العالم الحائر بين ذريعة الإسلاموفوبيا وحقيقة الإسلام

العالم الحائر بين ذريعة الإسلاموفوبيا وحقيقة الإسلام

عبادة بربوش

رئيس تحرير "التقوى"
  • أية علاقة بين الإسلام والسلام، بما يفند دعاوى القائلين بأنه دين قمع وإكراه؟
  • كيف كان الإسلام هو المتهم وهو الضحية في الوقت ذاته؟
  • قيمة الاستشهاد بمقارنة المفكرين بين تسامح الإسلام الذي حفظ نصارى الشرق قرونا من جانب، واستئصال المسلمين في الأندلس من جانب آخر؟

 ___

ذريعة الإسلاموفوبيا

أليس السَّلامُ هو تحية الناس فيما بينهم لقاءً وافتراقًا؟ ألم ترد لفظة «السلام» واشتقاقاتها اللغوية في أكثر من ثلاثين موضعًا في القُرآن الكريم؟! أوليس هذا احتفاءً لدين الإسلام بسلوك السلام وتأكيدًا على دوره العظيم فى بناء الفرد والمجتمع؟! ألم يُسَمِّ القرآنُ الكريم الجنَّة التي أعدَّها الله لعباده الصالحين باسم: «دار السَّلام»؟ وجعل تحيَّةَ أهلها فيما بينهم هى كلمة السَّلام؟! فعلام إذن تُصر طائفة منتقدي الإسلام على وصم هذا الدين الحنيف بالإرهاب في كل مناسبة، حتى بات هذا الأمر توجها عالميا فيما يُعرف الآن بالإسلاموفوبيا؟!

في جواب واضح ومركز، قدمه حضرة أمير المؤمنين في أحد اللقاءات التي طُرِح فيها هذا السؤال، قال حضرته: «ذلك لأن غالبية التنظيمات الإرهابية في الوقت الحاضر، كتنظيم القاعدة وطالبان وبوكو حرام وغيرها من التنظيمات الجديدة التي تنشأ يوميًّا يدّعي المنخرطون فيها أنهم مسلمون ويدعون كذلك أنهم يفعلون ما يفعلون باسم الإسلام. لذا، يعتقد الناس أن الإسلام والإرهاب ربما يكونان اسمين مترادفين للشيء نفسه. فمن واجبنا أن نزيل سوء الفهم هذا.”(1) وفي مجموعة خطابات ورسائل لحضرته عن السلام العالمي وكيفية تحقيقه، جمعت لاحقا في الكتاب الموسوم بـ «الأزمة العالمية والطريق إلى السلام»، يحث فيها حضرة أمير المؤمنين من لا يتورعون عن توجيه تهمة الإرهاب إلى الإسلام، يحثهم على فصل الإسلام تمامًا بالإرهاب، فهما على طرفي نقيض. وما تفعله تلك المجموعات الإرهابية تفعله لمصلحتها الشخصية ومن أجل عرض سياسي أو اقتصادي زائل..

إن مرجعنا في كافة التشريعات الإسلامية منحصر في مصدر واحد، هو القرآن الكريم، وأسوتنا ونموذجنا في تطبيقه منحصر في السنة النبوية المطهرة، ومن تعاليم الإسلام الناصعة التي ركز عليها القرآن تعليم السلام والمسالمة، يقول تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(2).

ويتجلى أوضح تطبيق لذلك التعليم فيما فعله النبي الكريم ﷺ عندما فتح الله تعالى على يديه مكة المكرمة، إذ عفا ﷺ عن كل المسيئين إليه، وكان من بينهم قتلة أهله وأحب الناس إليه، كل هذا ناهيك عن تحريم وتجريم القرآن الكريم الطغيان وقتل الأبرياء، بقوله :

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ…(3)

 

الإسلام والسلام، والعلاقة الجِنَاسِيَّة

ثمة ظاهرة دلالية أصيلة، تعرفها اللغات الاشتقاقية عموما واللغة العربية بشكل خاص، بينما تغيب أو تكاد في اللغات الإلصاقية، تلك ظاهرة الاشتقاق، وفحواها أن الألفاظ حين تشترك في كامل لفظها أو في شيء منه، فإن ذلك الاشتراك يوازيه اشتراك في المعنى بنفس النسبة، وذلك الاشتراك في اللفظ نلمحه بين لفظتي «الإسلام» و«السلام»، فيما يسميه البلاغيون بالجناس الناقص، والذي يعكس تناسب المبدأ والمنهج والحكم والموضوع وقد جعل الله السلام تحية المسلم ليس لأخيه المسلم وحسب، بل وحتى لغير المسلمين، فمما يروى أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ:

«تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ.»(4)

فالسلام في الإسلام سلوك يومي عام، حتى إنه ينبغي ألا يتكلم الإنسان المسلم مع آخر قبل أن يبدأ بكلمة السلام، حيث قال رسولنا الكريم ﷺ: “السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ.”(5) والسر في ذلك أن السلام إعلان أمان، بحيث يكون للكلام أساس وقاعدة راسخة فيسفر عن نتائج محمودة، بعكس مواقف حوارية أخرى يكون التحفظ فيها وتبييت سوء النية بين الطرفين هو سيد الموقف، والعياذ بالله!

