يوم بدر، وشهادات شهود عيان من موقع الحدث
- كيف تجسد إيمان الصحابة وحماسهم في ميدان بدر رغم عدم التكافؤ العددي والمادي؟
- ما هي التفسيرات الروحانية والمجازية لمعجزة رمي النبي للحصى ونزول آلاف الملائكة؟
__
بعد التشهد والتعوذ وقراءة سورة الفاتحة استهل حضرته الخطبة:
تحدثت في الخطبة الماضية في موضوع أثر رُعب المسلمين الذي قذفه الله في قلوب كفار مكة، وذكرتُ أيضا الخلاف بشأن قتال أبي جهل وعتبة وشيبة، وأن عتبة أعلن الحرب بسبب طعن أبي جهل فيه وبذلك نشبت الحرب رسميا. فقد جاء في تفصيل هذه الأحداث:
واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه وقد قطعت رِجله فمخها يسيل فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله قال ألست شهيدا يا رسول الله قال بلى.(1)
كان عبيدة ابن عم النبي ولفظ أنفاسه في طريق العودة من بدر متأثرًا بجراحه. وجاء في رواية عن عبيدة بن الحارث ما مفاده: لما قُطعت رِجله بضربة السيف احتمله أصحابه. ولما جاءوا به رسولَ الله أضجعوه إلى جانب موقف النبي ، فأفرشه رسول الله قدمَه الشريفة، وقال عبيدة: يا رسول الله، لو أن أبا طالب حيّ لعلم أني أحق بقوله:
كَذَبتُم وَبَيتِ اللَهِ، نَبْزِي مُحَمَّدًا
وَلَمّا نُطاعِن حولَهُ وَنُناضِلِ
.
وَنُسلِمهُ حَتّى نُصَرَّعَ حَولَهُ
وَنذهلَ عَن أَبنائِنا وَالحَلائِلِ
فقال رسول الله : «أشهد أنك شهيد.» (2)
مباهلة أبي جهل
ورد أنَّ أبا جهلٍ قال حينَ الْتَقى القَومُ: اللَّهُم أقْطَعُنا للرَّحِمِ، وآتانَا بما لا يُعرَفُ، فأَحْنِه الغَداةَ.
يقول المسيح الموعود بهذا الشأن: دعا في أثناء معركة بدر شخصٌ يسُمّى عمرو بن هشام الذي اشتهر فيما بعد باسم أبي جهل وكان زعيم كفار قريش، فقال: «اللهم مَن كان منا أفسد في القوم وأقطع للرحم فأحنه اليوم». وكان يباهل قاصدًا بذلك نفسَه والنبي ، فكان أبو جهل يقصد من هذه الكلمات أن النبي رجل مفسد، والعياذ بالله، ويعيث الفساد في القوم ويخلق الفُرقة في دين قريش بغير حق، وقد أتلف الحقوق القومية كلها وتسبب في قطع الرحم. ويبدو أن أبا جهل كان موقنا أن حياة النبي لم تكن طاهرة ونزيهة، والعياذ بالله. لذلك دعا بكل حرارة ولكنه ربما ما عاش بعد دعائه هذا ولا ساعة واحدة، بل قطع غضبُ الله تعالى رأسه في ذلك المقام نفسه. أما الذي كان أبو جهل يصم حياتَه الطاهرة والطيبة فقد عاد من ذلك الميدان فاتحا منتصرا.»(3)
وقد جاء تفصيل وقائع الحرب في موضع آخر كما يلي: كانت الحرب حامية الوطيس وكان المسلمون في مواجهة جيش يفوق جيشهم بأكثر من ثلاثة أضعاف، وكانوا مصممين على القضاء على الإسلام قضاء مُبْرَمًا، وكانوا مجهزين تجهيزًا جيدًا بينما كان عدد المسلمين قليلا وكانوا قد ضربتهم الغربة والفاقة. وكانوا من حيث الظاهر غير قادرين على الصمود أمام المكيين لأكثر من بضع دقائق، ولكنهم كانوا نشوانين بوحدانية الله وحب رسوله. لقد وضع إيمانهم الحي -الذي لا شيء أقوى منه في العالم كله- فيهم قوة تفوق العادة. فكانوا يؤدون أعمالاً بطولية ببسالة لا مثيل لها في تاريخ البشرية، فكل واحد منهم كان حريصًا على إنجاز أكثر من غيره، وكان مستعدا، بل توَّاقًا للتضحية بحياته. وقد ألحق كلٌ من حمزة، وعلي والزبير خسائر في صفوف العدو.
