقات الاجتماعية. وتتفاوت أعراض الإصابة باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط؛ فبعض الأطفال يُظهر نمطًا من قلة الانتباه فقط، بينما يُظهر آخرون فرط النشاط والاندفاع فقط، وقد يزداد الأمر حدة حين يجتمع النمطان معًا لدى فئةٍ ثالثة. ومن المهمّ التأكيد على أنّ هذه الأعراض لا تعود إلى ضعفٍ في القدرة على الفهم أو اللغة، ولا إلى العصيان المتعمّد.
تفصيل أنماط الإصابة الثلاثة
بناءً على الأعراض، يُقسَّم الاضطراب إلى ثلاثة أنماط أساسية، أولها النمط غير المنتبه. ويتّسم هذا النمط بعدة خصائص أهمها صعوبة التركيز على المهام التي تستغرق وقتًا طويلًا أو تتطلّب جهدًا ذهنيًا مستمرًا، بحيث تدفع المصاب بهذا الاضطراب إلى النفور من مثل هذه المهام، بل وتجنّبها تماما. كذلك يعد قِصَر مدى الانتباه مقارنةً بالعمر الزمني من الإشارات الدالة على هذا الاضطراب. وبطيعة الحال فإن قصر مدى الانتباه يتبعه إهمال التفاصيل الدقيقة، وكذلك ارتكاب أخطاءٍ غير مقصودة في المدرسة أو المنزل نتيجة قلّة التركيز، وضعف القدرة على تنظيم المهام والجداول الزمنية، ونسيان أداء المهمّات اليومية، مثل الردّ على المكالمات أو سداد الفواتير أو الالتزام بالمواعيد (وخاصةً لدى المراهقين والبالغين)، وضعف المهارات الدراسية مقارنةً بالمستوى العمري.
وتهدف هذه المقالة إلى توعية القرّاء، لا سيما الآباء والمُعلِّمين والمُربِّين بطبيعة هذا الاضطراب من خلال عرض أنواعه، وأعراضه، وأسبابه، والعوامل المسبّبة له، إلى جانب سبل التدخّل والعلاج التي تساعد في التعامل معه والسيطرة على مظاهره السلوكية والنفسية.
وثاني أنماط الإصابة باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط هو النمط مفرط النشاط، والاندفاعي غالبا، وهذا النمط تُلاحظ فيه المظاهر معينة دالة، مثل الحركة المفرطة والتململ المتكرّر، وصعوبة الجلوس لفتراتٍ طويلة، وكذلك الشعور الدائم بعدم الراحة، بشكل يحمل المصاب على الانخراط في سلوكياتٍ خطرة مثل القفز أو الركض في مواقف تتطلّب الهدوء. كل هذه المظاهر يمكن أن نميز بها المصاب بالنمط الثاني لهذا الاضطراب، فهو مثلا لا يكاد يصبر لينتظر في طابور طويل، ولا يكاد يصبر أثناء الحديث دون مقاطعة الآخرين، وأحيانا يتصف الأمر بسوء الأدب حين يقاطِع بإكمال جمل المتحدثين دون إذن.
أما النمط الثالث لاضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، فهو الأخطر والأعقد، حيث إنه نمط مركّب، فهو يجمع بين النمطين السالفين، أي يجمع بين أعراض قلة الانتباه وأعراض فرط النشاط والاندفاعية.
ومن الطبيعي أن يُظهر الأطفال أحيانًا بعض السلوكيات الاندفاعية أو ضعف التركيز، غير أنّ الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط لا يتخلّصون من هذه السلوكيات مع مرور الوقت، بل تستمرّ لديهم وتزداد شدّتها، مسببةً صعوباتٍ كبيرة في الدراسة والعلاقات الاجتماعية والسلوك الأسري.
تشخيص اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط
يتمّ تشخيص اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط من خلال تقييمٍ طبيٍّ ونفسيٍّ شامل يُستهدف به استبعاد الحالات الأخرى ذات الأعراض المشابهة. وتُجرى العملية التشخيصية عادةً عبر ثلاث مراحل، فأولا يجب تحديد أنماط السلوك المتعلقة بالانتباه والنشاط باستخدام مقاييس تقييم الاضطراب، والتشخيص السريري، والاستبيانات التي تُستكمل بواسطة أفراد الأسرة والمعلمين، مع التأكد من أن عمر المُشتبَه في إصابته لم يتجاوز الثانية عشرة بعد.
