- فكيف جرى خداعنا بمقولة تأصيل الإسلام للعبودية!

- وأيهما صاحب مقولة “أصالة الحرية” المسيحية؟ أم الإسلام؟!
- وكيف مثلت مقولة الفاروق (رض) تأصيلا بمستوى جديد لمقولة أصالة الحرية؟
____
خدعونا بمقولة تأصيل الإسلام للعبودية!
ما يراه عامة الناس من الأعمال العظيمة والمشاريع الضخمة هو مظهرها الخارجي ونتائجها النهائية، وهذا هو نفس منطق استمتاعنا بمشاهدة الأعمال المسرحية العظيمة، فإننا كمتفرجين لا نطلع على ما يجري خلف الستار من استعدادات، بل لا علم لنا أصلا بما يسبق ذلك من محاولات مضنية في الكتابة والإخراج والتمرين على التمثيل، حتى إننا كثيرا ما نغفل عن اسم المؤلف منشغلين بالتصفيق للممثلين.. وهكذا فإن عامة الناس، دون أن يشعروا، كثيرا ما ينسبون الفضل إلى غير أهله. وعلى هذه الشاكلة تغنَّى الناس بالعديد من الإنجازات المحمودة في التاريخ الإنساني ناسبين الولد لغير أبيه، مُحْتَفِينَ بقاطف الثمرة دون أن يلتفتوا إلى غارس الشجرة، ويزداد هذا الخطأ قبحا حين يعلم البعض عن حقيقة صاحب الإنجاز، فلا تكون ردة فعلهم إلا التعتيم على الحقيقة، إن لم نقل طمسها وشوهها في كثير من الأحيان، كما سيبدو لاحقا عبر سطور هذا المقال، حيث تُطرَح قضية طالما طرحت مرارا من قبل، وتناولتها العديد من الأقلام، المنصفة والمغرضة على السواء، هي قضية الرق في بلاد المشرق، وحقيقة ما إذا كان للإسلام يد في تأصيل هذه الظاهرة فعلا أم لا!
الرق لغة هو الضعف وتدني الحال، والرقيق ضد الغليظ والثخين، واسترقه ضد أعتقه، والرقيق هو المملوك، ويُعبَّر بلفظ «الرقيق» عن الواحد والجمع أيضًا تذكيرًا وتأنيثًا. ويُقال للذكر عبد أو فتى أو غلام، وللأنثى جارية أو أمة أو فتاة. والعتق هو إزالة العبودية أي التحرير وكذلك العتاقة.
والرق، والنخاسة، وتجارة العبيد، جميعها ألفاظ واصطلاحات تفضي إلى المعنى ذاته، ولكن أشيعها على مستوى كلا الاستعمالين، العادي والأكاديمي، هو مصطلح «الرق»، والذي عرفته المادة الأولى لاتفاقية إلغاء الرق الموقعة في جنيف يوم 25 سبتمبر 1926 وبدأ إنفاذُها في 9 مارس 1927، إذ عرَّفَتْ الرق بأنه: «حالة أو وضع أي شخص تُمَارَسُ عليه السلطات الناجمة عن حق الملكية، كلها أو بعضها.»(1)
بحيث صيغ تعريف تجارة الرقيق تأسيسا على معنى الرق ذاته المذكور ضمن المادة الأولى لاتفاقية جنيف، لتشمل تلك التجارة جميع الأفعال التي ينطوي عليها أسر شخص ما أو احتيازه أو التخلي عنه للغير بقصد استرقاقه، وجميع الأفعال التي ينطوي عليها احتياز رقيق ما بغية بيعه أو مبادلته وجميع أفعال التخلي، بيعا أو مبادلة، عن رقيق تم احتيازه بقصد بيعه أو مبادلته، وكذلك، عموما، أي اتجار بالأرقاء أو نقل لهم .(2)
والحديث عن الرق يتطلب نوعًا من الحياد في البحث عن مسبباته التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، دون أن يُخاض غمار جدل عقيم كالذي نشهده محتدما بين طائفتين من الكُتَّاب، أولاهما تخوض الميدان متسلحة بأيديولوجية معينة وبأفكار سوداء مسبقة حول الأديان بشكل عام، وطائفة ثانية تتمثل في رجال الدين الذين يدافعون من جهتهم عما يتبعونه من أديان ومعتقدات، فمنهم من يدافع عن فكرة الرق أملا في إعادة فرضها على الواقع، ظنا منه أنها من قَبيل المعلوم من الدين بالضرورة! حتى إن من هؤلاء المشايخ من ذاع له مقطع مسجل صوتا وصورة منذ بضع سنين في إحدى حلقاته الوعظية، وكان يحث المتحلقين حوله على ما دعاه بإحياء سنة استرقاق الأسرى والسبايا، بدعوى أنَّ هذه السنة المزعومة هي الطريق الوحيد الذي يخلصنا من الفقر! طبعا على حد زعمه هو، وهذا الزعم حسبما نرى ونعتقد منافٍ لتعاليم الدين الحقة أيما منافاة!
