ظاهرة التجارب الروحية للمؤمنين

ظاهرة التجارب الروحية للمؤمنين

الدكتور محمد نعيم الجابي

 

مجلس أسئلة وأجوبة

تعقد الجماعة الإسلامية الأحمدية العديد من اللقاءات الهادفة وذلك بشكل دوري، وتُتاح من خلال هذه اللقاءات الفرصة للعديد من الشرائح الاجتماعية لطرح الأسئلة بين يدي إمام الجماعة الحالي حضرة ميرزا طاهر أحمد. تعتبر هذه اللقاءات حقلاً هامًا للاطلاع على الآراء والتحليلات الجادة التي يُثيرها حضرته حول محاور بحث هامة تهم الشارع الإسلامي.

فيما يلي بعض الأسئلة التي تمحورت حول ظاهرة التجارب الروحيّة لدى بني البشر.. جذورها وثمارها.. وتعدُّد أنواعها. وقد أجاب حضرته كعادته بشكل موسع بما يتناسب وطبيعة تلك اللقاءات.

عُقدت هذه الجلسة في قاعة محمود في مسجد الفضل بلندن وهو أقدم مساجد العاصمة البريطانية وبتاريخ الأول من أيار (مايو) عام 1997.

التجارب الخارجة عن نطاق الجسد

تمحور السؤال الأول حول التجارب الروحية التي تخرج عن نطاق الجسد ويشترك فيها المؤمنون وغير المؤمنين وقد تحدَّث حضرة ميرزا طاهر أحمد حول هذا الموضوع فقال:

الحقيقة أنّ هذا الموضوع قد أثارني منذ وقتٍ طويل ولذلك دأبتُ على مطالعة كل ما يتعلق بالجوانب المتعددة حوله. وبأمانةٍ تامة أقول إنّ الإسلام يُقرُّ بإمكانية حدوث هذه التجارب والخبرات وقد نقل لنا تاريخ الإسلام العديد من الشواهد على مصداقيتها. ويجب أن ننتبه إلى أنّ هذه الخبرات لا تدلُّ على قُدسيّة هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون تفاصيلها وحدهم.. إنّ تعاليم الإسلام تُفيد بأنّ المؤمنين الذي يتلقُّون وحيًا من الله تعالى يعيشون تلك الخبرات ولكننا يجب أن نُدرك أن هذه الظاهرة هي فيزيائيّة يمكن أن يتشارك فيها المؤمنون وغير المؤمنين على حدٍّ سواء.

وإن كلّ الفئات التي تُشارك في هذه الظاهرة تمتلك من الصلاحيات في هذا المجال ما يُوصلها إلى درجةٍ معيّنة، ولكن ليس إلى درجةٍ عالية تهزُّ ما حولها بتفاصيلها المدهشة المثيرة.

أنا اعتقد بوجود كثير من النماذج البارزة وأعتقد في الوقت نفسه أنّ كل إنسان لا بدَّ أن يمرَّ بهذه الظاهرة في حياته، ولتكون له علامة من الله تعالى على صدق أنبيائه ومرسليه. فلو انعدمت الآليّة المذكورة التي تمكن الإنسان من تلقّي رسائل دون تدخُّل الوسائط العلميّة لحقَّ للإنسان الادِّعاءُ بانعدام الوحي الإلهي.

ثم إنّه لو كان الأسلوب الذي كلَّم به الله تعالى عباده يتحقَّق على شاكلة أسلوب سماع الأصوات الفيزيائيّة التي تنتقل من خلال اهتزاز الأمواج أو أيّة وسائط أخرى.. لأمكن لأي شخص على مقربةٍ سماعها بدوره، وهذا عادةً لا يحدث في مثال تلك الظواهر. الأمر الذي يؤكِّد أن تلك الظواهر الروحيّة لا تستخدم الوسائط العلميّة التي تُسخَّر لنقل الحقائق من مكان لآخر على شاكلة ما يفعله الضوء الذي يحمل الحقيقة الواحدة من مكان إلى مكان آخر والصوت الذي يفعل ذات الشيء.

أنا أعتقد أنّ حدوث ذلك ممكن، بل هو أساسي وإنّ إنكار حدوثه قد يؤدِّي إلى إنكار فكرة اتصال الله تعالى مع الجنس البشري.

ووصولاً إلى هذه النقطة أرى من الضروري أن نُحلِّلها ونطوِّرها بشكل أكبر كي نرى ما هو الدور الذي تلعبه هذه الظواهر والتجارب الروحيّة في الحياة الإنسانيّة؟

أتناول أولاً حالة المرضى المتخلِّفين عقليًّا والمرضى النفسانيين وأولئك الذين وصلوا  حدَّ الهلوسة تحت تأثير المخدرات.. فالملاحظ أنّ لدى هؤلاء ظواهر تشبه إلى حدٍّ بعيد تلك الظواهر الروحيّة. فبعضهم مُقتنع بأنه يسمع أصواتًا تأمره أن يقتل أحدًا ما.. وأنّ عدم حدوث ذلك يوقعه تحت تأثير ضغطٍ كبير.. تُرى ما هو الفرق بين هذه الظواهر وتلك الظواهر الروحيّة التي تحدَّثنا عنها؟

أعتقد شخصيًّا أنّ كل إنسان مُؤهَّل لتلك الآليّة التي يمكن أن تُنشِّط القوى النفسيّة وأحيانًا بواسطة الضغوط الخارجيّة وأيضًا يمكن أن يحدث ذلك بواسطة الإله نفسه.. ولكن يظلُّ هناك خط واضح للتمييز بين جميع ظواهر تلك الخبرات. فعندما يتفحص الناس هذه الظواهر بمنظار بواعثهم وتحرُّضاتهم الخاصة، يصلون إلى أنّ الرسائل المذكورة غالبًا ما تتبعثر وتفيد سلبًا، ويُدرك الناس المحيطون علمًا بها أن هذه الرسائل غير موجَّهة ولا تحمل صبغةً قُدسيّة واضحة وبالتالي فإنّ حياة الانحراف التي يحياها أصحاب التجارب أنفسهم تُلقي بظلالها على ذلك الحُكم. وعلى أية حال فإنّ الناس الـمُعتلّين عقليًّا يُقرُّون وبعد أن يعودوا إلى حالتهم الطبيعيّة بأن خبراتهم تلك لم تكن خبرات روحيّة.

وفي الحالات التي لا يُعاني فيها الناس من أي خللٍ عقلي ويعيشون تلك التجارب الروحيّة من خلال الرؤى، فهؤلاء يمكن أن نصفهم من الفئة ذات البصيرة النافذة النشِطة. ويمكن تصنيفهم أيضًا تحت بند ظواهر الإدراك اللاحسّي.

وحسب اطِّلاعي فإنّ هناك كُثرًا من الأشخاص غير الروحانيين ممن تكون أنظمتهم الداخليّة نشطة وفعّالة لأنهم ذوو حساسيّة عالية للأشياء من حولهم وهم يتعايشون مع تلك الخبرات الروحيّة، التي لا تتسبَّب لهم بأي أذى وتكون توقُّعاتهم للأحداث من النوع الذي لا يمتُّ للصلوات ولا لأي وسائل أخرى.

مثال من بُلغاريا

وأضرب مثالاً على هذه الفئة من الناس.. سيدة بُلغاريّة تُدعى (فونغا) وهي تدَّعي أنها تملك قوى روحيّة وقد راقبها العلماء وأجهزة الحكومة هناك وصادقوا على صحة ادِّعاءاتها. ومن خلال دراستي لظاهرة هذه السيدة تبيّنت لي خواص وثوابت هذه الظاهرة. وعلى سبيل المثال فهي تُشاهد وقوع حادث معين قبل وقوعه الفعلي وبعد حين يقع هذا الحادث دون أن يقف أي مانع في تغيير حتميّة وقوعه. ومن هنا أرى أنّها ليست ظاهرةً روحيّة، لأنّ الظاهرة الروحيّة تتحدث دائمًا عن أشياء يمكن للمؤمن تفاديها من خلال الصلوات والأدعية وإصلاح الاعوجاجات. ثم إنّ هذه لا تدَّعي أي صفةً روحيّة وكل ما تقوله أنّها تذكر أنّ هذه التجارب والخبرات بدأت بعد الفاجعة التي أصابتها من خلال موت زوجها المبكِّر وهي الفاجعة التي جعلت منها امرأة عمياء.

ويبدو انه خلال تلك الفترة نشطت وفعَّلت تلك الآلية الداخليّة التي تملكها وبدأت تظهر وهكذا أصبحت تلك المرأة ظاهرةً فريدة واسعة الشهرة في تلك المنطقة.

الخبرات الروحيّة للمؤمنين

والنوع الثالث من تلك الخبرات هو النوع الروحي الحقيقي وما يجزم حقيقة روحانيّة تلك التجارب هو صدق أولئك الناس الذين يعيشونها خلال حياتهم اليومية الطبيعيّة. فهم أناسٌ لا يبتدعون الأكاذيب ومن يملك هذه الصفة العلميّة، يكون ممن يملك جوهرًا ووعيًا داخليًّا صادقًا. فإذا كان السلوك الخارجي صادقًا (ليس من ناحية التأثير بل بشكل أصولي ذاتي) فإنّ الوعي الداخلي يكون صادقًا ومن الصعب على ذلك الوعي أن يُنتج أكاذيب.

