فبرايِر الأبيض، يبارك فيه أَقوام

فبرايِر الأبيض، يبارك فيه أَقوام

التحرير

__

هو ثاني أشهر العام في التقويم اليولياني والتقويم الميلادي، وهو أقصر شهر على مدار العام، إذ يقل عدد أيامه عن ثلاثين يوما، فيكون ثمانية وعشرين يومًا على مدار أربع سنوات بسيطة، ثم يتم تسعة وعشرين يومًا في السنة الخامسة الكبيسة، وهكذا دواليك. وقد اكتسب «فبراير» اسمه من الطقس الروماني «فيبروم» (februm) ويعني الطهارة والنقاء، غير أنه من أعاجيب المفارقات أن تكونت عنه في الثقافة الشعبية الرومانية نفسها انطباعات سلبية أيضا، ولكن الأمر مختلف تمامًا بالنسبة إلينا نحن المسلمين الأحمديين، إذ يُعد فبراير شهرًا مرتبطًا ببركات خاصة، ففي العشرين من هذا الشهر، وبعد مدة اعتكاف دامت أربعين يومًا قضاها المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام) في مدينة هوشيار بور، تلقى حضرته النبوءة الشهيرة في أوساط الجماعة الإسلامية الأحمدية عن ولادة ابن لحضرته يكون مستحقًا لقب محيي الدين ومعينه.. فهذا التاريخ إذن ليس تاريخ مولد شخص حضرة المصلح الموعود ، وإنما هو تاريخ نشر النبوءة عن ذلك المولد المبارك بعد تلقيها من الله تعالى.

وعلى هامش الحديث عن النبوءات يتساءل البعض عن سر ارتباط النبوءات التي تلقاها المسيح الموعود بالتقويم الميلادي لا الهجري، كان الجواب أن تلك النبوءات أُعلنت في وسط يضم أناسًا من كافة الطوائف في شبه القارة الهندية، فإلى جانب المسلمين كان هناك المسيحيون والهندوس والسيخ وطوائف أخرى لم تكن تعتمد على التقويم الهجري الإسلامي أصلاً، ولكن كانت تعنيها النبوءات التي ينشرها حضرته ، وكان من الضروري أن يتابعوها، وما كان ذلك ليتسنى لو ربط حضرته تحققها بالتاريخ الهجري. وعلى أية حال، فالله تعالى رب الزمان مهما كان التقويم وطريقة الحساب.وحين ندور في فلك النبوءات الإلهية متحرين صدقها ومصداقها، فإننا نتوقف مليًّا أمام طائفة من النبوءات ذات طبيعة وظروف خاصة، وتتجلى عظمتها في أنها لا تزال تفرض صدقها على أولي الألباب في كل وقت، فلا يقتصر تحققها على زمن واحد أو فئة واحدة من الناس، لا سيما إذا كان تحققها ذاك يصب في شرف الإسلام، ذلك الدين العظيم، ونبيه الكريم سيدنا محمد المصطفى الذي لا تزال سلسلة أدلة صدقه وفضله متصلة حتى يومنا هذا. كذلك كل ما من شأنه أن يُظهر شرف الإسلام والقرآن والنبي العدنان فقد كتب الله تعالى له الحياة، بل والإحياء نفسه، إننا نتحدث عن محيي الدين، ولا شك أن مهمة إحياء الدين قد بدأت سلفًا ببعث المسيح الموعود ، وإنها لمستمرة باستمرار سلسلة خلفائه الراشدين بإذن الله تعالى، فما الخليفة إلا ظل النبي والقائم مقامه، وفي البشارة بمولد المصلح الموعود نلمح إشارات عديدة يُفهَم منها اتصاف ذلك الابن الموعود بصفة الإحياء على وجه الظلية، بل وإن ذلك الإحياء الروحاني المبارك ليفوق في عظمته إحياء فرد واحد أو بضعة أفراد. وحين نتحدث عن البركات التي قيضها الله تعالى للإسلام الحق المتمثل في الجماعة الإسلامية الأحمدية، فحدِّث ولا حرج، لاسيما حين يتعلق الأمر ببركات العهد المبارك للخليفة الثاني للجماعة الإسلامية الأحمدية، سيدنا مرزا بشير الدين محمود أحمد التي يضيق عن عدِّها نطاق الحصر، ويتجاوز أثرها الإيجابي العصر. فمن النبَذ من مصاديق نبوءة «يُبَارَكُ مِنْهُ أَقْوَامٌ» أن حضرة المصلح الموعود وضع نظامًا محكما كان من نتائجه فيما بعد أن تم نشر تعليم الإسلام داخل وخارج شبه القارة الهندية، وأبدى حضرته رغبته في وجود دعاة يتقنون لغات متعددة، تيسيرًا لنشر الإسلام ولذلك الهدف أسس هيئة دعوة التبليغ عام 1919م والمدرسة الإسلامية الأحمدية، ومن خلالهما سعى لإرسال دعاة مسلمين مما أدى إلى افتتاح مراكز تبشيرية في ستة وأربعين بلدًا إسلاميًا في ذلك الوقت. وبوضع مفهوم البركة آنف الذكر في الاعتبار، وبالنظر إلى وقائع الجماعة الإسلامية الأحمدية عمومًا نجد أن مهمة تبليغ الدعوة أخذت تصطبغ بالصبغة الرسمية والمنظمة في العهد المبارك لخلافة سيدنا المصلح الموعود ، فانتشرت فروع الجماعة ومراكزها لأول مرة في خارج شبه القارة الهندية، وازدادت وتيرة التبليغ ونشر البركات تسارعًا بإطلاق مشروع التحريك الجديد عام 1934م. وهذا كله غيض من فيض إنجازات حضرته وبركات عهد خلافته المبارك.

وفي عدد مجلة التقوى لشهر فبراير الأبيض نحتفي سويًّا بهذه المناسبة المباركة، أي النبوءة عن المصلح الموعود وسيكون احتفالنا هذه المرة بإنجازات حضرته الإصلاحية والتنويرية، وذلك عبر عدة مقالات، منها ما يتناول بالإشارة أسلوب حضرته في علاج كبرى المشكلات الإسلامية، والتي تمكن من خلالها فتح مجالاتٍ معرفية جديدة، تمثلت في سياحة حضرته الروحانية، فندعو الله تعالى أن تنفع محتويات هذا العدد، وكل عدد، أعزاءنا القراء، وأن يوفقنا لتقديم المزيد مما ينفع الناس فيمكث في الأرض، آمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك