- فما قصة الخوارزميات؟
- وما قصة علم الجبر برمته؟
- وكيف غير حساب المثلثات الذي ابتكره المسلمون ميزان القوى العسكرية العالمية؟
____
تراكمية الحضارة
حضارة كل عصر هي تراكم هائل للمنجزات الحضارية السابقة، وهذا صحيح أيضا بالنسبة للحضارة العربية الإسلامية التي يسميها الغرب فقد جمعت هذه الحضارة وهضمت نتاج ما سبقها من حضارات العراق وسوريا ومصر واليمن واليونان وفارس والهند وحتى الصين، وضمت بين روادها علماء من الأعراق والأديان التي شملتها الدولة الإسلامية واسعة الأرجاء.. حتى ليبدو لنا أن الحضارة العربية الإسلامية ضفيرة حضارية هائلة، لكن هل توقف بها الحال عند هذا التراكم المعرفي وجمع منجزات الحضارات السابقة؟ كل الحضارات السابقة كانت تتقدم إلى حد ما لتنتج لنا بعض الكتب النظرية في الفلسفة وبعض الكتب في الطب والفلك والرياضيات والجغرافيا، ولم يكن محتوى تلك الكتب يتعدى بعض الملاحظات وتسجيل الظواهر في إطار نظري مع بعض الممارسات البسيطة ويتوقف الأمر عند هذا الحد، وكان هذا الإنتاج المعرفي يشوبه قدر غير ضئيل من الأسطورة، بل وصل الأمر إلى حد امتزاج الأفكار العلمية بالكثير من الأمور الظنية، إن لم نقل بالكثير من الخرافات التي لا أساس لها من تأييد العقل ولا الواقع، ومن ثم ظل العلم نظريا فلسفيا ولم يتجاوز أبدا هذه المرحلة إلا مع الحضارة العربية الإسلامية التي أتيح لها أن تتجاوز هذا الوضع وتصل لأفق الحضارة العلمية الحديثة.
شهادة «الصفر» بفضل الرياضيين المسلمين لقد اكتملت للحضارة العربية الإسلامية خصائص الحضارة العلمية الحديثة بالفعل، والفارق الكبير الموجود بينها وبين الحضارة السائدة في الغرب الآن هو فقط فارق التراكم المعرفي على مدى خمسة قرون خلت، يُضاف إليه فارق نتائج التفاعل الحادث بين العلوم المختلفة، حيث كان الاكتشاف في أحد العلوم يؤدى إلى مزيد من الاكتشافات في العلوم الأخرى، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ابتكار الهنود لنظام أرقام بسيط وسهل لكنه غير مكتمل، وكان هذا النظام قد عرف استخدام الصفر، وإن لم يكن الاستخدام الأمثل الذى نعرفه الآن فهناك فرضيات عن أن الصفر استُخدم فعلا لدى الهنود، لا لتنظيم الخانات، لكن للدلالة على العدم فقط. وقد انتقل هذا النظام الرقمي إلينا في القرن السابع الميلادي، واستخدمه أرباب العلم السريان في سوريا وعبرهم شاع استخدامه في الأوساط العربية الإسلامية، وبلغ حد الكمال المعروف اليوم على أيدي الرياضيين المسلمين الكبار كالخوارزمي والكرخي وغيرهما، وصار من الممكن لأول مرة في التاريخ إجراء عمليات حسابية معقدة كالضرب والقسمة المطولة بكل يسر. وواكب هذا تطوير الحضارة العربية الإسلامية لعلم الجبر مما جعل من اليسير استنباط المعادلات الرياضية كقوانين علمية ثابتة، وتطبيقها في العلوم المختلفة بكل سهولة، الأمر الذي كان مستحيلا قبل هذا.
بيكون وديكارت أم ابن الهيثم والبيروني؟
توصل الحسن بن الهيثم وأبو الريحان البيرونى، كل على حدة، إلى الطريقة العلمية التى تتضمن المنهج المتبع فى البحث العلمى والقائم على التجربة والمشاهدة والاستنتاج.. والمهتمون بتاريخ العلم يدركون تمام الإدراك أن هذه هى لحظة ميلاد العلم الحديث والطفرة التى أنتجت الحضارة الغربية المسماة الآن بحضارة العلم الحديث.. وكَوْن الغرب ينسب هذه الطريقة لـ»روجر بيكون» تارة ولرينيه ديكارت تارة أخرى فهذا إما ادعاء باطل بغير دليل أو جهل بالأصول لأن مخطوطات كل من ابن الهيثم والبيروني تثبت سبقهما إلى أصول المنهج العلمي بصورة حاسمة.
نموذج للتراكمية.. كيف يطوِّر العلم الحديث ذاته!
