ألزهايمر، لص الذاكرة الخفي

ألزهايمر، لص الذاكرة الخفي

د. أحمد وائل

كاتب
  • نبذة تاريخية نتعرف خلالها على وقائع اكتشاف المرض.
  • ومشاهير وقعوا في دائرة المعاناة.
  • ثم تشخيص مرض ألزهايمر بفك شفرة العقل المتلاشي.
  • وسبب الارتباط بين هذا المرض والتقدم في العمر.
  • وأخيرا.. بصيص الأمل البادي في الأفق، بخصوص التوصل إلى علاج فعال.

 ____

ترى ماذا يمكن أن نكون بلا ذاكرة؟!

هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا.(1)،

يمكن أن نستشف من منطوق الآية الكريمة أنَّه قد مرَّت حِقَبٌ طويلة موغلة في القدم على الجنس البشري دون أن يكون له نصيب من الذاكرة طويلة الأجل، ولا شك أن جنسنا خلال تلك الحقب لم يكن ليتميز على ما سواه من مخلوقات، اللهم إلا في استواء القامة!

ففي النسيج المعقد للوجود الإنساني، تُمثِّل الذاكرة تلك الخيوط الذهبية التي تنسج هويتنا، وتربط ماضينا بحاضرنا، وتمنحنا القدرة على استشراف المستقبل. هي السجل الذي نحفظ فيه وجوه من نحب، وتجاربنا التي صقلتنا، والمعارف التي كوّنت وعينا. لكن ماذا يحدث حين تبدأ هذه الخيوط بالاهتراء والتلاشي، حين يغزو «لص الذاكرة» أقدس حصون العقل، تاركًا خلفه فراغًا موحشًا؟ هذا هو عالم مرض ألزهايمر، هذا الظل الثقيل الذي يلقي بوطأته على خريف العمر، محوِّلًا حكمة السنين إلى ضباب من الحيرة والضياع.

إن الحديث عن ألزهايمر يتجاوز كونه مجرد سرد طبي لمرض عصبي؛ إنه استكشاف لأحد أكثر التحديات الإنسانية إيلامًا، حيث يفقد المرء جوهره ببطء، ويتحول إلى غريب في عيون أحبائه. في هذا المقال، سنغوص في أعماق هذا المرض المستعصي، متتبعين تاريخه، ومحللين آلياته البيولوجية، ومستعرضين فصولاً من حياة مشاهير واجهوه، لنصل في النهاية إلى بصيص الأمل الذي يلوح في أفق العلاج.

ما هو «ألزهايمر»؟!

من منظور طبي، يُعرَّف المرض بأنه اضطراب تنكسي عصبي متفاقم، وينص التقرير السنوي الشامل الذي تصدره جمعية ألزهايمر، والذي يُعدّ مرجعًا أساسيًا للإحصاءات المتعلقة بانتشار هذا المرض، على أن ألزهايمر هو السبب الأكثر شيوعًا للخرف بين كبار السن، حيث إنه السبب الكامن وراء نسبة تتراوح ما بين 60% إلى 80% من الحالات.(2)  ويتجاوز ألزهايمر مجرد كونه نسيانًا عابرًا لأماكن المفاتيح أو أسماء الأشخاص، بل هو عملية تلاشٍ أو انهيار منتظمة لخلايا الدماغ، تبدأ عادةً في المناطق المسؤولة عن الذاكرة، مثل الحصين، ثم تنتشر تدريجيًا لتشمل مناطق أخرى مسؤولة عن اللغة والتفكير المنطقي واتخاذ القرارات. وعلى المستوى المجهري، يكمن جوهر المرض في تراكم نوعين من البروتينات الشاذة في الدماغ، أولها صفائح ا«لأميلويد»، والتي تتألف من بروتين يسمى «بيتا أميلويد» في الدماغ السليم، يتم تكسير هذا البروتين والتخلص منه. أما في دماغ مريض ألزهايمر، فتتجمع شظايا هذا البروتين معًا لتكوّن لويحات صلبة غير قابلة للذوبان بين الخلايا العصبية، مما يعطل الاتصال بينها ويُطلق سلسلة من الاستجابات الالتهابية السامة.

