وسائل التواصل الاجتماعي وخرافة الحياة المثالية

وسائل التواصل الاجتماعي وخرافة الحياة المثالية

زوية أحمد

زوية أحمد

  • ماذا يعكس تطلعنا الفطري نحو الكمال؟
  • هل لما يعرضه المشاهير من مظاهر جودة الحياة على صفحاتهم الشخصية وحود حقيقي في عالم الواقع؟
  • علام تدل حوادث انتحار عدد من مشاهير مواقع التواصل إذا كانوا قد حققوا كما يقال معايير الحياة المثالية؟

____

وصف الظاهرة بمنتهى الحياد

وسائل التواصل الاجتماعي هي قوة لا يمكن إنكارها، فقد اجتاحت العالم على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية. يمكن تعريف الوسائط الاجتماعية بشكل عام على أنها المواقع والتطبيقات الالكترونية التي تمكن المستخدمين من إنشاء محتوى ما ومشاركته أو المشاركة في شبكات التواصل الاجتماعي. كانت وسائل التواصل الاجتماعي في السابق مقتصرة على عدد قليل من المواقع، وهي Myspace و Facebook لكنها توسعت منذ ذلك الحين لتشمل مئات التطبيقات ومواقع التواصل المختلفة. لقد أصبح الانترنت منفذًا للناس من جميع الأعمار والفئات ، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من المجتمع المعاصر كما نعرفه اليوم.

لها إيجابيات قطعا

ما دامت ظاهرة وسائل التواصل الاجتماعي اجتاحت العالم في العقد الماضي ، فقد جلبت معها بلا شك العديد من الجوانب الإيجابية، فهي تتيح للأفراد من جميع أنحاء العالم التواصل والتعلم والاستلهام من بعضهم بعضًا.

ولكن.. لا تخفى سلبياتها!

الغريب في أمر وسائل التواصل الاجتماعي، التي بات اسمها هذا على غير مسمى، أن أغلبها، تم إنتاجه لغايات خبيثة، سواء بمبادرة أفراد، أو برعاية مؤسسات وحكومات، فمن منا لا يعلم يقينا أن تطبيق facebook تم إطلاقه للتجسس؟! وهو الذي بسببه نشبت أشد الفتن السياسية في الشرق الأوسط، فيما يسمى كذبا بالربيع العربي. لقد اعترف صاحب هذا التطبيق ومطوره بالأغراض الخبيثة التي دُشن لأجلها، والشريحة العظمى من مستخدميه على علم تام بخطورة استخدامه والعكوف عليه طويلًا، ومع ذلك تراهم يردونه كل يوم ينهلون منه نهلا، بحيث لا يمكنك أن تجد وصفًا أبلغ من أنهم شَارِبُونَ مِنَ الْحَمِيمِ، فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ! نعم، لقد أدركوا مضار الأمر، وعلى الرغم من هذا هاموا فيه وشغفوا به حتى لا يملكون منه فكاكًا. كل ذلك يدفعنا دفعًا للتساؤل عن السِّر الخفي وراء تغيُّر مسار الابتكارات والمخترعات البشرية العظيمة، وكيف تحولت عبر الزمان من وسائل تيسير للحياة البشرية إلى سُمٍّ زعاف كاف لتدميرها والقضاء عليها! لا بد لنا إذًا من القول بأن كثيرا من المستحدثات والرفاهيات عبر العصور إنما تحولت إلى معاول هدم، وابتعدت عن أداء وظيفتها التي وُضِعت لأجلها، نظرا إلى ابتعاد البشرية (على إطلاقها) عن الغاية التي من أجلها خُلِقت(1).

من راقب الناس مات همًّا وغمًّا

هذا العنوان الفرعي حكمة عربية قديمة في الواقع، وقد أثبتت هذه الحكمة صلاحية تامة للتطبيق في عصر وسائل التواصل الاجتماعي بشتى صورها، فقد باتت هذه الوسائل سبيلا للمقارنة، مع أن المقارنة فخ من السهل الوقوع فيه، حسبما وصفها تقرير نشرته وكالة الأنباء الألمانية DW على صفحتها العربية، وذكر التقرير للمقارنة عشرة سلبيات تجعل منها فخا بكل ما لكلمة «فخ» من معان، وسلبيات المقارنة تلك هي:

  1. دائرة المقارنات لا تنتهي فستجد دوما من هو أفضل منك، لذا فإضاعة الوقت فيها مسألة غير مجدية إذ لا نهاية لها.
  2. ما يحدث في المقارنة هو أننا نضع نقاط ضعفنا في مواجهة نقاط قوة الآخرين، وهذا التصرف ظلم للنفس لما فيه من تجاهل نقاط قوتنا والتركيز فقط على نقاط ضعفنا.
  3.  تعتمد المقارنة على رصد نقاط قوة الآخرين الظاهرة لنا وهو خطأ كبير فالسعادة الظاهرية ليست بالضرورة مؤشرا على الحال العامة للإنسان.
  4. من يشغل نفسه بمتابعة أحوال الآخرين، يضيع على نفسه فرصة الاستمتاع باللحظة الراهنة.
  5. الانشغال بمقارنة أنفسنا بالآخرين يؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية بشكل يظهر على الوجه وبالتالي من يقارن نفسه بالآخرين يفقد جاذبيته.
  6. من يقع في فخ المقارنة ينسى حقيقة مهمة وهي أن الحياة ليست سباقا مع الآخرين.
  7. لكل شخص نقاط قوته الخاصة به والانشغال بمتابعة أحوال الآخرين، يضيع عليه فرصة إبراز نقاط قوته تلك.
  8. يقول الأطباء أن الجهد النفسي المبذول في المقارنة مع الآخرين، يضع المقارِن تحت ضغط عصبي كأنه في حال منافسة دائمة وهو أمر يعني التوتر العصبي المستمر.
  9. إذا كنت في بداية حياتك العملية فمن غير المنطقي أن تقارن نفسك بزميل له خبرة سبقتك بأعوام، لأنك في هذه الحالة تتجاهل أنه هو أيضا بدأ من الصفر في يوم من الأيام.
  10.  ثمة حقيقة يمكن أن تريح من يستوعبها من المقارنة مع الآخرين، وهي أننا ولدنا جميعا عراة وسنموت وندفن في التراب في يوم ما، وبالتالي لا جدوى من إضاعة الوقت بين الميلاد والموت في التوتر العصبي غير النافع.(2)

وبهذا الصدد ثمة آيتان من آيات الذكر الحكيم تحلان هذه القضية من جذورها، حيث يقول تعالى في الآية الأولى منهما:

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (3)..

فتنهانا هذه الآية الكريمة من الذكر الحكيم عن أن نضع أنفسنا في موضع المقارنة الظالمة مع الآخرين، وفي مقابل هذا النهي تأمرنا الآية التالية لها مباشرة بسلوك السبيل الأجدى، وهو سبيل الدعوات من أجل تحقيق الأمنيات، الأمر الذي نفهمه من قوله تعالى:

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (4) 

التطلع نحو الكمال 

من منا لا يسعى إلى أن يبلغ المستوى الأفضل في كل شيء؟! قطعا لا أحد، إلا من رضي بالدَّنِيَّة، وهذا الصنف من البشر مذموم بالكلية، حتى إن القرآن الكريم ذكرهم في سياق المذمة فقال:

إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (5)..

والسعي نحو تحقيق الأفضل ندعوه أيضًا بالتطلع نحو الكمال أو تحقيق النموذج المثالي، وهو أمر محمود ما دمنا نمارسه سالكين السبيل المناسب له بعيدا عن المقارنة الظالمة التي أسلفنا الحديث عنها، وإلا فإن هذا التطلع نحو المثالية والكمال سيكون أشبه بممارستنا رياضة رفع الأثقال ببنية هزيلة، لا شك أن العواقب حينئذ تكون وخيمة. فقد أظهرت الدراسات أن هذا التركيز على المثالية يمكن أن يكون له تأثير على الصحة البدنية وكذلك الصحة العقلية. أظهرت الدراسات أنه يمكن أن يؤدي ذلك إلى التوتر البدني والصداع والأرق وتدهور الصحة العامة مع مرور الوقت. وعلى الصعيد العقلي، يمكن أن يؤدي ذلك إلى الاكتئاب والقلق واضطرابات في الأكل والتدهور العام في المزاج.

لا شك أن عنصر التقدير من الأهمية بمكان بحيث لا نستغرب إذا عرفنا أنه سبب في أن يترقى المرء في مجالات الحياة من دراسة وعمل وعلاقات اجتماعية، أو يخر، لا سمح الله، إلى أسفل سافلين.. وكم من تلميذ كان مستقبله مرهونًا بعنصر التقدير هذا، فمنهم من تفوق بسبب كلمة تشجيع، ومنهم من ضلَّ وخاب بسبب التوبيخ، لقد بات هذا من الأمور التي لا جدال فيها باعتبارها من بديهيات التربية.. بالطبع لا نهدف من هذه المقدمة إلى تعليق مسؤولية النجاح أو الفشل على عامل التقدير فقط، ولكن الهدف هو بيان مدى أهمية هذا العامل في تشكيل شخصيات أولادنا، لا سيما في مرحلة المراهقة التي تعد من أخطر المراحل العمرية، لما يعتري أولادنا فيها من تقلبات ومؤثرات نأمل أن يجتازوها بسلام.

لقد أدركوا مضار الأمر، وعلى الرغم من هذا هاموا فيه وشغفوا به حتى لا يملكون منه فكاكًا. كل ذلك يدفعنا دفعًا للتساؤل عن السِّر الخفي وراء تغيُّر مسار الابتكارات والمخترعات البشرية العظيمة، وكيف تحولت عبر الزمان من وسائل تيسير للحياة البشرية إلى سُمٍّ زعاف كاف لتدميرها والقضاء عليها!

