- فكيف كانت امرأة مثل والدة الإمام أحمد بن حنبل نموذجا يُحتذى في تربية الأبناء ليكونوا أئمة علماء؟
- وكيف بلغت العارفة رابعة العدوية مقاما روحانيا عاليا حتى لُقبت بتاج الرجال؟
- وما حقيقة تفضيل المرأة العاملة على ربة المنزل في الثقافة المعاصرة؟
_____
لم يكن دورُ المرأة يومًا ثانويًـا في مسيرة البشرية، بل هي القوة المحركة التي تمنح الأماكنَ روحها والحياةَ معناها. عطاؤها لا محدود؛ لأنه يتدفّق من نبع الفطرة، وإبداعها استثنائي؛ لأنه نابع من امتزاج العقل بالعاطفة، فتراها تصنع المعجزات، وتنشئ صنّاعَ الحضارات.
رحلة الكفاح عبر التّاريخ
لم تكن المرأة يوماً حبيسةَ الجدران إلا في فترات الانكماش الفكري؛ فالتاريخ يشهد أنها كانت صانعة للحضارة جنباً إلى جنب مع الرجل:
ففي فجر الإسلام سجلت الصّحابيات مواقف خالدة، فكانت نسيبة بنت كعب تذودُ عن النبي ﷺ في الغزوات، وكانت رفيدة الأسلمية رائدة الطب الميداني، تداوي الجرحى وتنظم الخيام كعيادات ميدانية.
وفي الأرض كدحت المرأة وساهمت في شؤون الزراعة، تزرع وتحصد، وتسهم في توفير لقمة العيش لعائلتها بثبات وصبر.
وفي رحاب العلم لم يُغلق باب المعرفة أمامها، فكانت الفقيهة والمحدِّثة، والمؤثرة في صياغة الوعي الجمعي.
إن التاريخ الإنساني والروحي مدين في جوهره لعظيمات صنعن بوعيهن وقوة بصيرتهن قامات اهتزت لها الدنيا؛ فخلف كل فكر مستنير قلب امرأة كان هو المحرك والموجه.
أمهاتٌ صنعن أئمة
تتجلى صورةُ المرأة الصبورة المضحية في والدة الإمام أحمد بن حنبل، تلك الأرملة التي لم يقعدها فقدان الزوج عن دعمِ ابنها. فقد نذرت نفسها لتربية طفلها اليتيم، وكانت توقظه في جوف الليل البارد قبل صلاة الفجر، ثم ترافقه إلى المسجد خوفاً عليه من الطريق، حتى قالت له يوماً: «يا بني، اذهب واطلب الحديث، فإني سأكفيك بمغزلي»، فكان خيطُ مغزلها هو الذي أمدَّ الأمة بإمام أهل السنة والجماعة، ولولا بصيرةُ هذه المرأة وفراستها لما عرف التاريخ أحمد بن حنبل.
أثر المرأة في التكوين الروحي
وفي فلك العرفان، لا يمكن إغفال أثر المرأة في تكوين شخصية الإمام محيي الدين بن عربي، الذي تتلمذ على يد نساءٍ عظيمات، أبرزهنَّ «فاطمة بنت ابن المثنى» في قرطبة؛ تلك المعلمة والملهمة التي كان يسميها «أمه الثانية». فقد تعلّم منها الزهد والاتصال بالله، وقد وصفها بأنها كانت من أهل «الكشف»، وصاغت وعيَه الأخلاقي وفهمه للجمال الإلهي، مما يبرهن أن المرأة لم تكن مجرد تابع، بل كانت أستاذةً ومربّيةً لكبار الفلاسفة.
رائدة التعليم في مدرسة التصوف
أما رابعة العدوية، فقد كانت مدرسةً قائمةً بذاتها، لم تكن مجرد عابدة، بل كانت لا تقلُّ شأنًا فكرياً وروحياً عن كبار الزهاد كالحسن البصري، الذي كان يقصدها وجماعةٌ من الزهاد ليقتبسوا من نور حكمتها. لقد حوَّلت رابعة علاقة العبد بربه من الخوف إلى الحب الخالص، وأثبتت أن المرأة قادرة على قيادة المجتمع نحو مدارج السمو الروحي، فكانت كلماتها هي الدواء الذي يزيل غشاوة الغفلة عن القلوب.