وإن ظاهرة الرق، ممثلة في بقاياها الباقية هنا وهناك في بلدان متفرقة من العالم، وتمارس في أغلب الأحيان خفية بعيدا عن رقابة السلطات الحكومية، أو تحايلا عليها بتسميات تجيزها بحيث لا تعارض نصا قانونيا، إن هذه الظاهرة أقل ما توصف به حاليا أنها ظاهرة غير إنسانية، وهي من بقايا الهمجية التي لم يتخلص منها الإنسان كلية، حتى من بين أكثر شعوب الأرض تقدما.. ولكن من الخطأ البيِّن الزعم بأن الرق كان متفشيا فقط بين الأقوام الهمجية والشعوب غير المتحضرة، فالثابت أنه كان نمط الحياة العصري في وقته، ومن الشعوب التي حملت مشعل الحضارة العالمية في وقت من الأوقات وعُد الرق فيها طابعا عاما، المجتمع الإغريقي الذي يُعزى ما وصل إليه من رُقي عقلاني وفلسفي إلى عنصر الرقيق، الذين مثلوا دور اليد العاملة في المجتمع، بحيث تفرغ المواطنون الإغريق ولاة أمورهم لمناحي التفكير الفلسفي والخطابة والسفسطة.
ويمكن خطو خطوة أكبر بالقول بأن تاريخ الاستعباد يضرب بجذوره في عمق الزمان، والتاريخ المعروف للبشرية يشير إلى أن الرق ظاهرة ضاربة في القدم، وتاريخها هو ذاته تاريخ الاستغلال وظلم الإنسان لأخيه الإنسان. وقد نشأت ظاهرة الاستعباد تلك منذ آلاف السنين، وتحديدًا خلال فترة التحول من الصيد إلى الاعتماد على الزراعة المُنَظّمة كوسيلة لاكتساب الرزق.. حتى إن مؤرخا كبيرا بقامة وِلْ ديورانت ذهب في عمله التاريخي الموسوعي الشهير «قصة الحضارة» إلى فكرة أنه بينما كانت الزراعة تُنْشئ المدنيِّة إنشاءً فإنها إلى جانب انتهائها إلى نظام المَلَكِيَّةِ، انتهت كذلك إلى نظام الرق الذي لم يكن معروفًا في الجماعات التي كان معاش أفرادها قائما على حرفة الصيد الخالص، لأن زوجة الصائد وأبناءه كانوا يقومون بالأعمال الدَّنيَّة، وكان فيهم الكفاية لذلك، وأما الرجال فقد كانت حياتهم في تعاقب مستمر بين وقت مفعم بنشاط الصيد أو القتال، يليه وقت فتور واسترخاء ودعة بعد إجهاد وعناء بُذِلا في الصيد أو القتال. ولعل ما تنطبع به الشعوب البدائية من كسل قد بدأ، على ما يبدو، من هذه العادة، عادة الاستجمام البطيء بعد عناء القتال والصيد، ولو أنها لم تكن عندئذ كسلاً بمقدار ما كانت فترة راحة واستجمام ضرورية لاستئناف العمل مستقبلا، فلكي تحوِّل هذا النشاط المتقطع إلى عمل مطرد، لابد لك من شيئين: العناية بالأرض عناية تستمر يوميا، وتنظيم العمل(3).
وطالما احتفظ التراث الإسلامي بكنوز دفينة لم يُكشف بعد النقاب عنها، أو قد كُشف وعُتِّم عليها لأغراض مادية أو حضارية ما في نفوس المُعَتِّمِين، وعلى رأس تلك الأغراض القذرة «سرقة الفضل» بنسبته إلى غير أهله، وهو جرم مشهود ثبت أكثر من مرة على طائفة من المستشرقين الذين تعمقوا في دراسة وتحقيق المخطوطات الإسلامية منذ بواكير عصر النهضة الأوربية..
مبدأ أصالة الحرية.. من صاحبه؟!

جاءت المسيحية والرق على هذه الحال، وفيما بين أيدينا من أناجيل كثيرة تقر الكنيسة أربعة منها وتنحي الكثرة الباقية، لا نجد نصا واحدا يشير إلى الظاهرة لا بالشجب ولا بالقبول، مما يعني أن المسيحية بشكل عام أقرت ظاهرة الرق التي أقرتها اليهودية ممثلة في شريعة العهد القديم والتلمود من قبل. والغريب أن المؤرخ «وليم موير» يعيب على نبينا محمدٍ أنه لم يُبْطِل الرق بإجراء فوري، مع تغاضيه عن موقف المسيحية من الرق، مع أنَّ الثابت من الرجوع إلى الأناجيل الأربعة، الكائنة بين أيدينا اليوم، أنه لا المسيح ، ولا أي من تلاميذه أو آباء الكنائس الكبرى نبسوا ببنت شفة فيما يتعلق بشجب ظاهرة الرق أصلا، ناهيك عن أن يضعوا خطة بعيدة المدى للتخلص منها دون أية خسائر.
وفى معجم لاروس الموسوعي(4) لا يعجب الإنسان من بقاء الرق واستمراره، فإن رجال الكنيسة الرسميين يقرّون بصحته ويسلّمون بمشروعيته. وبالمناسبة، نحن لا نبتغي من وراء هذا العرض تحميل المسيحية مسؤولية الترويج أو التأصيل لظاهرة الرق، فهذه الظاهرة كانت رائجة بالفعل حتى قبل المسيحية بآلاف السنين.. ما نريد قوله أن فترة العصور الوسطى شهدت حقا إشراق شمس الحريات، بمبعث النبي الذي نزل عليه تشريع يضمن تحرير العبيد، وقام هو نفسه بتطبيقه، حتى قبل أن يكون نبيًّا، فحرر من بحوزته من الرقيق عن بكرة أبيهم.
وتعتبر معالجة موضوع «العبودية والمسيحية المبكرة» مهمة صعبة لأسباب مختلفة. أولها أن من الصعب الوصول إلى فهم العبودية في ذلك الوقت. وثانيها أن هناك تحديا متمثلا في تناول القضية بعقلية سائدة تتضمن فكرة إلغاء العبودية. فمن منظور معاصر، من الممكن تقديم حساب نقدي للعبودية والمسيحية المبكرة، حيث تحمي المسافة الزمنية المرء من العواقب المرتبطة بالحكم على العبودية. أخيرًا، هناك التحدي التأويلي المتمثل في التعامل مع نصوص من المسيحية المبكرة من منظور أخلاقي من أجل الوصول إلى الافتراضات المعيارية الحالية، مع احترام النية الأصلية للنصوص.(5)
الخلاصة أن الدين المسيحي ارتضى الاسترقاق تماما إلى يومنا هذا، ويتعذر على أي باحث أن يثبت أن المسيحية، كديانة، على مَرِّ تاريخها، سعت في إبطاله.
وطالما احتفظ التراث الإسلامي بكنوز دفينة لم يُكشف بعد النقاب عنها، أو قد كُشف وعُتِّم عليها لأغراض مادية أو حضارية ما في نفوس المُعَتِّمِين، وعلى رأس تلك الأغراض القذرة «سرقة الفضل» بنسبته إلى غير أهله، وهو جرم مشهود ثبت أكثر من مرة على طائفة من المستشرقين الذين تعمقوا في دراسة وتحقيق المخطوطات الإسلامية منذ بواكير عصر النهضة الأوربية..