وغالبًا ما يملك هذا النوع من الأشخاص تجارب روحيّة أكثر من الآخرين، إنّ أنبياء الله هم من تلك الفئة الروحيّة ولاشكَّ أن صدقهم قد لعب دورًا كبيرًا في اختيارهم من قِبل الله تعالى ليكونوا رُسلاً وأنبياء.

ولهذا السبب بالذات نجد أنّ القرآن الكريم خاطب أعداء الرسول الكريم مُتحدِّيًا إياهم أن يُشيروا إلى حادثةٍ واحدة من حياة الرسول الكريم قبل الدعوى تُشير إلى تورُّطه بالكذب.

بل إنّ القرآن الكريم يُخاطب أعداء الرسول الأكمل مُتعجّبًا؟: ما الذي حدث لكم؟.. ألا تُدركون أنّ هذا الرجل الذي عاش بينكم سنوات الشباب حيث تتحكم العواطف والملذّات الماديّة بالإنسان.. أفلا ترون أنه لم يلجأ قط إلى الكذب.. بل بقي مستقيمًا شريفًا صادقًا؟ ألم تكونوا أنتم ممن منحتموه لقب الصادق الأمين.. الإنسان الأكثر صدقًا وإخلاصًا في بلاد العرب؟ .. فما الذي حدث حتى يتحوَّل هذا الإنسان إلى إنسانٍ يُطلق الأكاذيب باسم الإله؟.. ألا ترون أن التفسير الوحيد لما يقوله ولما يمرُّ به من تجارب هو أن تجاربه صادقة!! ما يقوله هو الحق!!..

وباختصار أقول إنّ أمثال هؤلاء الناس ممن يتلقُّون الكشوف والرُؤى والإلهامات.. يجب أن تُشكل خبراتهم دليلاً خارجيًّا على صدقهم.

فإذا انتقلنا إلى مرحلةٍ أخرى من التحليل ودخلنا منطقة الناس المراقبين لتلك الخبرات والذين يلتفون حول صاحبها فبالإمكان تقديم مثال سيدنا يوسف على ذلك وتجربته مع أحد ملوك مصر. وأنا هنا لا أُريد أن أُكرِّر كل تفاصيل القصة لظنّي أنها معروفة لدى جميع المسلمين واليهود والمسيحيين على حدٍّ سواء.

والحقيقة التي أودُّ الإشارة إليها هي أنّ القرآن الكريم قد وصف سيدنا يوسف بأنّه شخصٌ صادقٌ منذ نعومة أظفاره إلى الوقت الذي دخل فيه السجن.. ونحن نعرف القصة عندما رأى الملك حُلمًا لم يتمكن أتباعه من فكِّ طلاسمه فلما وصلت أنباؤه إلى يوسف أصرَّ على أن الحلم يحمل رسالةً مؤكَّدة.

وقد رأى الملك سبع بقرات سِمانٍ يأكُلهنَّ سبعٌ عِجاف وسبع سُنبلاتٍ خُضرٍ وأُخر يابسات وقد فسَّر يوسف الحلم بأنّ هناك سبع سنواتٍ قادمة ستمنح الأمة محاصيل وخيراتٍ ستزيدُ عن حاجتها الآنيّة وأنّ بإمكان مصر توفير أكبر قدر ممكن لأنّ السنوات السبع التالية لها ستكون سنواتِ جفاف وستُعاني مصر كلها والبلاد المجاورة من المجاعة والقحط. فقد كانت الرسالة واضحة (وفِّروا ما استطعتم خلال السنوات السبع الأولى حتى تتفادوا المجاعة في السنوات السبع التي ستلي وسيجلب ربُّ العزّة في آخرها الرحمة وخيرات أخرى). وبلا شك فإنّ هذا التفسير قد فسَّره رسولٌ من رُسل الله بالرغم من أنّ الحلم شاهده شخصٌ آخر ولكن لا يمكن أن يوصف هذا الحلم بأنّه تعبير الملك لأنّ الرموز التي شاهدها في الرؤية كانت مستحيلة الفهم من قِبل الناس من حوله. ومن الصعب القول بأنّ الملك اختلق ذلك لأنّ هذا الحلم يتعلّق بالخبرات الخارجيّة التي يمكن أن يشترك فيها ليس فقط أهل مصر.. بل الذين يعيشون بجوارها أيضًا.. إذا فهي ليست هلوسات شخصٍ مجنون.. بل هي كلامٌ إلهي.

