الصلاة على النبي ﷺ معناها ومبناها

الصلاة على النبي ﷺ معناها ومبناها

مراد الله إدلبي

  • فما معنى أن الله “يصلي” على البشر؟
  • وهل الصلاة على النبي مجرد طقس لفظي وحركة لسان؟
  • وما هي الثمرة المرجوة من الصلاة الإبراهيمية؟

 ___

من أكثر العبارات المأثورة دورانًا على ألسنة المسلمين عبارة الصلاة على النبي، والتي وردت بصيغ شتى، إنفاذًا للأمر الإلهي الوارد في سورة الأحزاب:

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(1)

إن هذه الآية الكريمة من أكثر الآيات حضورًا في وجدان المسلمين؛ إذ يتردد صداها على المآذن، وفي الخطب والمساجد والصلوات والأذكار. لكن السؤال العميق هو: ما معنى أن الله وملائكته يصلّون على النبي؟ وما معنى أن يُؤمر المؤمنون بالصلاة عليه والتسليم له؟ وهل الصلاة على النبي ﷺ مجرد عبارة تُقال باللسان، مثل: «اللهم صلِّ على محمد»، أم أنها تحمل معنى أعمق من الدعاء والذكر اللفظي؟! هنا يبرز سؤالٌ مهم مفاده «هل يمكن أن نستدل على معنى الصلاة على النبي من القرآن نفسه؟».

المقصود بصلاة الله على أحد من خلقه

ورد الأمر الإلهي بالصلاة على النبي في آية (الأحزاب 57)، ونلاحظ أنه قبل أن يأمر الله المؤمنين بالصلاة على النبي ﷺ في سورة الأحزاب، يقول في السورة نفسها:

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا. (2)..

وهذه الآية شديدة الأهمية في فهم معنى الصلاة على أحد من الخلق لأنها لا تذكر الصلاة مجردة، بل تذكر غايتها وأثرها مباشرة، ألا وهي الإخراج من الظلمات إلى النور؛ فصلاة الله وملائكته على المؤمنين في هذا المقام ليست بالمعنى اللفظي الضيق، بل رحمة إلهية فاعلة، غايتها إخراجهم من الظلمات إلى النور. ولهذا خُتمت الآية بقوله تعالى:

…وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا،

لتدلّ على أن هذه الصلاة توجّه إلهي رحيم يفتح للمؤمنين طريق النور، وينقلهم من ظلمات الجهل والغفلة والضلال والخوف والاضطراب إلى نور الهداية والطمأنينة والبصيرة.

أما صلاة الملائكة على المؤمنين، فهي امتداد لهذا الفيض الإلهي من جهة التأييد والمؤازرة؛ إذ يقفون مع المؤمنين في طريقهم إلى الله. فإذا كانت صلاة الله عليهم فعلَ هدايةٍ ورحمة، فإن صلاة الملائكة عليهم تأييدٌ ودعمٌ يجريان في سياق هذه الرحمة.

إذن، فالصلاة على المؤمنين في القرآن مرتبطة بالرحمة والهداية والإخراج من الظلمات إلى النور؛ وهذه القاعدة هي الأساس الذي ننطلق منه لفهم الصلاة على النبي ﷺ.

كيف يخرج الله الناس من الظلمات إلى النور؟

لكي نفهم أكثر معنى قوله:

…لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ..،

ينبغي أن نجمع الآيات التي تكررت فيها هذه الصيغة. فالقرآن يشرح لنا وسائل هذا الإخراج، ومن خلالها يتضح أن الخروج من الظلمات إلى النور ليس حالة عابرة غامضة، بل عملية هداية متكاملة.

قال تعالى:

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ…(3)،

فهنا يرتبط الإخراج من الظلمات إلى النور بـولاية الله للمؤمنين. فالله هو وليُّهم، ومن آثار ولايته أنه لا يتركهم في الظلمة، بل يتولاهم بالهداية، ويفتح لهم الطريق، ويقودهم إلى النور. ومن خلال هذا السياق، يمكن أن نقول أن أحج معاني قوله تعالى:

…هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ…

أنه إشارة إلى ولاية الله للمؤمنين، بما تحمله من هداية ورحمة ورشاد.

وقال تعالى:

قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. (4) ،

فهنا نجد وسيلة واضحة وهي

…نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ..

ثم يأتي قوله:

…يَهْدِي بِهِ اللَّهُ…

أي أن الله يهدي بهذا النور والكتاب من اتبع رضوانه، فيخرجه من الظلمات إلى النور ويهديه إلى صراط مستقيم.

