التكرار أم التمادي في الإنكار؟!

التكرار أم التمادي في الإنكار؟!

الأستاذ حميد كوثر

لكل سؤال جواب

 

التكرار أم التمادي في الإنكار؟!

سؤال هذا العدد يجيب عليه الأستاذ: محمد حميد كوثر[1]

السؤال  

يقول معارضو الجماعة الإسلامية الأحمدية أن هناك تكرارًا مُملا في مؤلفات مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية، فما هي حقيقة الأمر؟

الجواب

إن الكثير من تصرفات الإنسان تجاه الآخرين يحكمها عادة مشاعر الحب والمودة أو أحاسيس البغض والكراهية التي يشعر بها الإنسان تجاه من يتعامل معه.

فالزوجة المحبة لزوجها لا تمل أبدا من سماع كلمات الحب من زوجها مهما تكررت تلك الكلمات، وهو لو توقف عن ترديد وتأكيد محبته لها ظنت أنها لا تشغل في قلبه المكان اللائق بها. والأم الحنون لا تمل أبدا سماع صوت طفلها الحبيب حينما ينطق بأجزاء من كلمات قد لا يفهمها الآخرون. ولكنها تفضل سماعها من طفلها وتصغي له وتحادثه وتناجيه. أما اللص الذي يسطو على دار أو على مؤسسة مالية، فإن أبغض الأصوات عنده صوت سيارة الشرطة وهي تطارده.

كذلك فإن المؤمن الورع التقي الذي يقرأ كلام الله تعالى في القرآن المجيد لا يمل أبدا من تكرار قراءته، ويحرص على قراءته في ورد يومي، وإذا ما فرغ من قراءة القرآن كله.. أعاد القراءة منذ بداية سورة الفاتحة، حتى إن بعض الناس يحفظون القرآن بسبب تكرار قراءتهم له. أما أعداء الإسلام ومعارضوه.. من أمثال تلك المؤسسة النمساوية التي تطلق على نفسها اسم نور الحياة

(Light of Life) فهي ترى أن في القرآن تكرارا مملا. وهذه المؤسسة لا علاقة لها بالنور ولا بالحياة، فهي تعمل في الظلام. وقد أصدرت كتابا تنتقد فيه القرآن انتقادات بغيضة، لا تقوم على أساس من عقل أو منطق. ويقول ذاك الكتاب الوقح عن القرآن المجيد:

“… فيه تكرار لفظي بلا فائدة كما في سورة الرحمن، وفيه تكرار معنوي كقصة موسى وعيسى، فإنهما كُررتا في مواضع شتى، وأي خلل أعظم من التكرار الممل؟” (ص 20)

وهؤلاء الذين يتطاولون على الإسلام وعلى كتابه المجيد.. الأولى بهم أن يستفيدوا من المثل القائل: “من كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة”. إذ يبدو أن هؤلاء لا يفهمون أن قَصَصَ القرآن الكريم ليس مجرد حكايات تُحكى وروايات تُروَى عن أحداث وقعت في الزمان الماضي، وإنما هي عبرة لأولي الألباب كما يقول تعالى:

لَقَدْ كَانَ فيِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْباب مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (يوسف: 112)

ولكن أين لهؤلاء أن يكون لهم ألباب أو عقول أو قلوب يفقهون بها؟ إن الكراهية التي تملأ قلوبهم قد أعمتهم تماما فلا يرون أن وقائع تلك القصص التي وقعت في الزمن الماضي هي بمثابة أنباء تتحقق في المستقبل أيضا في ظروف تتشابه مع ما وقع في الماضي. ولذلك كلما تعرض المسلمون لموقف من المواقف يتشابه مع ما وقع في الماضي كان الله تعالى يقص ما حدث في الماضي من انتصار للحق على الباطل، أو من تحمّل المؤمنين وصبرهم وثباتهم في وجه الظلم والطغيان، أو ما سوى ذلك من الأحداث ليربط على قلوب المؤمنين، ويبشرهم بالنصر المرتقب.