والمرحلة الثانية من مراحل تشخيص اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط تكون باستبعاد الاضطرابات النفسية الأخرى، كالاكتئاب والقلق بوصفها عوامل محتملة. فكثيرا ما يكون اندفاع الشخص أثناء الحديث نابعا من أسباب أخرى، كالخوف أو القلق مثلا، ولا يكون بسبب الإصابة باضطراب ADHD.
أما المرحلة الثالثة من مراحل تشخيص اضطراب نقص الانتباه فتكون بالتحقّق من وجود اضطرابات مصاحبة، مثل اضطراب المعارضة والعصيان ODD، واضطرابات القلق والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة PTSD، واضطرابات النمو العصبي كالتوحّد وصعوبات التعلّم.
منشأ الاضطراب، والتفاعل المعقد بين البيولوجيا والبيئة
إن اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط هو اضطراب متعدد العوامل ناتج عن تداخل المكوّنات الوراثية والبيولوجية والبيئية.
فعلى الصعيد البيولوجي، قد تكون بيولوجيا الدماغ ووظائفه على رأس أسباب الإصابة باضطراب فرط الحركة مع تشتت الانتباه، حيث تشير دراسات التصوير العصبي، مثل الرنين المغناطيسي الوظيفي، إلى تقلُّص حجم المادة الرمادية والبيضاء في مناطق حيوية من الدماغ، كالقشرة الجبهية الأمامية والعقد القاعدية والمخيخ. هذه المناطق مسؤولة عن الوظائف التنفيذية التي تشمل التخطيط والتحكم، ووجود ضعف في الاتصال العصبي بينها مرتبط بمعالجة المعلومات واتخاذ القرار.
كذلك يندرج تحت الأسباب البيولوجية ضعف استقلاب النواقل العصبية، وهنا نشير إلى هرمون الدوبامين، والذي يُعدّ ناقلا عصبيا حاسما في التركيز والتحفيز، وغالبا ما يرتبط ضعف استقلابه في القشرة الجبهية الأمامية بأعراض ضعف الانتباه والاندفاعية.
أما على صعيد العوامل الوراثية والبيئية، فتشير البحوث إلى أن هذا الاضطراب عالي القابلية للوراثة، كما تسهم عوامل بيئية في رفع درجة الخطورة، منها: التعرض للكحول أو النيكوتين أثناء الحمل، أو التعرض لبعض المواد الكيميائية الضارة مثل البيسفينول، إلى جانب انخفاض الوزن عند الولادة، وهنا يشار إلى أنه ثمة ارتباط بين حالات المواليد الخُدَّج (الولادات المبكرة) ورصد الإصابة باضطراب فرط الحركة مع تشتت الانتباه، حيث لوحظ بطبيعة الحال انخفاض أوزان الأطفال الخُدَّج، أي أولئك المولودون قبل الشهر التاسع.

المضاعفات وضرورة التدخل المبكر
عند عدم معالجة اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط في الوقت المناسب، قد يعاني الفرد من مضاعفات خطيرة قد تصل إلى حد تدني تقدير الذات، وضعف الأداء الأكاديمي والمهني، وصعوبة في العلاقات الاجتماعية، وصولًا إلى المشكلات القانونية أو سوء استخدام المواد المخدرة والكحول. لهذا السبب، فإن التشخيص المبكر والتدخل العلاجي المتكامل هما أمران حاسمان للحدّ من التأثيرات السلبية لهذا الاضطراب وضمان حياة صحية وفعالة للفرد في المجتمع.