انتحار سعداءفيس بوك”!

لله در الشاعر أبي القاسم الشابي حين قال:

ولولا شقاء الحياة الأليم لما أدرك الناس معنى السعود

ومن لم يرعه قطوب الدياجير لم يغتبط بالصباح الجديد(6)..

والحديث عن الحياة المثالية وفق تصور رواد مواقع التواصل الاجتماعي هو ضرب من الخرافة، لا سيما في هذا العالم الذي من صفاته التقلب المستمر بين الشقاء والنعيم، وهنا تحضرنا حكاية عن أحد ملوك الهند الذي طلب من وزير له أن ينقش له عبارة على خاتمه لو قرأها حين حزنه فرح ولو قرأها حين فرحه حزن، فما كان من الوزير الحكيم إلا أن نقش على الخاتم عبارة “هذا الوقت سيمضي”. ويُفهم من هذه الحكمة ببساطة أن السعادة لا تدوم وكذلك الحزن، والوقت كله سيمضي بمره وحلوه، وأن الحياة المثالية بالمفهوم العصري مجرد خرافة.

غير أن للمثالية مفهوما حقيقيا وواقعيا مارسه الإنسان الكامل، حضرة خاتم النبيين ، والذي عاش أيام حياته متقلبا، كإنسان طبيعي سوي، بين السعادة والشقاء الذي تفرضه ظروف الحياة، بل لا يكون للسعادة أي معنى لولا هذا الشقاء الذي نذوقه بين الفينة والفينة، ومن المفارقات أنه صاحب قائمة متابعين مليارية، دون تقديم صورة زائفة واحدة كما يفعل أغلب رواد وسائل التواصل الاجتماعي المعاصرين.

وبهذا الصدد يحاول “كاتفيش” وهو مسلسل تلفزيوني وثائقي أمريكي قائم على الواقع، يحاول فضح الأشخاص الذين يتواصلون باستخدام ملفات تعريف مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي. يوضح هذا المسلسل الطريقة التي تسيطر بها وسائل التواصل الاجتماعي على حياة هؤلاء الأشخاص وكيف تؤثر عليهم وعلى الآخرين ممن حولهم.  هناك أيضًا أفراد يحتفظون بهويتهم ولكن يظهرون حياة أو شخصية سطحية ومزيفة.

إن العديد من هؤلاء هم من الشخصيات المشهورة على منصات التواصل الاجتماعي والذين جمعوا آلاف المتابعين، هؤلاء الأفراد يولون لصورهم عناية فائقة، ويتجنبون نشر صور توثق للحظات سيئة في حياتهم أو يبدون فيها بملابس زهيدة القيمة، ولا يبدو أن لديهم عيبًا جسديًا أو مشكلة في حياتهم اليومية. وضع هؤلاء المؤثرون والمشاهير معيارًا لا يمكن الحصول عليه، وبالتالي ضغطوا على المراهقين لتقليد هذه المعايير المستحيلة. في الآونة الأخيرة ، ظهر العديد من المشاهير أو المؤثرين الذين أنشأوا محتوى لإظهار أن الحياة التي كانوا يعرضونها على وسائل التواصل الاجتماعي هي حياة مزيفة ولا تعكس حياتهم الحقيقية. وسط هؤلاء، نشر تشارلي دوسن، وهو مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي ويوتيوب، نشر مقطع فيديو يوضح أن الذي شاهده الناس في مقاطع الفيديو الخاصة به ليس هو شين الحقيقي.

إن وراء هذه الواجهة المزيفة، يقف شخص غير سعيد مائة بالمائة، وربما غير سعيد على الإطلاق. وقد رأى العديد منا مثلا شخصا كـ “إسينا أونيل” وهي مراهقة أسترالية لديها قائمة متابعين على “أنستغرام” تتخطى حاجز النصف مليون متابع، واشتهرت بمشاركة صور “حياتها المثالية”، قامت تلك الفتاة مؤخرا بترك منصة “أنستغرام” ووصفتها بأنها “الكمال المفتعل من أجل جذب الانتباه”، وحذفت جميع تلك الصور، وأجهشت بالبكاء قائلة أن “هذا كله ليس حقيقيًا”.

إذا نظرنا إلى القضية من منظور مجتمعي أوسع، وبعيدا قليلا عن وسائل التواصل الاجتماعي، سنرى أن أعلى نسب انتحار هي تلك المرصودة في البلدان ذات الرفاه المعيشي المرتفع مقارنة بالدول الفقيرة، مما يعني أن الحياة المثالية الخالية من المتاعب مجرد قول عابث حقا.

الهوامش

  1. مجلة التقوى، افتتاحية عدد أكتوبر 2018، بعنوان «وسائل التباعد الاجتماعي»
  2. (طه: 132)
  3. (طه: 133)
  4. (يونس: 8)
  5. أبو القاسم الشابي، ديوان شعر “أغاني الحياة”، قصيدة “حديث المقبرة”
Share via
تابعونا على الفايس بوك