وقال تعالى:

هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(5)

أي إن إنزال الآيات البيّنات هو عناية إلهية هادية، فالله لا يترك المؤمنين في غموض الطريق، بل ينزّل على عبده من آياته ما يبيّن الحق، ويوقظ البصيرة، ويقودهم إلى النور.

وقال تعالى:

…رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور…(6)

وهنا يكتمل المعنى؛ فالآية تجمع عناصر الهداية في صورة واحدة: رسولٌ يتلو، وآياتٌ بيّنات تكشف معالم الطريق، ومؤمنون يتلقّون هذا النور بالإيمان والعمل الصالح، فتكون النتيجة هي الخروج من الظلمات إلى النور. ومن خلال هذه الآيات تتضح منظومة الهداية المتكاملة: فالله هو الولي والهادي، والكتاب هو النور والوحي، والآيات هي البيان، والرسول هو المبلّغ والمبيّن والسراج، والإيمان والعمل الصالح يهيّئان القلب لتلقّي النور والانتفاع به. وبذلك ينتقل الإنسان من الظلمات إلى النور.

وهذا كله يعيدنا إلى آية (الأحزاب 44)، حيث يقول سبحانه وتعالى:

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا

فصلاة الله على المؤمنين ليست منفصلة عن الكتاب، ولا عن الوحي، ولا عن الآيات، ولا عن الرسول، ولا عن الهداية؛ بل هي عنايةٌ إلهية هادية تعمل من خلال هذه الوسائل جميعًا: يرسل الله بها النور، وينزّل الآيات، ويسخّر الملائكة، ويجعل الرسول مبلّغًا ومبيّنًا وسراجًا منيرًا، حتى ينتقل المؤمن من ظلمات الجهل والغفلة والضلال إلى نور الهداية والبصيرة والطمأنينة.

الحكمة من صلاتنا على النبي

إذا كانت الآيات السابقة قد بيّنت أن الله يخرج الناس من الظلمات إلى النور بالكتاب والآيات والهداية، فإن الرسول هو الواسطة الحيّة التي يتجلّى بها النور الإلهي للناس، تبليغًا وبيانًا وتعليمًا وهداية، وهو السراج المنير الذي أنار الله به سبيل الخروج من الظلمات إلى النور.

قال تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (7)

وهذا الوصف بالغ الأهمية؛ فقد جعل الله النبيَّ ﷺ مصدرًا للنور الإلهي في العالم، وأقامه سراجًا منيرًا، فظهر به طريق الحق الهداية، وانفتح به سبيل الرحمة. كما قال تعالى:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (8)

وقال تعالى أيضًا:

الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.(9)

وهنا يُنسب الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول؛ لا لأنه يملك الهداية استقلالًا عن الله، بل لأن الله جعله الواسطة الحيّة التي يصل بها الكتاب إلى الناس، ويتحوّل بها الوحي من نصٍّ يُتلى إلى هدايةٍ تُبيَّن وتُجسَّد وتُقاد بها القلوب. فالرسول يخرج الناس من الظلمات إلى النور بالكتاب الذي أُنزل إليه، وبالإذن الذي منحه الله له، وبالمقام الذي أقامه فيه شاهدًا ومبشّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله وسراجًا منيرًا. ومن هنا، فالنبي ليس مجرد ناقل للكتاب، بل هو المعلّم والمبيّن والمزكّي؛ يتلو آياته، ويعلّم معانيه، ويكشف مقاصده، ويجسّد هدايته في واقع الناس، حتى لا يبقى الوحي كلامًا مسموعًا فحسب، بل يصير نورًا مُدركًا في العقول والقلوب، وطريقًا عمليًا للخروج من ظلمات الجهل والغفلة والضلال إلى نور الهداية والبصيرة. من هنا ندرك كيف أنَّ النبي ﷺ هو الواسطة لتجلي الأنوار الإلهية، ويذهب المسيح الموعود إلى هذا المعنى الدقيق في كتابه «إعجاز المسيح» حيث يقول: «فصلوا على هذا النبي المحسن الذي هو مظهر صفات الرحمن المنان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان والقلب الذي لا يدري إحسانه، فلا إيمان له أو يضيع إيمانه. اللهم صلّ على هذا الرسول النبي الأُمّي الذي سقى الآخرين كما سقى الأولين، وصبغهم بصبغ نفسه وأدخلهم في المطهرين»(10)

وهل الصلاة على النبي ﷺ مجرد عبارة تُقال باللسان، مثل: «اللهم صلِّ على محمد»، أم أنها تحمل معنى أعمق من الدعاء والذكر اللفظي؟! هنا يبرز سؤالٌ مهم مفاده «هل يمكن أن نستدل على معنى الصلاة على النبي من القرآن نفسه؟».

الصلاة وحدها لا تكفي! ينبغي التسليم أيضا

إذا كان النبي ﷺ قد تبوّأ عند الله وفي الملأ الأعلى ذلك المقام الرفيع، فكيف لا يكون له في قلوب المؤمنين مقام التعظيم والاتباع والتسليم؟ وإذا كان الله وملائكته يخصّونه بالصلاة، فالمؤمنون أولى أن يدخلوا في هذا الفيض؛ بالدعاء له، وتعظيم مقامه، والاعتراف بفضل رسالته، والارتباط بنوره، وطلب التأييد من الله لدعوته التي جاء بها، فهم الذين بلغهم نوره، واهتدوا برسالته، وبقيت صلتهم به حيّة في الأرض.

والله تعالى في سياق سورة الأحزاب لم يكتف بمطالبتنا بالصلاة على النبي، بل والتسليم أيضا، بمعنى الطاعة، وعدِّ توجيهاته وتعاليمه من المُسلَّمات؛ فليس المطلوب من المؤمن أن تكون علاقته بالنبي ﷺ علاقة لفظية فحسب، تقتصر على الثناء والدعاء، بل علاقة إيمان وطاعة وانقياد واتباع. وهذا مناسب جدًا للسياق، فالنبي ﷺ جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فلا يكون معنى الصلاة عليه مجرد ثناء باللسان، بل أن يتصل المؤمن بالرسالة التي جاء بها، ويسلّم لها، ويقبل هداها، وينصرها، ويمضي في طريق النور الذي دلّ عليه.

لذلك يمكن أن نفهم معنى الصلاة على النبي بأنها تتضمن الاعتراف بمقامه، والدعاء له، والارتباط به، وتأييد رسالته، وسؤال الله أن يحفظ نوره، ويديم أثر هدايته في العالمين.

ثم نفهم معنى التسليم بأنه الانقياد لما جاء به، وقبول هديه، وإزالة كل الحجب والموانع والحوائل والأهواء التي تحول دون وصول هديه إلينا، حتى تكون صلتنا به صلة اتباعٍ حيّ، لا صلة ألفاظٍ مجردة.

الصلاة على النبي ﷺ ممارسة وصل

الصلاة على النبي ﷺ هي وصل بالنبي والرسول والسراج المنير والداعي إلى الله الذي يتلو آيات الله البيّنات، والذي جعله الله السبب في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، لذا كان توجيه المسيح الموعود المؤمنين إلى الصلاة على النبي ﷺ، فنجده يقول:

«يجب أن تكثروا من الصلاة على التي هي أمثَلُ وسيلة لاكتساب الاستقامة، لكن ليس كتقليد وعادة فحسب، بل يجب أن تصلوا على الرسول ﷺ نظرًا إلى حسنه وإحسانه، داعين من أجل ارتفاع مدارجه ومراتبه وانتصاره وغلبته، فستكون النتيجة أنكم تنالون ثمرة حلوة ولذيذة لاستجابة الدعاء.» (11)

وفي موضع آخر من كتاباته وأقواله يذكر سيدنا المسيح الموعود أنه تلقَّى من الله تعالى الأمر بالصلاة على النبي، وحيًا وإلهامًا، فيقول :

«والإلهام الذي تلقيتُ بعده هو: صَلِّ على محمد وآل محمد سيد ولد آدم وخاتم النبيين»(12)،

ثم يتابع شارحا مضمون هذا الإلهام المبارك، فيقول:

«وفيه إشارة إلى أن كل هذه المراتب والأفضال والعنايات إنما بسببه وجزاء على حبنا له ﷺ، سبحان الله! ما أسمى المكانة التي يحظى بها سيد الكون عند الحضرة الأحدية وما أكثره قربا لديه الا الله، حيث إن محبه محبوبا عند الله تعالى، وإن خادمه الا الله يُصبح مخدوم العالم.» (13)

 

ما الغاية من الصلاة الإبراهيمية إذن؟

عندما سُئل النبي عن كيفية الصلاة عليه، علّمهم الصيغة المعروفة: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم…». وهذه الصيغة مهمة لأنها لا تجعل الصلاة على النبي ﷺ مجرد عاطفة فردية، بل تضعه في امتداد الرسالة الإبراهيمية وسلسلة النبوة والتوحيد. فنحن عندما نصلّي عليه بالصلاة الإبراهيمية، فإننا نجدّد انتماءنا إلى سلسلة النور الإلهي الممتدة في التاريخ؛ من ملة إبراهيم القائمة على التوحيد والتسليم، إلى رسالة محمد ﷺ التي اكتمل بها البيان وخُتمت بها الشرائع. وإذا فكَّكْنا أجزاء الصلاة الإبراهيمية يمكن أن نفهمها كالآتي:

اللهم صلِّ على محمد، أي: يا رب، أدم عليه رحمتك ورفعتك وتأييدك وتكريمك، وزده قربًا وكرامةً وظهورًا في العالمين، واحفظ النور الذي جاء به، وأبقِ رسالته حيّةً في القلوب والأمم، هاديةً إلى صراطك، فاتحةً للناس طريق الخروج من الظلمات إلى النور.