الإسلام.. المتهم الضحية

بقراءة متأنية لحال بعض المتشددين من المسلمين قد يصل بعض الناس إلى نتيجة مفادها أن الإسلام

ربما دين إرهاب، إلا أنه في حقيقة الأمر ضحيته الأولى، فنسبة حوادث الإرهاب، التي ارتكبتها تنظيمات مثل القاعدة وداعش وبوكو حرام، ضد غير المسلمين بشكل عام، لا تقارن بحجم التي ترتكبها نفس التنظيمات ضد المسلمين أنفسهم، فالهجمات الإرهابية لا تهدأ في باكستان أو في العراق، والتفجيرات الانتحارية التي ما زالت تحدث في كل مكان، إنما يروح ضحيتها مسلمون. فهنا علينا أن نلفت نظر من ينتقدون الإسلام في كل مناسبة إلى هذه القضية، إذ كيف يكون الإسلام راعيا للإرهاب بينما هو في الواقع ضحيته؟! كل هذا يحدث على الرغم من التجريم شديد اللهجة الوارد في التشريع القرآني:

وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(6)

 

كيف لدين تعايش ووئام أن يُتَّهم بالإرهاب؟!

لما تجاوز عدوان مشركي قريش الحدود كلها، وتألّبت جميع قبائل شبه جزيرة العرب للقضاء على دين الإسلام، اقتضت غيرةُ الله أن يقتل بالسيف من يسلونه على المستضعفين، وإلا فإن القرآن لم يعلّم الإكراه مطلقاً، وأبرز دليل على أن الحرب لنشر الدين ليست من تشريع الإسلام في شيء أن النبي ﷺ وأصحابه قدموا ثلاث عشرة سنة، هي عمر الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة، قدموا هذه المدة دليلا على صبر فاق الحدود والأوصاف، حتى كان المرء يشهد بأم عينيه مقتل ذويه دون أن يحرك ساكنا، مع أن القدرة على الانتقام كانت متاحة، لاسيما بعد أن انضم إلى حظيرة الإسلام بعض رجالات مكة وأكابرها، كحضرة عمر وحضرة حمزة (رضي الله عنهما).

ولو نظرنا بعين التحليل في قضية الحروب الإسلامية، لرأينا أنها «لا تخرج عن ثلاثة أقسام: الحروب الدفاعية، أي دفاعاً عن النفس، والقصاصية، أي عقابا موقَّعًا على مرتكب جريمة سفك الدماء، والتحريرية، أي توطيداً للحرية الدينية، وكسراً لشوكةِ القُوى العدوانية التي كانت تقتل المسلمين بسبب إسلامهم” (7)

وحين نتعرض لطرح موضوع الفتوحات الإسلامية، يكون من المناسب والأوقع الاستشهاد بشيء مما قاله أهل الإنصاف والموضوعية من غير المسلمين، وهو هنا مقولة للكاتب الفرنسي البارز أمين معلوف، والذي هو من نصارى الموارنة الساكنة في لبنان منذ خمسة عشر قرنا، حيث يقول معبرا عن نفسه وبيئته الثقافية بشكل عام: «لو كان آبائي مسلمين في بلدة غزاها النصارى، بدلا من كونهم نصارى في بلدة فتحها المسلمون، فلا أظن أنه كان بوسعهم أن يعيشوا محافظين على دياناتهم في قراهم ومدنهم طوال أربعة عشر قرنا، فأين مسلمو إسبانيا؟! وأين مسلمو صقلية؟ إمَّا قتلوا عن بكرة أبيهم، أو تم تنصيرهم جبرا وإكراها بالحديد والنار!»(8) فإذا كان لشاهد من غير المسلمين يشهد للإسلام بأنه دين تعايش ووئام بين كل من يعيشون في ظله، وإن كانوا من غير معتنقيه، فإن من قبيل الوقاحة أن يردد بعض خصوم الإسلام تلك الافتراءات التي مبعثها إما الحقد وسوء الظن، أو الجهل وسوء الفهم، وفي هذه الحال يكونون معذورين حتى يعلموا.

الهوامش:

  1.  Answers to everyday issues – Part III
  2.  (البقرة: 209)
  3.  (الإسراء: 34)
  4.  صحيح البخاري،كتاب الإيمان
  5.  سنن الترمذي, كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله
  6.  (النساء: 94)
  7.  مرزا غلام أحمد القادياني، «المسيح الناصري في الهند»، ص10- 12
  8.  انظر: أمين معلوف، «الهويات القاتلة.. قراءات في الانتماء والعولمة»، ترجمة: نبيل محسن، دار الهلال، القاهرة
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via