أول شهداء الحرب في الإسلام
ورد عن أول شهيد حرب في الإسلام ما يلي:
حماس الصحابة يوم بدر، ومقتل فرعون هذه الأمة
أما ما كان من حماس الصحابة في هذا اليوم فقد ورد عنه أن رَسُول اللهِ قَالَ:
قال معاذ : سمعت القوم وهم يقولون أبو الـحَكَم لا يخلص إليه، فلما سمعتُها جعلتُه من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربتُه ضربة فَطَنَّت قدمُه بنصفِ ساقه. قال t: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني جعلت عليها رجلي ثم تمطيت بها حتى طرحتها. (7)
وفي نهاية الحرب وقف رسول الله r على القتلى والتمس أبا جهل فلم يجده فقال: اللهم لا تعجزني فرعون هذه الأمة، فسعى له الرجال حتى وجده عبد الله ابن مسعود t.(8) وفي رواية قال r: اللهم لا تفلتن أبا جهل. (9)
وأورد ابن هشام في سيرته أن ابنَ مَسْعُودٍ كان يَقُولُ: قَالَ لِي أبو جهل حين وَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ: لَقَدْ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِي الْغَنَمِ. قَالَ ابنُ مسعود: ثُمّ احْتَززْتُ رَأْسَهُ ثُمّ جِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا رَأْسُ عَدُوّ اللهِ أَبِي جَهْلٍ. فَحَمِدَ اللهَ وقَالَ: الله الّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ. (10)
ويُعلم من رواية أن عبد الله ابْن مَسْعُودٍ حين قتل أبا جهل أتى النَّبِيَّ وأخبره عن قتله فذهب النبي معه ماشيا وقال: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. قَالَ قُلْتُ: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. ثم وقف عند جثة أبي جهل وقال: يا عدو الله، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أخزاك. (11)
عن قتادة أن رسول الله قال: «إن لكل أمة فرعونا وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل، قتله الله شرّ قتلة، قتله ابنا عفراء، وقتلته الملائكة، وتدافّه ابن مسعود.» (12)
سُـمِّي أبو جهل فرعونَ ولكنه كان أسوأ منه بحسب رأيي. لقد قال فرعون أخيرا:
أما أبو جهل فلم يؤمن أبدا. هو الذي سبب الفساد كله في مكة وكان مستكبرا ومعجبا بنفسه إلى حد كبير، وكان يتحرى العظمة والشرف لنفسه.
باختصار إن النبي قد نجَّى صلحاء قومه من المجرمين والسفاكين وجاء بهم من مكة إلى المدينة كما فعل موسى ، وأهلك أبا جهل الذي كان فرعونَ هذه الأمة في القتال في ميدان بدر.
يقول سيدنا المصلح الموعود : في بدر جاء كفار مكة، وظنوا أنهم سيقضون على المسلمين وقال أبو جهل سنحتفل بالعيد، ونشرب الخمور وأيقن أنهم لن يعودوا دون القضاء على المسلمين، لكن أبا جهل نفسه قد أجهز عليه شابان من المدينة، وكان كفار مكة يعدّون أهل المدينة من الحُقراء، وينظرون إليهم على أنهم مزارعين لا يجيدون سوى أعمال الفلاحة، فلا دراية لهم بالحرب ولا قِبَل لهم بها! وتجرَّع مرارة الحسرة بحيث لم ير تحقُّقَ أمنيته الأخيرة أيضا، فكان في العرب عادة أن سيد القوم إذا قتل في الحرب كانوا يقطعون عنقه طويلا، ليُعرف أنه سيد. فحين رآه سيدنا عبد الله بن مسعود جريحا لا حراك به سأله ما شعورك الآن؟ قال إني لا آسف على شيء سوى أن ولدين من مزارعي المدينة قتلاني، فسأله عبد الله إذا كانت عنده أمنية أخيرة، فقال أتمنى أن تقطع عنقي طويلا، فقال له لن أحقق أمنيتك الأخيرة هذه أيضا، ثم قطع عنقه من الذقن بشدة، والموضع الذي أراد الاحتفال فيه بالنصر قد انقلب مأتما عليه، والخمر التي كان قد احتساها لم يُكتب له أن يهضمها.
قد ورد في صحيح البخاري عن رمْي النبي الحصى إلى المشركين: عندما كان النبي يدعو في قبة أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ
وفي تفصيل ذلك يقول سيدنا مرزا بشير أحمد في كتابه سيرة خاتم النبيين، فقد قاتل جميع المسلمين سواء أكانوا من المهاجرين أو الأنصار بكل شجاعة وإخلاص، لكن كثرة العدو وسلاحه لم تكن تترك لهم حيلة، فظلت النتيجة ملتبسة لوقت، وكان النبي يدعو الله بضراعة وابتهال بانتظام، وكان اضطرابه يكثر كل لحظة، وأخيرا نهض من السجدة وخرج من القبة يردد بشارة الله
يقول الإمام الرازي في تفسير آية:
من سورة الأنفال:
لما طلعت قريش قال رسول الله هذه قريش، قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذِّبون رسولك «اللهم إني أسألك ما وعدتَني» فنزل جبريل وقال: خذ قبضة من تراب فارمِهم بها، فلما التقى الجمعان قال لعلي أعطني قبضة من التراب من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا. ثم قال:
يعني أن القبضة من الحصباء التي رميتَها، فأنت ما رميتَها في الحقيقة، لأن رمْيَك لا يبلغ أثرُه إلا ما يبلغه رميُ سائر البشر، ولكن الله رماها حيث نفَّذ أجزاءَ ذلك التراب وأوصلها إلى عيونهم. فصورة الرمية صدرت من الرسول وأثرُها إنما صدر من الله . (14)
يقول سيدنا مرزا بشير أحمد عن هذه الرمية في ميدان المعركة: خرج النبي من القبة وأجال نظره في الجهات الأربع فوجد المقاتلين مستعدين للقتل والهلاك، فأخذ قبضة من الرمل والحصى فرمى بها في وجوه الكفار وقال بحماس: شاهت الوجوه، وقال للمسلمين هاجِموا دفعة واحدة. فلما سمع المسلمون نداء سيدهم الحبيب كبروا الله وهاجَموا فورا. وفي الطرف الآخر ما إن رمى قبضة من الرمل إذ هبَّت عاصفةٌ بدأت عيون الكفار ووجوهُهم وآذانهم تمتلئ بسببها من الرمل والحصى. فقال هذا فوج ملائكة الله قد جاء لنصرنا. وجاء في رواية أن بعض الناس رأوا هؤلاء الملائكة آنذاك. على كل حال كان سادة قريش كعُتبة وشيبة وأبي جهل قد قُتلوا، والآن نتيجة هذه الهجمة الفورية وهبوب العاصفة فجأة اندحرت قريش وهرب الكفار عاجلا، وبعد قليل كان الميدان خاليا. (15)
يقول سيدنا المسيح الموعود : في درجة اللقاء هذه تصدر عن الإنسان أحيانا أعمالٌ تبدو وكأنها تفوق قدرات البشر وتتسم بصبغة قدرة الله، كما أن سيدنا ومولانا سيد الرسل خاتم الأنبياء حين رمى بحفنة من الحصى إلى الكفار في معركة بدر، فما رماها بواسطة دعاء، بل رماها بقوته الروحانية هو، ولكن تلك الحفنة أظهرت قدرة الله تعالى وتركت في صفوف جيش العدو تأثيرا خارقا للعادة بحيث لم يبق منهم أحد لم يُصب تأثيرُها عينَه، فصاروا جميعا كالعميان وسادهم الفزع والقلق حتى بدأوا يهربون كالمذهولين. فإلى هذه المعجزة يشير الله جلّ شأنه في آية:
أي أنك لما رميت هذه الحفنة من الحصباء فلم ترمها وإنما رمتها يد الله تعالى، أي أن القوة الإلهية عملت عملها في الخفاء، ولم يكن هذا في نطاق قدرة البشر. (16)
على كل حال، بعد قليل ظهرت بوادر الفشل والاضطراب في المشركين وتَشَتَّتَتْ صفوفهم بهجمات المسلمين المتتالية، فلاذوا بالفرار، ولاحقهم المسلمون وألحقوا بهم هزيمة نكراء.
المسلم يحب في الله ويكره في الله
جاء في كراهية المسلم لغيره ما كان من كراهية سعد للكفار يوم بدر، حيث ورد أن العدو لما وضعوا السلاح بعد الهزيمة وأراد الصحابة أن يأخذوهم أُسارى، رأى النبي آثار الكراهية في وجه سعد ، أي أنه كان ينظر إلى تصرف المسلمين هذا باستياء، فقال له النبي يا سعد، يبدو أنك تكره أسر المشركين. قال يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا أول قتال ناجح لنا ضد المشركين، وأرى أن الأفضل أن نقتل من المشركين أكثر ما نستطيع بدلاً من أن نبقيهم أحياء. أي أني أكره تركهم أحياء وأود أن نقتلهم جميعا.
شهود عيان من الفريقين على نزول الملائكة يوم بدر
وقد ورد عن نزول الملائكة في معركة بدر، قال الله تعالى:
وقد صدّق النبي نزول الملائكة يوم بدر. فقال صلى الله عليه وسلم:
وقد وردت في سيرة ابن هشام روايات من الصحابة عن نزول الملائكة يوم بدر، وهي روايات كثيرة، حيث جاء أن جبريل أتى النبي وقال: ما هي مكانة أهل بدر عندك؟ قال النبي : إنهم أفضل المسلمين أو قال كلمة كهذه. قال جبريل: كذلك فإن الملائكة الذين شاركوا في معركة بدر هم أفضل الملائكة.
ونقل أحد أصحاب السيرة رواية عن ابن عباس عن رجل من بني غفار قال: حضرتُ أنا وابن عم لي بدرا ونحن على شركنا، فإنا لفي جبل نرى منه مشهد معركة بدر، وننتظر الوقعة على من تكون الدبرة فننتهب. فأقبلتْ سحابةٌ، فلما دنت منا سمعنا فيها حمحمة الخيل، وسمعنا فيها فارسا يقول: أَقْدِمْ حَيزُومُ. فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه بسماع هذا الصوت، وأما أنا فكدت أن أهلك، ثم تماسكت. (19)
وعن سهيل بن عمرو وكان كافرا عندها قال: لقد رأيت يوم بدر فرسانا على خيول بلقاء بين السماء والأرض، وكانوا يقتلون رجال قريش ويأسرونهم.
باختصار، لم ير المسلمون وحدهم الملائكة يوم بدر بل الكفار أيضا رأوهم.
سيدنا ومولانا سيد الرسل خاتم الأنبياء حين رمى بحفنة من الحصى إلى الكفار في معركة بدر، فما رماها بواسطة دعاء، بل رماها بقوته الروحانية هو، ولكن تلك الحفنة أظهرت قدرة الله تعالى وتركت في صفوف جيش العدو تأثيرا خارقا للعادة بحيث لم يبق منهم أحد لم يُصب تأثيرُها عينَه، فصاروا جميعا كالعميان وسادهم الفزع والقلق حتى بدأوا يهربون كالمذهولين
وعن أبي أُسيدٍ مالكِ بنِ ربيعةَ وكان قد شهد بدرا قال بعد أنْ ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشِعْب الذى منه خرجت الملائكة، لا أشكّ ولا أتمارى. كان قد فقد بصره عندما كان يحكي قصة بدر وقال: عندما كان بصري على ما يرام قد رأيت بأم عيني مشهد الملائكة يوم بدر فقاللَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الْآنَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكُّ وَلَا أَمْتَرِي.(20)
عن أبى داود المازني وكان شهد بدرا قال:
ويرى البعض أن نزول الملائكة لم يكن إلا تبشيرًا للمؤمنين وتثبيتًا لقلوبهم، وإلا فإن الملائكة لم تشترك في القتال فعلا.