إستراتيجيات متكاملة لإدارة الحالة والعلاج
تعتمد إدارة اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط على إستراتيجية متكاملة تشمل العلاج الدوائي والتدخلات السلوكية المعرفية التي تعزز مهارات التنظيم الذاتي والوظائف التنفيذية. ويُوصى ضمن هذه الإستراتيجية بالتركيز على التدريب الأسري، والذي يهدف إلى تعليم الوالدين كيفية استخدام الثناء والتعزيز الإيجابي لتشجيع السلوكيات المرغوبة، وتطبيق العواقب المنطقية عند عدم الامتثال، مما يؤدي إلى انخفاض الاندفاعية والجدال.
كذلك تشمل إستراتيجية التعامل مع اضطراب ADHD تنمية مهارات التنظيم الذاتي وبناء الروتين وإدارة الوقت، وذلك باستخدام قوائم زمنية ومخططات تنظيمية وجداول مكافآت لدعم الذاكرة العاملة ومساعدة الأطفال على إنجاز المهام خلال وقت محدد. وهناك تقنيات ناجحة بهذا الخصوص، مثل تقنية بومودورو Pomodoro Technique كما تُعدُّ تقنية تقسيم الوقت إلى فترات فعالة في إدارة الأعراض. كما أن تقنية تقسيم المهام لتجزئة المهام الكبيرة إلى أنشطة صغيرة محددة بزمن، واستخدام بيئات خالية من المشتتات للحدّ من تشويش وسائل التواصل الاجتماعي، أمور ضرورية.
العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يعتمد على إعادة الهيكلة المعرفية لتحديد أنماط التفكير السلبية واستبدالها بأفكار أكثر واقعية واتزانًا. ومن الاستراتيجيات المهمة هنا منهج «توقّف، فكّر، ثمّ تصرّف» (STOP. THINK. ACT) للتحكم في الاندفاعية.
وهنا ينبغي تسليط الضوء على إشكالية الذاكرة العاملة لدى الأطفال المصابين باضطراب ADHD، وذلك نظرا إلى أهميتها في أدائهم الدراسي، فمعرفة وتقييم خصائص تلك الذاكرة لديهم سيمكِّن من فهم طبيعة اشتغال هذه الوظيفة في حال الإصابة بهذا الاضطراب.(2)
عند عدم معالجة اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط في الوقت المناسب، قد يعاني الفرد من مضاعفات خطيرة قد تصل إلى حد تدني تقدير الذات، وضعف الأداء الأكاديمي والمهني، وصعوبة في العلاقات الاجتماعية، وصولًا إلى المشكلات القانونية أو سوء استخدام المواد المخدرة والكحول. لهذا السبب، فإن التشخيص المبكر والتدخل العلاجي المتكامل هما أمران حاسمان للحدّ من التأثيرات السلبية لهذا الاضطراب وضمان حياة صحية وفعالة للفرد في المجتمع.
العقل السليم في الجسم السليم
من المهم هنا الإشارة إلى أن عامل جودة النوم من أبرز عوامل تحييد خطر الإصابة باضطراب ADHD، حيث إن الحصول على سبع ساعات من النوم المتواصل ضروري لإدارة الأعراض، إذ إن اضطرابات النوم تفاقم ضعف الانتباه.
كذلك فإن النشاط البدني من أبرز عوامل ومظاهر الصحة الجسدية، والتي تنعكس إيجابا على الصحة العقلية بالضرورة، وتعد ممارسة الرياضة بانتظام، كالسباحة والجري والرياضات الأخرى، من أكثر الإستراتيجيات فاعلية في تعزيز التركيز والاستقرار الانفعالي.
ولا يسعنا إغفال دور التغذية الصحية، فاتباع نظام غذائي متوازن غني بالمغذيات من أكثر العوامل فاعلية بهذا الصدد، ومعلوم سلفًا كيف أن الممارسات الغذائية تؤثر إيجابا أو سلبا في الصحة النفسية والعقلية.
الهوامش:
- حمدي محمد ياسين، وسارة سيد زغلول عزام، الوظائف التنفيذية و الموهبة لدى الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه و فرط الحركة، مجلة کلية التربية فى العلوم النفسية، ج1، عدد 48، يناير 2024، ص69-120، كلية التربية، جامعة عين شمس.
- إدرسي جناتي أمين، دور الذاكرة العاملة في الأداء المدرسي عند أطفال نقص الانتباه / فرط الحركة …، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مراكش، 2024