أما ثاني تكوين بروتيني مسبب للزهايمر فهو التشابكات الليفية العصبية، وتتكون هذه التشابكات داخل الخلايا العصبية نفسها. بطل هذه المأساة الداخلية هو بروتين «تاو» الذي يقوم بدور فعّال في الأحوال الطبيعية، هو تثبيت الأنابيب الدقيقة المشكّلة للهيكل الداخلي للخلايا العصبية، وتلك لأنابيب بدورها تعمل كنواقل للغذاء والجزيئات الحيوية. في مرض ألزهايمر، يتعرض بروتين تاو للعملية المسمّاة بـ «فرط الفسفرة»، مما يؤدي إلى تغير شكل الروابط العضوية في جزيئاته، مكونة خيوطًا معقدة تُعرف بالتشابكات الليفية. يؤدي هذا إلى انهيار نظام النقل الداخلي للخلية وانهيارها في نهاية المطاف.(3)

هذه العملية المزدوجة من الهجوم الخارجي (لويحات الأميلويد) والانهيار الداخلي (تشابكات تاو) تؤدي إلى موت واسع النطاق للخلايا العصبية وتقلص حجم الدماغ، وهو ما يظهر جليًا في صور الرنين المغناطيسي للمرضى في المراحل المتقدمة.

 

رحلة الكشف عن «لص الذاكرة».. نبذة تاريخية

قديما لم يكن ألزهايمر معروفًا بهذا الاسم حتى مطلع القرن العشرين. تعود قصة اكتشافه إلى عام 1906، عندما قام الطبيب النفسي والعصبي الألماني «ألويس ألزهايمر» بعرض حالة مريضة تُدعى أوغست ديتر، التي توفيت عن عمر يناهز 51 عامًا بعد معاناتها من فقدان ذاكرة حاد، وجنون ارتياب، وعدم القدرة على الإجابة عن أبسط الأسئلة. عند فحص دماغها بعد وفاتها، لاحظ الطبيب ألزهايمر وجود ترسبات غريبة لم يسبق له رؤيتها، وهي ما أُشير إليها في هذا المقال سلفا، وصرنا نعرفها اليوم بصفائح الأميلويد والتشابكات الليفية العصبية. كانت ملاحظة الطبيب ألزهايمر ثورية في حينها وقد قام بتوثيق نشرها في العام التالي.(4) وفي عام 1910، قام الطبيب النفسي الألماني «إميل كريبلين» الذي كان الطبيب ألزهايمر يعمل في مختبره، بتضمين وصف هذه الحالة في الطبعة الثامنة من كتابه الشهير «الطب النفسي»، وأطلق عليها اسم «مرض ألزهايمر.»(5) لسنوات عديدة، كان يُعتقد أن هذا المرض حالة نادرة تصيب الأشخاص في منتصف العمر فقط، ولم يجرِ الربط بشكل واسع بين هذه التغيرات الدماغية والخرف الشائع لدى كبار السن إلا في العقدين السادس والسابع من القرن العشرين، بفضل أبحاث علماء مثل روبرت كاتزمان، الذي أوضح أن ألزهايمر ليس مرضًا نادرًا، بل هو مرض شائع، لكنه صامت يمثل السبب الرئيسي للخرف في الشيخوخة. هذا التحول في الفهم فتح الباب أمام تكثيف الأبحاث لفهم هذا المرض الخبيث، في محاولة للبحث عن ترياق ناجع له.

مشاهير في دائرة المعاناة

ساهمت إصابة عدد من الشخصيات العامة البارزة بمرض ألزهايمر في كسر جدار الصمت والعزلة المحيط بالمرض، وزيادة الوعي العام به، وحشد الدعم لتمويل الأبحاث. ويُعدّ الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان أحد أشهر من وقعوا في قبضة هذا المرض، ففي عام 1994، وبعد سنوات من مغادرته البيت الأبيض، وجّه ريغان رسالة مؤثرة إلى الشعب الأمريكي، كشف فيها عن تشخيص إصابته بالمرض. كتب فيها: «أبدأ الآن الرحلة التي ستقودني إلى غروب حياتي.»(6) أصبحت هذه الرسالة لحظة فارقة في تاريخ المرض، حيث حوّلت النقاش من الهمس في الغرف المغلقة إلى حوار وطني وعالمي.