وعلى آل محمد، أي: وأدخل أهل بيته وأتباعه الصادقين في بركة هذا النور، واجعلهم ممتدين بهدي النبي ﷺ، شاهدين على رسالته، حاملين لأثره.

كما صلّيت على إبراهيم، أي: كما جعلت إبراهيم إمامًا في التوحيد، ورفعت ذكره، وأبقيت أثره، وجعلت رسالته أصلًا ممتدًا في تاريخ الهداية.

وعلى آل إبراهيم، أي: وكما شملت ذريته وأتباعه الصادقين بامتداد هذا النور، فخرج من نسله الأنبياء، وبقيت مِلّته طريقًا للتوحيد والتسليم لله.

اللهم بارك على محمد، أي: زد أثر رسالته امتدادًا ونماءً وخيرًا في العالمين، واجعل نوره متجددًا في القلوب والأمم، باقيًا في الهداية والعمل والرحمة.

وعلى آل محمد، أي: واجعل هذه البركة ممتدة في أهل بيته وأمته وأتباعه الصادقين؛ فيمن يحملون هديه، ويحيون سنته، ويشهدون برسالته في العالم.

كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، أي: كما جعلت البركة في إبراهيم وآله بركةً باقيةً عبر الأجيال؛ في التوحيد، والنبوة، والبيت الحرام، والملة الحنيفة، وامتداد الهداية في ذريته، فاجعل لمحمد ﷺ وآله وأمته بركةً أعظم أثرًا، وأوسع امتدادًا، تحفظ بها نوره، وتديم بها رسالته، وتفتح بها للناس طريق الخروج من الظلمات إلى النور.

هل نصلي على النبي ﷺ أم نسأل الله أن يصلي عليه؟

نحن لا نقول: «أنا أصلّي على النبي» وكأنني أستطيع من ذاتي أن أزيده رفعةً أو تكريمًا، بل نقول: «اللهم صلِّ على محمد» أي إننا نردّ الأمر إلى الله؛ لأن الصلاة الحقيقية التي ترفع، وتؤيد، وتبارك، وتحفظ النور، وتُديم أثره في العالم، هي من الله وحده.

فالمؤمن حين يصلّي على النبي، يقول في الحقيقة: يا الله، أنت الذي تصلّي عليه، وأنا أطلب منك أن تزيده صلاةً ورفعةً وتكريمًا، وأن تؤيد رسالته، وأن تحفظ النور الذي جاء به، وتبلّغه إلى العالمين، وتُبقي هدايته حيّةً في القلوب والأمم. وأطلب منك، يا رب، أن تجعل صلتي بهذا النور صلةَ إيمانٍ صادق بهذا النبي الكريم، واتباعٍ له، وتسليمٍ لما جاء به، وانتفاعٍ بهديه ورسالته.

إذن، فالصلاة على النبي ﷺ ليست فعلًا مستقلًا من العبد، بل هي دعاء إلى الله أن يُجري في العالم أثر صلاته على نبيه الكريم: تأييدًا لرسالته، وحفظًا لنوره، وإدامةً لهدايته، وإدخالًا للمؤمنين في صلته وبركته.

الهوامش:

1 – (الأحزاب 57)

2 – (الأحزاب 44)

3 – (البقرة 258)

4 – (المائدة 16-17)

5 – (الحديد 10)

6 – (الطَّلَاق 12)

7 – (الأحزاب 46-47)

8 – (الأنبياء 108)

9 – (إِبراهيم 2)

10 – مرزا غلام أحمد القادياني، إعجاز المسيح، الطبعة الحديثة، ص8

11 – مرزا غلام أحمد القادياني، مجلة مقارنة الأديان الأردية مجلد۳، عدد ١ ص ١١٥، نقلا عن: الخزائن الدفينة، ص363

12 – مرزا غلام أحمد القادياني، البراهين الأحمدية، ج4، الحاشية رقم ٣، نقلا عن: الخزائن الدفينة، ص171

13 – المرجع السابق

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via