ولكن هذا الرأي مناف لبعض الأحاديث الصحيحة. فقد ثبت في الروايات الصحيحة أن الملائكة قد اشتركوا في القتال فعلا. غير أن هناك إشكالا، وهو أن ملاكا واحدا أيضا يكفي للنصرة، فلماذا نزلت الملائكة آلافا؟!
لقد نقل الإمام ابن كثير من الصحيحينِ الأحاديث المتعلقة بنزول الملائكة خلال القتال ثم قال إن إنزال الملائكة وإطلاع المسلمين على ذلك كان تبشيرا للمسلمين وإلا فإن الله كان قادرا على نصرهم بدون ذلك أيضا، ولذلك قال الله تعالى وما النصر إلا من عند الله، وقال في سورة محمد:
وقال حضرة المصلح الموعود : في غزوة بدر قد أظهر الله وجهه لهم من خلال السحاب، أعني قبْل بداية المعركة أنزل الله مطرا ألحق َبالكفار ضررا بالغا من الناحية الحربية ونفع المسلمين نفعا عظيما. كما نزلت ملائكته على قلوب المؤمنين تقوِّيهم وتبثّ الرعب في قلوب الكفار، بل لقد رأى عدد من الكفار ملائكة الله بأعينهم يوم بدر، وبحسب قوله تعالى وَقُضِيَ الْأَمْرُ أهلكَ اللهُ كبراء العرب.
كذلك كتب حضرته في التفسير الصغير ملاحظة تفسيرية للآية رقم 127 من سورة آل عمران: لقد بين الله تعالى هنا أنه لم يذكر الملائكة إلا لأن البشرى في المنام أو الكشف ترفع همة الإنسان، وإلا فإن الهدف الأساس هو نصر الله. (25)
على كل حال، إن هذا كان مشهدا من الكشف وقد حصل فعلا، وقد رآه المسلمون وغيرهم أيضا.
يقول المسيح الموعود بهذا الخصوص في كتابه التبليغ الذي هو جزء من كتاب مرآة كمالات الإسلام. وبما أن كلامه هذا باللغة العربية ويقول لي المترجمون بالعربية أحيانًا إنك تقرأ مقتبسات طويلة مما يصعب علينا ترجمتها، لذلك أسعى الآن أن أقرأ النص العربي أيضا.
يقول المسيح الموعود :
«وقد جرت عادته وسنته أنه يختار الإخفاء والكتم في واقعات قضت حكمته إخفاءها، ويخلق الأهواء، فتُحشَر الآراء إلى جهات أخرى. وإذا أراد إخفاء صورة نفس واقعة فربما يري في تلك المواضع الواقعةَ الكبيرة صغيرةً مهونة، والواقعة الصغيرة المسنونة كبيرة نادرة، والواقعة المبشرة مخوّفة، والواقعة المخوفة مبشرة. فهذه أربعة أقسام من الواقعات من سنن الله كما مضى.
أما الواقعة الكبيرة العظيمة التي أراد الله أن يريها صغيرة حقيرة فنظيرها في القرآن واقعة بدر لمن يتدبر ويرى. فإن الله قلّل أعداء الإسلام ببدر في منام رسوله ليذهب الروع عن قلوب المسلمين، ويقضي ما أراد من القضاء.