ومن الشخصيات البارزة الأخرى، ممثلة هوليود الشهيرة «ريتا هيوارث»، التي عانت لسنوات من أعراض عزاها الأطباء إلى إدمان الكحول، قبل أن يتم تشخيصها بألزهايمر في عام 1980. ومنذ ذلك الحين بادرت ابنتها الأميرة ياسمين أغا خان، بتأسيس «جمعية ألزهايمر» التي أصبحت واحدة من كبرى المؤسسات البحثية العلاجية الداعمة لأبحاث المرض ورعاية المرضى. كما واجهت رئيسة الوزراء البريطانية «مارغريت تاتشر» المرض في سنواتها الأخيرة. وفي عالم الأدب، وثّق «جون بايلي» بأسلوب مؤثر تدهور حال زوجته، الروائية والفيلسوفة إيريس مردوخ، في كتابه «مرثية لإيريس»، الذي جرى إخراجه لاحقًا بصورة فيلم سينمائي ناجح.

لقد أظهرت قصص هؤلاء المشاهير أن ألزهايمر مرض ديمقراطي في قساوته، فهو لا يفرق بين غني وفقير، أو قوي وضعيف، إنه مرض يصيب العقل غاضا الطرف عن إنجازاته ومكانته.

 

تشخيص المرض بفك شفرة العقل المتلاشي

حتى وقت قريب، كان التشخيص المؤكد لمرض ألزهايمر لا يتم إلا بعد الوفاة من خلال فحص أنسجة الدماغ. أما اليوم، فقد تطورت الأدوات التشخيصية بشكل كبير، مما يسمح للأطباء بالوصول إلى تشخيص دقيق على درجة عالية من الموثوقية تصل إلى 90%. عملية التشخيص شاملة وتعتمد على استبعاد الأسباب الأخرى للخرف، وتتضمن عدة خطوات، من بينها التقييم السريري والمعرفي، حيث يبدأ الطبيب بأخذ تاريخ مرضي مفصل من المريض وأسرته، يليه إجراء اختبارات معرفية وعصبية لتقييم الذاكرة، ومهارات حل المشكلات، والانتباه، واللغة.

وثاني خطوات تشخيص ألزهايمر إجراء الفحوصات المخبرية، حيث تُجرى تحاليل دم شاملة لاستبعاد الأسباب الأخرى التي قد تسبب أعراضًا شبيهة بالخرف، مثل نقص فيتامين «ب 12» أو اضطرابات الغدة الدرقية. ولا يمكن استبعاد التصوير بأشعة الرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية، بوصفه أحد أبرز طرق التشخيص المعاصرة، وهدف التصوير هو الكشف عن ضمور الدماغ، خاصة في منطقة الحصين، واستبعاد الأسباب الأخرى مثل الأورام أو الجلطات الدماغية. وهناك أسلوب أكثر تطورا في التصوير، وهو التصوير الجزيئي، ويمثل هذا المجال طفرة حقيقية في التشخيص، حيث يتيح رؤية صفائح الأميلويد وتشابكات تاو في دماغ الشخص الحي.

وعلاوة على تصوير الدماغ، يُستخدم تحليل «الأميلويد» للكشف عن تكوّن صفائح الأميلويد، بينما يكشف فحص بروتين «تاو» عن تشابكات تاو، مما يوفر دليلاً حيويا مباشرًا على وجود المرض.

ويتجاوز ألزهايمر مجرد كونه نسيانًا عابرًا لأماكن المفاتيح أو أسماء الأشخاص، بل هو عملية تلاشٍ أو انهيار منتظمة لخلايا الدماغ، تبدأ عادةً في المناطق المسؤولة عن الذاكرة، مثل الحصين، ثم تنتشر تدريجيًا لتشمل مناطق أخرى مسؤولة عن اللغة والتفكير المنطقي واتخاذ القرارات. وعلى المستوى المجهري، يكمن جوهر المرض في تراكم نوعين من البروتينات الشاذة في الدماغ

لماذا نربط بين ألزهايمر والتقدم في العمر؟!

يُعد التقدم في العمر عامل الخطر الأبرز للإصابة بمرض ألزهايمر. فبينما يصيب المرض نسبة تُقدر بـ 5% ممن تتراوح أعمارهم بين 65 و74 عامًا، ترتفع النسبة بشكل كبير لدى من هم فوق سن 85 عامًا. العلاقة بين الشيخوخة وألزهايمر معقدة ومتعددة الأوجه، وتتداخل فيها عدة آليات بيولوجية، لعل أبرزها تراكم الأضرار الجزيئية، فمع مرور الزمن، يتعرض الدماغ، مثله مثل بقية أعضاء الجسم، لتراكم الأضرار الناجمة عن الإجهاد التأكسدي والالتهابات المزمنة منخفضة الدرجة. تضعف هذه العمليات قدرة الخلايا العصبية على أداء وظائفها وإصلاح نفسها.