إن هذا الإرث العظيم يؤكد أننا لسنا بحاجة إلى استراد مفهوم «تمكين المرأة» فجذوره ضاربة منذ البداية في أعماق تاريخنا الإسلامي، وما شخصيات «رفيدة» و«فاطمة بنت ابن المثنى» وغيرهما إلا تذكيرٌ لنا بأن ريادة المرأة في حضارتنا لم تتوقف يوماً، وإن واجهت في العصر الحديث تحديات جديدة.
المرأة المسلمة بين مطرقة المادية وسندان التقاليد
ووصولاً إلى زمننا هذا، وفي ظل النظام الرأسمالي الحديث الذي سبّب رفع تكاليف الحياة، لم يَعُد خروج المرأة للعمل ترفاً أو مزاحمة، بل تقدمت كفارس نبيل لتعيل عائلتها وتضمن لأبنائها مستقبلاً كريماً.
إن هذا الدور للمرأة الواعية ليس خروجاً للاستعراض أو الطمع، بل هو موازنة ذكية لمركب العائلة وحمايته من الغرق وسط ارتفاع الأمواج المادية العالمية. لقد تمثلت هذه المرأة قول الله تعالى:
وأدركت مسؤوليتها أمام حديث النبي ﷺ:
لقد تجلّت عبقرية الإسلام في مواكبته للتحديات في كل زمان، وصياغته لشخصية المرأة؛ فمنحها من الآليات ما يجعلها شريكاً فاعلاً في صياغة حضارة العصر دون ذوبان أو اغتراب. وها هي المرأة المسلمة اليوم بوقارها الفطري ورقيّها الأخلاقي، ترسم نموذجاً فريداً في التوازن؛ فهي في الميدان طبيبةٌ ومربيةٌ ورائدةٌ اجتماعية دون أن يغيب عن ذهنها هدفُها السامي في حماية مملكتها الخاصة. ولا يمكن للمجتمع الاستغناء عن دورها المميز في الطب النسائي، والتعليم، والخدمة الاجتماعية، والكثير من المجالات والاختصاصات فهي مهن يكتمل بها دينها وعقلها المنظم.
تعدد الأدوار والرسالة واحدة

لا تفضيل لامرأة عاملة على امرأة مدبرة لمنزلها، فكلتاهما تؤدي دوراً محورياً بحسب الحاجة. ومع ذلك، نجد أن المرأة العاملة تتحمل ضغوطاً مضاعفة تضحيةً منها في سبيل كسب رضا الله وثبات عائلتها، كما أنها تكتسب انفتاحاً ذهنياً يجعلها أكثر قدرة على فهم تحديات العصر التي يواجهها أبناؤها، وإدارة أزمات الأسرة بحكمة اجتماعية مكتسبة.
أما المرأة داخل بيتها، فهي تدير أخطر وأهم «وزارة في العالم وزارة بناء الإنسان»؛ فمِن تحت يديها تخرج اللبنات الصالحة التي يرتكز أمل الأوطان عليها.
البيت جنة الأرض
البيت الذي يمثل «جنة على الأرض» ليس هو البيت الفاخر، بل هو الذي يقوم على التكامل لا التنافس. العلاقة الصحيحة هي التي يحترم فيها الرجل كدح المرأة داخل البيت وخارجه، وتقدر فيها المرأة قوامة الرجل التي هي «رعاية واحتواء» وليست «سيطرة وإقصاء».
التكامل الذي يُزهر الحياة
تحية حب وتقدير لكل امرأة تضحي براحتها لأجل عائلتها، وتثبت يومياً أن «الوقار» لا يتناقض مع «الإنجاز»، وأنها لا تتأثر بصيحات الحرية الكاذبة ولا تحيد عن حبل الله عز وجل. وتحية لكل زوج يمنح زوجته الثقة والتشجيع لتتقدم علميًّا وفكريًّا، ويكون لها اليد المعينة ليحيطا أولادهما برعاية وأمان، ويصلا بهم إلى مصاف الإبداع.
ولنتذكر دائماً أن التكامل بين الجنسين هو سر التّحليق، وبدونه نصبح كطائر بجناح واحد.
الهوامش:
- (الطلاق: 7)
- (سنن الدارمي، كتاب المقدمة)