- فما معنى الخاتمية إذن إن لم تكن توقُّف تيار إرسال السماء لهدي الأرض؟
- وما علاقة ختم النبيين السابقين باجتماع مفاسد الأمم والعصور؟
- وكيف أضحى بعث محمد ﷺ خاتما للنبيين ضرورة استدعاها هذا العصر بالذات؟
___
على الرغم من شدة حرّ أغسطس، فإنه يطلّ علينا هذا العام حاملًا معه نسيمًا روحانيًّا خاصًّا؛ حيث تزدان الآفاق بذكرى المولد النبوي الشريف، تلك اللحظة الفارقة في تاريخ الإنسانية التي لم تسعد لمجرد مولد شخصية عظيمة، بل كانت سعادتها لبزوغ فجرٍ جديد بدّد ظلماتِ الجهل، وأرسى دعائم حضارةٍ أصَّلَتْ قيم الحق والخير والجمال، سابقة بها المنجَز الثوري الفرنسي بأكثر من ألف عام من الزمان. وفي هذا العدد الاحتفائي آثرت التقوى أن تُحلِّق في سماوات السيرة النبوية العطرة، غير مكتفيةٍ بسرد الوقائع، بل ومستلهمةً الرؤى الكفيلة بمعالجة قضايا العصر الراهن من خلال عبقرية وسُمُوِّ الشريعة التي جاء بها خاتم النبيين ﷺ.
إن الاحتفاء بالمصطفى ﷺ هو في جوهره احتفاءٌ بالقيم الإنسانية الحضارية التي جسَّدها في شخصه وسلوكه، كما تمثلت فيما تلقَّاه من وحيٍ تشريعيّ. ومن هنا، ترتكز فكرة هذا العدد على شمولية الرسالة، تلك الرسالة التي لم تترك جانبًا من جوانب الحياة إلا وَوَهَبَتْ له روحًا وقيمة، بدءًا من تحرير الإنسان من ربقة العبودية، مرورا بحيازة كمالات الأنبياء في شريعة جامعة، وصولًا إلى تقديم نموذج سياسي واجتماعي يقوم على السلم والوئام، لا على المغالبة والإكراه.
ومن المفارقات التي يغُصُّ بها حَلْقُ التاريخ نسبة الفضائل لغير أهلها، وطمس الحقائق تحت ركام الدِّعَايَاتِ الْمُغْرِضَةِ. ولعل قضية تحرير الإنسان من أكثر القضايا التي تعرضت للتزييف. فبينما يحتفي العالم اليوم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، نجد أننا كثيرًا ما نغفل عن صاحب هذه الفكرة الأول، الذي وضع بذور الحرية والمساواة في تربةٍ كانت تَئِنُّ تحت وطء أقدام الطبقية النَّتِنَةِ والـمُتَاجَرَةِ بالبشر.
إن من يقرأ سيرة النبي ﷺ، بشيء من التجرد، يدرك يقينا أنه كان المحرر الأول والأعظم فاعلية؛ إذ لم يكتف بوضع التدابير المؤدية إلى إلغاء العبودية بصورتها المادية التقليدية فحسب، بل حرر العقول والقلوب من عبوديةٍ أشدَّ خطورةً وأفدحَ أثرًا، هي عبوديةُ الأوهام، وأصنام الحجر والفكر. لقد طلعت شمس الإسلام والدنيا بِأَسْرِهَا تمارس العبودية كجزء لا يتجزأ من الْبِنْيَةِ الاقتصادية والاجتماعية، فخلق ثورةً منهجية هادئة، تدرجت في تجفيف مَنَابِعِ الرِّقِّ، عَبْرَ فتحِ أَبْوَابِ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وجعْل فَكِّ الرقاب من الأعمال المقرِّبة إلى الله. إن تلك الصَّيْحَةَ الْمُدَوِّيَةَ التي أطلقها الإسلام في وجه الجاهلية هي التي أرست الأساس الأخلاقي لكل حركات التحرر التي جاءت بعدها بقرون، ومن الظلم التاريخي أن تُسرق هذه الأمجاد ويُصوّر الإسلام كدين كَرَّسَ للعبودية، بينما الواقع يشهد أن روح الشريعة الإسلامية كانت دوما تنشد الحرية والكرامة لكل بني نوع الإنسان.
إننا، انطلاقا من اليقين التام بقيومية الله تعالى، نعتقد بأن قضايا هذا العصر تدعو أن يكون نَبِيٌّ خاتَمٌ قد بُعِثَ سلفًا؛ فَتَبَوُّؤُ النبي محمد ﷺ مقام الخاتمية لهو من قبيل الضرورة التي يقتضيها عصر بلغت فيه المفاسد منتهاها من السوء، فلم يعد بمقدور هدي أي من النبيين السابقين أن يُصلح بمفرده ذلك الفساد المستفحل والمستشري، فأصبح مبعث نبي جامع لكل الفضائل والكمالات التي ميزت من سبقه من النبيين ضرورة يتطلبها العصر. والشريعة الإسلامية من هذا المُنطَلَق هي الثمرة الناضجة لكل الرسالات السماوية؛ فهي شريعة وَازَنَتْ بين مطالب الروح ومقتضيات الجسد، وبين حق الفرد ومصلحة الجماعة.