على أية حال، من المجالات التي كانت للإسلام فيها الريادة المطلقة «تحرير العبيد» وإلغاء نظام الرق من أصله. ولأن هذا النظام قديم قدم الحضارة الإنسانية ككل، فليس من المنطقي أن يُلغى هكذا بمجرد نصٍّ ناهٍ، لا سيما وأنه لم يكن ظاهرة ذات بعد أخلاقي كشرب الخمر مثلا، ولكنه نظام اقتصادي متأصل في عمق الحضارات القديمة كلها، فكان لا بد من تأصيل تدابير تلغيه رويدا رويدا على المدى البعيد، حتى يتلاشى كلية. وتمثلت تلك التدابير في حزمة التعاليم القرآنية وتطبيقاتها النبوية بهذا الصدد، ومنها:
1 – إقرار مبدأ المساواة
2 – التوجيه إلى معاملة الرقيق كأقرباء
3 – فتح أبواب جديدة للتكفير عن الخطايا، منها فك الرقاب:
4 – فرض المبادئ الأخلاقية في الحروب للحيلولة دون استرقاق الأسرى
5 – فرض نظام المكاتبة، وهو نظام وضعه القرآن لمنح الحرية للراغبين من الرقيق، على أن يثبتوا مقدرتهم على تحمُّل مسؤولية أنفسهم، وذلك بدفع مبلغ معلوم إلى المالك، وفق قول الله تعالى:
مقولة الفاروق ، تأصيل بمستوى جديد
لم يتوقف فضل الإسلام في إلغاء الرق على الدور التشريعي القرآني وتطبيق السنة النبوية وحسب، بل تعداه إلى تطبيق داخل نظام مؤسسي من أعلى مستوى، ففي أوج الازدهار الروحي والسياسي والاقتصادي للدولة الإسلامية في عصر صدر الإسلام، وفي أثناء خلافة عمر بن الخطاب حدث حادث تتناقله الكتب والمواعظ وتردده الألسنة، تغنيًا بعدل أمير المؤمنين عمر الفاروق ، دون أن يُلتفت إلى ما هو أعظم من عدل عمر، ألا وهو مجد الإسلام وظهوره على الدين كله، وهذا الحادث يرويه أنس بن مالك فيقول: «أتى رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم. قال: عُذْتَ بِمَعَاذ، قال: سابقت ابن عمرٍو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمِين، فكتب عُمَرُ إلى عَمْرٍو يأمره بالقدوم عليه، ويَقْدم بابنه معه، فقدم، فقال عُمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر: اضرب ابن الألْيَمَيْن، قال أنس: فضرب، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني، وقد اشتفيت منه. فقال عمر لعمرو: مُذْ كَمْ تَعَبَّدْتُم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟! (والقول مشهور بهذا اللفظ: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!)، قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتني»(7).. إلى هنا انتهت تفاصيل الرواية.. فالآن دعونا نتقمص عقلية الناس في ذلك العصر، أي القرن السابع الميلادي، حيث فكرة أن الناس جميعا سواسية ويولدون أحرارًا، لم تكن مطروحة أصلا، بل إنه إلى وقت قريب كانت فكرة تصنيف الناس ما تزال سائدة، حتى لدى مفكرين وفلاسفة وساسة أوروبيين وأمريكيين مشهود لهم برجاحة العقل وسمو الفكر!
نعود إلى الفاروق عمر بن الخطاب ابن القرنين السادس والسابع الميلاديين، وقد قدَّم بمقولته الخالدة تلك أصلا من أصول الإنسانية يحاول كبار فلاسفة ومفكري وساسة الغرب تأصيله ثم لا تخلو إجراءاتهم من القصور، نعم لقد وُلد الناس أحرارًا، واتفقت دول العالم قاطبة على تحريم العبودية في شكلها التقليدي، وسنَّت القوانين لفرض الالتزام بذلك وتجريم المخالفين، ولكن الجشع والجريمة والتطرف قد اجتمعت لكي تعيد إلى الوجود أنماطًا جديدة من العبودية حيث تقدر إحصائيات الأمم المتحدة عدد الخاضعين لها بحوالي ستة وأربعين مليون إنسان، ويبلغ عدد الأشخاص الذين يُتاجَر بهم سنويًا ما يقارب المليون ونصف مليون إنسان، لتحقق تلك التجارة دخلاً يقارب مائة وخمسين مليار دولار سنويًّا مما يفسر مدى تشبث القائمين عليها بممارستها على الرغم من درجة تجريمها.(8)
الهوامش:
1 – اتفاقية جنيف لإلغاء تجارة الرقيق 1926، مكتبة حقوق الإنسان بجامعة مينيسوتا الأمريكية
2 – انظر: المصدر السابق
3 – ول ديورانت، قصة الحضارة،
4 – معجم لاروس: عمل موسوعي ضخم، يقع في 15 مجلدا، وعنوانه الكامل «المعجم الكبير الشامل الفرنسي التاريخي والجغرافي والببليوغرافي والأدبي والفني والعلمي للقرن التاسع عشر».
5 – P.G. Kirchschlaeger, Slavery and Early Christianity – A reflection from a human rights perspective
6 – (النور: 34)
7 – هذه الرواية أخرجها ابن عبد الحكم في «فتوح مصر وأخبارها» ص290، وأوردها محمد بن يوسف الكاندهلوي في «حياة الصحابة» (2/88) باب «عدل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه».
8 – عبد الله بن يحيى المعلمي، «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!»، صحيفة المدينة اليومية، بتاريخ الأحد 27 نوفمبر 2016