شيء هام آخر أنتجته الحضارة العربية الإسلامية وكان له تأثيره الهائل على مسيرة العلم وأثمر فيما بعد ــ وليس في عصره الكثير من النتائج ــ ذلك أن ابن الهيثم عكف على دراسة عجيبة غريبة لم يحفل بها عالم قبله، ولولا دراسته لها فلربما تأخرت مسيرة العلم لآلاف أخرى من السنين. لقد درس عالمنا العبقري الظلال والخيالات ومسارات الضوء عبر الثقوب الضيقة وعبر العدسات، ودرس انكسار الضوء، ولخص نتائج دراساته في كتاب «المناظر» الذى يُعد أساس علم الضوء وأساس الكثير من الابتكارات العلمية وأدوات القياس العلمي والدراسة العلمية مثل النظارات والتلسكوب والميكروسكوب وكل الأجهزة الحديثة التي تعتمد على الضوء وصولا إلى كاميرات السينما والتلفزيون والكمبيوتر، وصحيح أن ابن الهيثم لم يتوصل إلى ابتكار هذه الأجهزة الهامة عينها لكنه وضع الأساس العلمي الأول عبر التراكم المعرفي إلى كل هذه الابتكارات الحديثة.. وهذه الأجهزة بالتحديد أضحت أدواتٍ علمية استعملها العلم الحديث في تطوير ذاته؛ فالتلسكوبات مثلا ساهمت في تطوير علم الفلك وخدمت الملاحة البحرية، والعدسات والميكروسكوب ساهمت في تطور الطب وعلوم الأنسجة والميكروبيولوجيا.. واكتشاف ابن الهيثم للبيت المظلم صار أساسا للكاميرا التي قامت عليها الذاكرة البصرية للبشرية، والذي حال بين ابن الهيثم وبين التوصل الفعلي للكاميرا هو أن علم الكيمياء في عصره لم يكن قد توصل بعد للألواح الحساسة التي تنطبع عليها الصورة…
وقد انتقل هذا النظام الرقمي إلينا في القرن السابع الميلادي، واستخدمه أرباب العلم السريان في سوريا وعبرهم شاع استخدامه في الأوساط العربية الإسلامية، وبلغ حد الكمال المعروف اليوم على أيدي الرياضيين المسلمين الكبار كالخوارزمي والكرخي وغيرهما، وصار من الممكن لأول مرة في التاريخ إجراء عمليات حسابية معقدة كالضرب والقسمة المطولة بكل يسر.
حساب المثلثات.. علم إسلامي خالص!
الطفرة التي أحدثتها الحضارة العربية الإسلامية في علم حساب المثلثات جعلته علما عربيا خالصا، وقد تفرع العلماء العرب والمسلمون منه إلى ابتكار علم حساب المثلثات الكُرِّىِّ، وهذان العلمان لهما أكبر الأثر في تطور علم الفلك الذي لاعتبارات دينية وأخرى متعلقة بالتنجيم، بلغ شأوا بعيدا على أيدي العرب والمسلمين.
نقل العرب البارود عن الصينيين، لكنهم توصلوا لنظرية البارود المتفجر واستخدموه في صنع الأسلحة النارية التي أخذها الغرب عنهم وتمكن من تطويرها بسرعة لأسباب تأتي لاحقا، فقد كان للغرب نقطتا تفوق واضحتان على العالم الإسلامي، الأولى تمثلت في الفن التشكيلي والنحت والثانية تمثلت في فن تجهيز سبائك المعادن لصنع أجراس الكنائس التي تتسم بالرنين القوي ونقاء الصوت. وعندما نقل الغرب عنا سر الأسلحة النارية كان هو الأقدر على تطويرها وصنع أجيال متفوقة من المدافع؛ ذلك أن فن النحت وصب التماثيل أتاح للغرب التحكم بصورة أفضل في القوالب التي ستصب فيها المدافع وصنع نماذج كبيرة الحجم وذات مجار اسطوانية منتظمة القطر، وفن سبك النحاس أعطى للغرب الخبرة في تجهيز سبائك الحديد الملائمة للمدافع والتي تتحمل الحرارة العالية ولا تتلف من قذيفة أو عدد قليل من القذائف، ومن ثم أمكن للغرب تحقيقُ تفوقٍ كبيرٍ في صناعة الأسلحة النارية التي كان هو نفسه قبل عقود قليلة يظنها تعمل بفعل الشياطين، وبهذه الأجيال المتطورة من المدافع التي حملتها السفن البرتغالية ومن بعدها السفن الإسبانية والفرنسية والإنكليزية وُلدت قوة الغرب.. ففي فبراير عام 1509 تمكن أسطول برتغالي مدعوم بسفن من جمهورية البندقية الإيطالية وجمهورية راكوسا الكرواتية من تدمير الأسطول «المصري العثماني الهندي المشترك» في معركة ديو البحرية قرب ساحل الهند الغربي، وترتب على هذا انحسار سيطرة العرب والمسلمين على البحار ليسودها الأوربيون ويفرضوا سيطرتهم على الشواطئ ويفرضوا معها الاتفاقيات التجارية ليبدأ عصر الثراء الأوربي والهيمنة الأوربية على العالم.. ودبَّ الضعف والفقر في الشرق ودخلنا لعدة قرون في سبات شتوي لم نكد نفيق منه إلى الآن.. ومع ذلك تبقى الحضارة العلمية العالمية الحالية هي نفسها الحضارة الإسلامية بكل خصائصها الأساسية، وإن وضع عليها المالك الجديد شارته وأعلامه وأطلق عليها اسم «الحضارة الغربية» بناء على التراكم المعرفي الذي حققه هو.