ومن المفارقات التي يغُصُّ بها حَلْقُ التاريخ نسبة الفضائل لغير أهلها، وطمس الحقائق تحت ركام الدِّعَايَاتِ الْمُغْرِضَةِ. ولعل قضية تحرير الإنسان من أكثر القضايا التي تعرضت للتزييف. فبينما يحتفي العالم اليوم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، نجد أننا كثيرًا ما نغفل عن صاحب هذه الفكرة الأول، الذي وضع بذور الحرية والمساواة في تربةٍ كانت تَئِنُّ تحت وطء أقدام الطبقية النَّتِنَةِ والـمُتَاجَرَةِ بالبشر.
إن التدبر في كمالات النبي ﷺ مَعِينٌ لا يَنْضَبُ لاستلهام الأسوة الحسنة في كل زمان ومكان. فمن أحداث سيرته، ومن ثباته في المحن، ومن حكمته في السلم والحرب، نجد ما يكفينا من الدروس والعِبَر. لقد دبر الله تعالى أحداث هذه السيرة الطاهرة لتكون برهانًا ساطعًا على صدق نبوته ﷺ، حتى إِنَّ مِن المواقف التي قد يراها البعض ضعفًا، كانت في حقيقتها إعجازًا تربويًّا وتاريخيًّا، لتكون شاهدًا على ما مر به الأنبياءُ السابقون وتصديقًا لهم. إن محمدًا ﷺ هو الخاتم الذي طبع بصمته على جَبين التاريخ، فلا يُقبل من الدين إلا ما ختمه ولا يُهْتَدَى في ظلماتِ خِضَم الفتن إلا بنورِه. وفي ضوء الكمالات المحمدية، تبرز حاجتنا اليوم إلى تصحيح المفاهيم المشوَّهة والمشوِّهة التي أُلصِقت عُنْوَةً بدين الإسلام.
إن السيرة النبوية تعلمنا أن بناء الدولة لم يكن غاية بحد ذاته، بل كان وسيلة لإقامة الحق ونشر السلام. وفي ظل مناخ الإسلاموفوبيا والاتهامات المتبادلة، يجب أن نستحضر شجاعة النبي ﷺ في عقد الصلح، وحرصه على حقن الدماء، ورغبته الأكيدة في التعايش مع الآخرين بسلام. إن دعوة الإسلام هي دعوة صلح ووئام عالمية، تتجاوز حدود الجغرافيا لتخاطب الفطرة الإنسانية السليمة. وإننا نقترح بتواضع على كل من يرمي الإسلام بتهم الإرهاب أو التسلط، أن ينظر إلى الخشبة التي في عينه أولا، والتاريخ شاهد على أن أعظم المآسي الإنسانية لم تكن بسبب اتباع الشريعة الحقيقية، بل بسبب هِجران قيمها الأخلاقية.
إننا في عدد شهر أغسطس الذي يُوَاكِبُ صُدُورُهُ ذِكْرَى مولد النور، إِيذَانًا بإشراق الأرض بنور ربها، نضع بين يدي المثقف العربي وقارئ العربية في كل مكان رؤية متكاملة تربط بين الماضي والحاضر. لذا نرى أن ذكرى مولد النبي ﷺ فرصة لإعادة قراءة سيرته بعين جديدة باحثة عن الحلول لمشكلاتنا المعاصرة، وننطلق من درة هذا العدد، خطبة سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) في تناوله جوانب من سيرة النبي ﷺ والأنباء القديمة عن انْتِصَارِهِ الْمَلْحَمِيِّ في غزوة بدر الكبرى. وفي زاوية مقالات العدد ندور في أفلاك شتى حول شمس النبوة المحمدية، ففي فلك الصلاة على النبي نعرض لرؤية الكاتب عن كنه تلك الصلاة. وفي فلك تصحيح المفاهيم نعرض لمصطلح ختم النبوة ومفهومه الصحيح. وفي فلك التحقيق التاريخي نستعرض الدلائل على كون النبي ﷺ المُشرِّع الأول والحقيقي لتحرير العبيد. فندعو الله تعالى أن يكون فريق تحرير التقوى قد وُفِّق ولو بسهم في التعريف بسيره سيدنا محمد ﷺ الطاهرة الزكية المزكِّية، وأن يرزقنا برَّه وشفاعته، آمين.