وفي الختام أُريد أن أُلخِّص الموضوع فإنّي أوكِّد بأن تلك الخبرات الروحيّة تحدث نتيجةً لتلك الآليّة التي يشترك فيها كلُّ البشر عامة. وهذا يؤكِّد انّ الطريق متاحٌ لكل البشر لتحسين نوعيّة حياتهم والوصول إلى مرحلة الوِصال الإلهي. وكل ما يحتاج إليه الإنسان هو أن يكون صادقًا.

وإنّ وجود هذه الظواهر في حياة كل الناس يُثبت أنّ هذه التجارب ليست من اختراع الرُسل والأنبياء. وإنّ تلك الظواهر تتواجد بشكل عام في جميع المجتمعات لتشكل شاهدًا على حقيقة عدم استحالة الصلة بين الإنسان وخالقه.

ومن يملك هذه الصفة العلميّة، يكون ممن يملك جوهرًا ووعيًا داخليًّا صادقًا. فإذا كان السلوك الخارجي صادقًا (ليس من ناحية التأثير بل بشكل أصولي ذاتي) فإنّ الوعي الداخلي يكون صادقًا ومن الصعب على ذلك الوعي أن يُنتج أكاذيب.

الروحيّ والماديّ

وأما السؤال الثاني فقد تمحور حول الإشكاليّة التي يعيشها الإنسان الذي يسعى لتطوير حياته الروحانيّة بالرغم من أنّه يقضي معظم يومه بالتعامل مع أمور ماديّة؟.. فأجاب حضرته:

إنّ جواب هذا السؤال مطويٌّ في داخله فالحقيقة أن الطريقة الوحيدة ليكون الإنسان روحانيًّا هو أن يتعامل مع المواضيع ويبقى بمعزل بشكلٍ كافٍ عن التأثُّر بالحياة الماديّة عِوضًا عن التأثُّر بها.

فيوجد نوعان من البشر.. فريقٌ يؤثِّر في الأشياء من حوله بواسطة استقامته ومع هذا الفريق نجد أن المحيط أصبح أفضل بسبب تأثير هذا الفريق الجيد والقوي.

وهناك فريقٌ آخر يتجه حيث الأجواء الشيطانيّة والصداقات الخاسرة وتجد أهل هذا الفريق يبتعدون عن طريق الاستقامة إلى الممارسات الشيطانية. وهؤلاء الناس يحملون الصبغة الماديّة حيث تجدهم ينغمسون في أمور الحياة اليوميّة بشكل يُنسِيهم واجباتهم الروحيّة.

إننا نُدرك جميعًا أنّه من الصعب على الإنسان أن يهرب من تواصله اليومي وحتى أنّ رُسل وأنبياء الله يتعاملون ماديًّا يوميًا في حياتهم… فهم يتزوَّجون ويأكلون ويسيرون في الطُرقات.. ومن المستحيل نسخ وإبطال ارتباطهم بالعالم المادي ولكن ما يُميّز كل إنسان منهم هو هذا الطريق الذي يجب أن نسلكه.

وقد تحدَّث مولانا (الرومي) وهو كان واحدًا من أعظم الصوفيّين في الإسلام عن هذا الموضوع في إحدى قصائده، وقد وصف ظاهرة الاتصال تلك بالذي يحدث بين القارب والماء.

وما قصده مولانا (الرومي) بأنك لا يمكن أن تتخيّل قاربًا بدون ماء.. إنّ أي شيء يقبع دون فائدة على اليابسة لا يمكنه أن يكون قاربًا حتى تجد ما يزامله ويرافقه، على الأقل يمكنك أن تملك ذلك الرابط الذهني العقلي لذلك الشيء مع الماء. لذلك على القارب أن يجد النظير الذي هو الماء، ولطالما بقيَ القارب في الماء فهذا احتكاكٌ جيد.. ولكنه عندما يغرق فلن يكون قاربًا.

إذا هذه هي حالة الحياة الماديّة هنا على الأرض حيث لا يمكنك أن تذهب بعيدًا عن الاحتكاك بالمواضيع وإلا فلن تكون بشرًا، وعليك أن تُحافظ على ذلك الاحتكاك وأنت تحكم العالم من حولك من خلال التعاليم التي تتلقَّاها من ربّك وعندها يمكنك أن تكون سيد العالَم.

عليك أن لا تسمح لنفسك أن تكون عبدًا للمواضيع الماديّة. وهكذا تظلُّ الروحانيّة في حياتنا مقيّدة في تطورها من خلال الحقل المادي والاحتكاكات الماديّة التي يعيشها الإنسان وليس عن طريقٍ آخر.

Share via
تابعونا على الفايس بوك