وأما الواقعة التي أراد الله أن يريها كبيرة نادرة فنظيرها في القرآن بشارة مدد الملائكة كي تقرّ قلوب المؤمنين، ولا تأخذهم خيفة في ذلك المأوى. فإنه تعالى وعد في القرآن للمؤمنين وبشرهم بأنه يُمِدُّهم بخمسة آلاف من الملائكة، وما جعل هذا العدد الكثير إلا لهم بشرى، لأن فردا من الملائكة يقدر بإذن ربه على أن يجعل عالي الأرض سافلها، فما كان حاجة إلى خمسة آلاف بل إلى خمسة، ولكن الله شاء أن يريهم نصرة عظيمة، فاختار لفظًا يُفهَم من ظاهره كثرة الممدين، وأراد ما أراد من المعنى. ثم نبه المؤمنين بعد فتح بدر أن عِـدّة الملائكة ما كانت محمولة على ظاهر ألفاظـها، بل كانت مؤوَّلة بتأويل يعلمه الله بعلمه الأرفع والأعلى. وفعل كذلك.. لتطمئن قلوبهم بهذه البشرى، ويزيدهم حسن الظن والرجاء» (26)
لقد ورد بخصوص هزيمة المشركين أنه بعد فترة ظهرت علامات الفشل والقلق في جيش المشركين، ولقد بدأت تظهر آثارها عند بدء القتال، حيث بدأت صفوفهم تتفرق جراء هجمات المسلمين المتوالية. أخذت المعركة تقترب من نهايتها كما ذُكرت سابقا. ثم تقهقرت جموع المشركين في حالة من الفوضى والهروب. طاردهم المسلمون وقتلوهم وأسروهم حتى هُزموا تماما.
ثم ورد في مصدر آخر: انتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة إلى المشركين، وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين، وقد استشهد من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. أما المشركون فقد لحقتهم خسائر فادحة، إذ قتل منهم سبعون وأسر سبعون، وكان عامتهم القادة والزعماء والصناديد.
ذكر أسماء شهداء بدر من المهاجرين والأنصار
أما الصحابة الذين استشهدوا في غزوة بدر فعددهم أربعة عشر شهيدًا كما ذُكر، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، أما المهاجرون فإنهم:
أسماء القتلى من أعلام الشرك يوم بدر
لقد قتل من المشركين سبعون قتيلا معظمهم من قريش، وأبرزهم: حنظلة بن أبي سفيان، حارث بن حضرمي، عَامِر بِنْ حَضْرَمِيّ، عُبَيْدة بِنْ سَعِيد بِنْ عَاص، عَاص بِنْ سَعِيد بِنْ عَاص، عُقْبَة بِنْ أَبِيْ مُعَيْط، عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَلِيد بِنْ عُتْبَة بِنْ رَبِيعَة، حَارِث بِنْ عَامِر، أَبُو الْبَخْتَرِي عَاصْ بِنْ هِشَام، نَضْر بِنْ حَارِث، عَاص بِنْ هِشَام (لقد ورد اسم عاص بن هشام مرتين أو أنهما شخصان منفصلان)، أَبُو الْعَاص بِنْ قَيْس، أُمَيَّة بِنْ خَلَف، أَبُو جَهْل الذي كان اسمه عمرو بن هشام.
وكان معظمهم أولئك الذين كانوا يؤذون النبي والمسلمين في مكة.
والباقي سأتناوله لاحقًا بإذن الله تعالى.
توصية بالدعاء في ظل الأوضاع المحيطة
أريد أن ألفت انتباهكم إلى بعض الأدعية. ادعوا لمسلمي فلسطين أن يسهل الله تعالى عليهم أمورهم، ويغيث المظلومين ويمنحهم القيادة أو القادة الذين يؤدون حقوقهم أو يوجهونهم بشكل صحيح ويسعون لإخراجهم من الظلم، فقد تفاقمت حالة تعرضهم للظلم والاضطهاد الآن، ويبدو أنه ليس من أحد يعتني بهم، ولا مَن يوجههم. ويمكن للمسلمين الخروج من هذه الصعوبات إذا اتحدوا.
كذلك، في السويد وفي بعض البلدان الأخرى، تم منح الحرية المطلقة للذين يقومون بأعمال سيئة باسم حرية الرأي والحرية الدينية، فبها يعبثون بعواطف المسلمين، فيفعلون شيئًا أو آخر من الأعمال الشائنة للغاية لإيذاء مشاعرهم، سواء بالإساءة إلى القرآن أو بالقدح في شرف النبي . هيأ الله تعالى أسبابًا لبطشهم. وفي هذا أيضًا نلقي باللائمة على الحكومات الإسلامية التي بسبب تقصيراتها وخلافاتها الداخلية تتجرَّأ القوى المعادية للإسلام على مثل هذه الأفعال غير المشروعة. ثم إذا صدرت ردة فعل من المسلمين فستكون مؤقتة وستكون عديمة التأثير. لذلك فادعوا كثيرًا لقادة المسلمين والأمة الإسلامية، فهناك حاجة ماسة إلى ذلك.
كذلك يتم استهداف المسلمين في الأوضاع السائدة في فرنسا أيضًا، وردة فعل المسلمين خاطئة، فلن يتحقق لهم شيء من خلال أعمال الإفساد والتخريب مع المفسدين الآخرين. يجب على المسلمين القيام بأعمالهم وفقًا للتعاليم الإسلامية. فلن يحرز المسلمون نجاحات إلا عندما تتوافق أقوالهم وأفعالهم مع التعاليم الإسلامية.
على أية حال، يجب أن ندعو للعالم الإسلامي خصوصًا وللعالم أجمع عمومًا أن يحفظ الله تعالى الجميع من الظلم وأن يعم الأمن والسلام في العالم، وأن يدرك الجميع ضرورة تأدية حقوق بعضهم البعض، وإلا فإن العالم يتجه نحو كارثة كبيرة كما قلت مرارا. رحم الله العالم كله.
كذلك ادعوا كثيرا للأحمديين في باكستان أن يحفظهم الله من كل مكروه.
هناك تظاهرات كبيرة تحدث في فرنسا في الظاهر ويُظَنّ أن كثيرًا من الأمور تحدث لصالح الشاب الذي قُتل، ولكن الواقع أن الموقف العام للناس -كما نسمع- هو أنهم يجمعون أموالاً للشرطي الذي تم القبض عليه، فقد تم جمع أكثر من مليون يورو للشرطي الذي يقولون عنه إنهم سيتخذون إجراءات ضده والحكومة أيضا تصدر بيانًا مؤيدًا لهذا، بينما الضحية، ذلك الشاب القتيل، فقد اقتصر المبلغ المجموع باسمه على مائتي ألف يورو . رحم الله هؤلاء ووفقهم للسير في مسالك العدل، ووفق المسلمين للاتحاد والوئام. آمين.
الهوامش:
- النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، كتاب معرفة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ذكر شهادة عبيدة بن الحارث
- المرجع السابق
- مرزا غلام أحمد القادياني، ينبوع المعرفة، الخزائن الروحانية المجلد 23، ص 174-175
- صحیح البخاري، کتاب المغازي باب فضل من شهد بدرا
- سيرة ابن هشام
- صحيح البخاري کتاب المغازي
- تاريخ الطبري، ج2
- السيرة الحلبية باب ذکر مغازيه ج2
- تاريخ الطبري ج2
- سيرة ابن هشام
- مسند أحمد
- سبل الهدیٰ والرشاد، جلد4
- (يونس: 91)
- مرزا بشير أحمد، سيرة خاتم النبيين
- مرزا بشير أحمد، سيرة خاتم النبيين
- مرزا غلام أحمد القادياني، مرآة كمالات الإسلام
- (الأَنْفال: 10)
- صحيح البخاري, كتاب المغازي
- سيرة ابن هشام، ج2، ص285
- تفسير القرطبي
- مسند أحمد, كتاب باقي مسند الأنصار
- جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور
- ابن هشام، السيرة النبوية، غزوة بدر الكبرى، شهود الملائكة وقعة بدر
- المرجع السابق
- راجع: مرزا بشير الدين محمود أحمد، التفسير الصغير، تفسير قول الله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (آل عمران: 127)
- مرزا غلام أحمد القادياني، التبليغ