ومن العوامل البيولوجية لمساعدة على الإصابة بألزهايمر ضعف آليات التنقية، حيث يمتلك الدماغ نظامًا فعالًا للتخلص من الفضلات يُعرف بـ «النظام الغليمفاوي»، والذي يكون أكثر نشاطًا أثناء النوم. تشير الأبحاث إلى أن كفاءة هذا النظام تقل مع التقدم في العمر، مما يؤدي إلى فشل في التخلص من البروتينات السامة مثل بيتا أميلويد، فتتراكم تدريجيًا.

كذلك من المتفق عليه الآن أن صحة الأوعية الدموية تتدهور مع التقدم في السن، مما قد يقلل من تدفق الدم إلى الدماغ ويعيق وصول الأكسجين والعناصر الغذائية. ويُعتقد أن صحة الأوعية الدموية الدماغية تلعب دورًا حاسمًا في تطور المرض. كما تدخل بعض الخلايا في حالة «شيخوخة» مع التقدم في العمر، حيث تتوقف عن الانقسام ولكنها لا تموت، بل تفرز مواد التهابية تضر بالخلايا المجاورة.

 

بصيص من أمل يلوح في المستقبل

لعقود طويلة، كانت خيارات علاج ألزهايمر محدودة ومخيبة للآمال، حيث اقتصرت على أدوية تعالج الأعراض بشكل مؤقت دون أن توقف تقدم المرض.

لكن السنوات القليلة الماضية شهدت ثورة حقيقية في مجال العلاج، مع ظهور جيل جديد من الأدوية التي تستهدف الآليات البيولوجية الأساسية للمرض لأول مرة، وأبرز تلك العلاجات الأجسام المضادة التي تستهدف بروتين «الأميلويد»، والأخرى لتي تستهدف بروتين «تاو»، والذي يُعد استهدافه أكثر فعالية في وقف تدهور الأعراض. وخلصت التجارب السريرية إلى أن تلك العلاجات نجحت في إزالة صفائح الأميلويد من الدماغ وإبطاء التدهور الذهني لدى المرضى في المراحل المبكرة.

ولكن على الرغم من أن هذه العلاجات لا تحقق الشفاء التام إلى الآن، إلا أنها تعتبر خطوة تاريخية هائلة، فهي أول علاجات تُثبت قدرتها على تغيير مسار المرض البيولوجي. ومع ذلك، لا مفر من التحديات التي تصاحب تلك العلاجات، أبرز تلك التحديات الآثار الجانبية المحتملة، مثل تورم ونزيف الدماغ، ناهيك عن تكلفتها الباهظة.

إن مرض ألزهايمر ليس مجرد قصور في الذاكرة، بل هو اغتراب الإنسان عن ذاته. إنه رحلة طويلة ومؤلمة للمريض وعائلته، رحلة تتطلب قدرًا هائلاً من الصبر والرحمة والدعم. ورغم قتامة الصورة، فإن شمس العلم لم تتوقف عن السطوع. وقد لا نكون قد وصلنا إلى نهاية النفق بعد، لكننا ولأول مرة، نستطيع أن نرى ضوءًا واضحًا في الأفق، ضوءًا يحمل وعدًا بمستقبل يمكن فيه الحفاظ على جوهر الإنسان، ذاكرته وهويته، من سطوة هذا اللص الصامت. فالتقدم المتسارع في فهمنا لبيولوجيا المرض، والنجاحات الأخيرة في تطوير علاجات تستهدف جذوره، يمنحنا سببًا وجيهًا للاستبشار بالتوصل إلى علاج فعّال.

الهوامش:

  1. (الإِنْسان: 2)
  2. Alzheimer’s Association. (2024). 2024 Alzheimer’s Disease Facts and Figures. Alzheimer’s & Dementia, 20(5).
  3. Selkoe, D. J., & Hardy, J. (2016). The amyloid hypothesis of Alzheimer’s disease at 25 years. EMBO Molecular Medicine, 8(6), 595-608.
  4. Alzheimer, A. (1907). Über eine eigenartige Erkrankung der Hirnrinde. Allgemeine Zeitschrift für Psychiatrie und Psychisch-Gerichtliche Medizin, 64, 146-148.
  5.  Katzman, R. (1976). The prevalence and malignancy of Alzheimer disease: a major killer. Archives of Neurology, 33(4), 217-218.
  6. رونالد ريغان، رسالة مكتوبة بخط اليد بتاريخ 5 نوفمبر 1994، مكتبة ومتحف رونالد ريغان الرئاسي
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via