والناس بعادتها تردد ذكر الأمثال الشعبية التي تعبر عن مواقف معينة، وكلما تكررت تلك المواقف ردد الناس المثل ليأخذوا منه العبرة في ظروفهم الجارية، وليس في ترديد المثل أيّ تكرار ممل. وفي الحالة التي نحن بصددها فإننا نلفت أنظار هؤلاء المتخرصين الذين يزعمون أن في القرآن تكرارًا مملا، فنكرر لهم المثل القائل: لا تقذفوا الناس بالحجارة وأنتم بيوتكم من زجاج هش، حينما ينفخ عليه الإنسان ينهار على رؤوسكم، وإلاّ فأخبرونا ما هي الحكمة من هذا التكرار الممل الذي تحتويه أربعة من الأناجيل يحكي كل منها نفس القصة الكئيبة عن إله أو ابن إله صار بشرا لأنه لا يستطيع أن يغفر خطايا عباده إلا إذا طبق العقاب أولا، واشترط لمغفرة الخطايا أن يسفك دم، أي دم.. حتى ولو كان دم ابنه!! إذ يبدو أنه يرى السعادة في سفك الدماء.. حتى ولو كانت تلك الدماء هي دماء الأبرياء!! هذا الإله الذي يزعم أنه لا بد من إنزال العقاب حتى يتحقق العدل، مع أنه يوافق على إنزال العقاب ببريء ولا يرى في ذلك مجافاة للعدل!! وذلك لأنه بحكمته الضحلة وتفكيره السقيم قد وضع من القواعد والقرارات ما جعله لا يستطيع أن يغفر بغير أن يُعاقب، ولما أدرك أن توقيع العقاب يقتضي أن يموت ويفنى الجنس البشري بأكمله، وكان هذا يتعارض مع إرادته، وقع في حيص بيص، ولم يعرف كيف يخرج من هذا المأزق الحرج الذي وضع نفسه فيه.. فمن ناحية هو يريد أن يغفر للناس ذنوبهم، ولكنه عاجز عن أن يغفر هذه الذنوب بغير أن يقضي عليهم ويُفنيهم، فيهرع ابنه إليه لتخليصه من مأزقه، ويقول له يا أبتي.. ما دمتَ مُصرا على توقيع العقوبة، وتشعر أنك عاجز عن تغيير القواعد الخاطئة التي وضعتها لمغفرة الخطايا، وحيث إنك ستشعر بارتياح عميق حينما ترى الموت وسفك الدماء، فها أنذا أمامك.. وقّع عليّ أنا العقوبة، واسمح لأعداءك أن يسفكوا دمائي، حتى تستطيع أن تخرج من مأزقك وتغفر لهؤلاء العباد المساكين.. الذين ليس لهم من ذنب سوى أنك خلقتهم، وكتبتَ عليهم أن يرثوا خطية لم يرتكبوها. فينزل الابن إلى العالم ويُعلّم الناس المغفرة، ويشجعهم على أن يغفروا خطايا أولئك الذين يسيئون إليهم، فهو لا يريد لهم أن يكونوا مثل أبيه.. عاجزين عن مغفرة الخطية بغير توقيع العقوبة. وهو أن يتمادى في حثهم على المغفرة حتى إن أحدا من الناس يسأله.. هل أغفر لأخي إذا أخطأ في حقي سبع مرات؟ فيقول له: لا أقول لك سبع مرات بل سبعين مرة سبع مرات. وكأن لسان حاله يقول: إنك يا صديقي لا تعلم ما جرّه عليّ العجز عن مغفرة الخطايا بغير توقيع العقوبة.. فعوّد نفسك على مغفرة الخطايا حتى لا تكون مثل أبي الذي يُصر على توقيع العقوبة أولا.. لأنه لا يستطيع أن يغفر خطية واحدة فقط ارتكبها آدم.

ولعل المجال لا يتسع هنا للاسترسال في سرد أحداث هذه المأساة، ومما يزيد الأمر بؤسا أن تحكيها لنا أربعة من الأناجيل بتكرار ممل بل ومقيت، ليس له هدف ولا مقصد سوى أن بعض الناس من بين الباباوات والقساوسة في الإمبراطورية الرومانية قد قرر أن يجعل من هذه الأناجيل الأربعة كتبا مقدسة!!

ثم نأتي إلى معارضي الأحمدية الذين يزعمون أن في كتب سيدنا أحمد تكرارًا مملاً، ونسألهم.. ألم يطلعوا على كتب الأحاديث النبوية؟ ألم يقرأوا كتاب صحيح البخاري وهو أصح الكتب عند المسلمين بعد كتاب الله؟ ألم يلحظوا فيه تكرار الأحاديث أكثر من مرة برواة مختلفين مما يدل على أن أولئك الرواة سمعوها من سيدنا رسول الله أكثر من مرة؟ فلماذا لم يعترضوا على هذه الكتب؟ ولماذا خرست ألسنتهم وسكتت عن توجيه الطعن والانتقاد إليها؟ أم أنها الكراهية التي تملأ قلوبهم وتعميهم عن رؤية الحق كما أعمت أصحاب مؤسسة “نور الحياة” النمساوية؟

لقد نشر سيدنا أحمد 84 كتابا في اللغات الأردية والعربية والفارسية، بالإضافة إلى الآلاف من الأبيات الشعرية في هذه اللغات الثلاث. وهو ليس مؤلف قصص وروايات، ولا كاتب مسرحيات أدبية، وإنما هو نبي خادم تحت شريعة الإسلام والبركات التي حاز عليها كانت نتيجة لاتباعه للنبي الكامل سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. سواء اعترف معارضوه بذلك أو لم يعترفوا.. وهم لا يسعهم إلا أن يُقرّوا.. على الأقل.. أنه كان يظن ذلك في نفسه. وعلى هذا فمسؤوليته أن يخاطب العالم والجاهل، ويدعوا المسلم وغير المسلم، ويُبلغ القاصي والداني. وهو حين ينشر كتابا لا يعرف من الذي سوف يقرأه، فلا بد من تكرار الموضوعات، ولا بد من الشرح والتذكير، والقرآن يحض على مداومة التذكير فيقول:

وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (الذاريات: 56)

أما كونهم يشعرونْ بأن التكرار كان مملاّ، فهذه مسألة تتوقف على تذوق كل إنسان.. وعلى ما يعتمل في قلبه من حب أو من بغض.. ونحن لا يسعنا إلا أن ندعوا لهم.. حتى ينقشع البغض من قلوبهم وتمتلئ تلك القلوب بالمحبة، وتزول الغشاوة من على أعينهم وتتزود تلك العيون بالبصيرة. حينئذ سوف يدركون قيمة هذه الكنوز التي تركها لنا سيدنا أحمد ، وسيتناولون طعاما شهيا من تلك المائدة الدسمة التي نصبها لنا ودعانا إليها، وسيشربون رحيقا عذبا من شراب الحكمة والعرفان. وعند ذاك.. لن يكون هناك ملل أبدا من دوام التكرار.

[1] داعية إسلامي أحمدي

Share via
تابعونا على الفايس بوك