محمد ﷺ جامع كمالات النبيين، نظرة في معنى الخاتمية

محمد ﷺ جامع كمالات النبيين، نظرة في معنى الخاتمية

حلمي مرمر

كاتب
  • فما معنى الخاتمية إذن إن لم تكن توقُّف تيار إرسال السماء لهدي الأرض؟
  • وما علاقة ختم النبوة بكمالات النبيين السابقين وصفاتهم الفضلى؟

______

ورد في كتاب الله الخاتم، القرآن الكريم، الذي لا كتاب بعده قوله :

مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا. (1)

وكان قد غلب على ظن أكثر الناس، وقد كان منهم كاتب المقال، أن تلك الآية الكريمة لا تفيد إلا أن محمدا هو آخر النبيين مبعثا، ولا تزيد، وظللنا على ذلك زمانا، إلى أن أراد الله أن يفتح لنا بابا هو أشرف الأبواب، باب المسيح الموعود ، حيث تبين لنا أن الأمر لا يتوقف عند مجرد كونه عليه الصلاة والسلام آخر النبيين المشرعين فلا شريعة بعد شريعة الإسلام فحسب، وآخر النبيين فلا نبي بعده ينسخ نبوته، وكتابه آخر الكتب فلا كتاب لأهل الأرض بعده، وأن الدين الذي جاء به هو آخر الأديان فقط، وإنما تجد المسيح الموعود يقول: «والله تعالى كشف علينا حقيقة ختم النبوة بحيث نجد من شراب المعرفة الذي سُقينا إياه لذةً لا يتصورها أحد إلا الذين سُقوا من هذا النبع.» (2)

فلم يكن منتهى معنى الخاتمية متوقفاً عند معنى الآخرية كما توهم أصحاب الفكر التقليدي، الذين لم يكونوا يرون في معنى الخاتمية إلا كون الرسول محمد آخر النبيين فحسب، إنما كان له آفاق أرحب، ومعاني أسمى، كان مفهوم الخاتمية الذي أهداه المسيح الموعود للعالم بالمجان هو حيازة كامل الفضائل، وبلوغ منتهى درجات السلوك إلى الله المالك، وأن كل ما كان لنبي فقد كان له على نحو أرقى، حتى أن كل نبي من أنبياء الله لم يكن إلا قبسا من سراج محمد ، ولم يعد مستساغا بالمرة تفرد أحد أنبياء الله بآية لم تكن لمحمد ، إنما كان له عليه الصلاة والسلام ما كان للأنبياء مجتمعين بصورة لم يكن لأي منهم ـ رغم علو درجاتهم ـ أن ينال منها كما نال محمد ، حيث يقول المسيح الموعود في موضع آخر يميط اللثام عن معنى ختم النبوة. «الحق دون أدنى شك هو أنه لا أحد من الأنبياء يمكن أن يتساوى بصورة حقيقية مع النبي في كمالاته القدسية، حتى لا مجال للملائكة أيضا للتساوي معه ناهيك عن غيرهم.» (3)، هذا هو مفهوم ختم النبوة كما علمناه إياه المسيح الموعود ، ولو كنا قد نلنا من العمر ما يجعلنا معمَّرين إلى آخر الدهر ما أدركْنا هذا المفهوم وما شممنا ريحه، لأنه ما كان لغير من يستنير بنور وحي الله أن يدركه.

قضية التعليم

قد يظن ظانٌّ أن الله لم يُعلّم أحدا من الأنبياء الأسماء كلها إلا آدم، ولكن هذا الظن في غير محله، لأنه تعالى علم سيدنا محمدا الأسماء كلها على وجه أسمى، لذلك قال : «أوتيت جوامع الكلم»(4)، فإن كان آدم لم ينل من التعليم الإلهي سوى الأسماء، إلا أن خاتم النبيين آتاه الله الجوامع من الكلم، بأسمائها وأفعالها وأحرفها ومصادرها وظواهرها وبواطنها وكل ما يكون لها. وإن كان قد أعان نبيه إدريس على التعلم والدراسة فقد تولى هو وحده تعليم نبيه محمد  إذ قال له في أولى كلمات أوحاها إليه:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق (5)،

وإنْ وصف أيوب في القرآن الكريم أنه كان صابرا، فقد جعل نبيه محمدا يضرب للعالمين المثل الأعلى في الصبر بما لا يبلغه إنسان، فعاش في مكة هو وأصحابه حياةً كالموت، وإن شئت فقل: إنهم ماتوا لتوهب لهم الحياة، ولم يوجِّه إليهم سـبًٌّ ولا شتمٌ، ولم يُلقِ عليهم حجر، ولم يُغْرِ أصحابه الذين كانوا يُسحَلون في شوارع مكة وجبالها وعلى رمالها المحرقة تحت شمسها المتسلطة بلا هوادة ولا هدنة، وظل يضرب المثل الأروع في الصبر مدة حياته لم يتخلَّ عنه طرفة عين، وإن كان سبحانه قد رفع إدريس مكانا عليا، فقد تجاوزه محمد حتى بلغ سدرة المنتهى التي لم يبلغها الروح الأمين.

فلم يكن منتهى معنى الخاتمية متوقفاً عند معنى الآخرية كما توهم أصحاب الفكر التقليدي، الذين لم يكونوا يرون في معنى الخاتمية إلا كون الرسول محمد آخر النبيين فحسب، إنما كان له آفاق أرحب، ومعاني أسمى، كان مفهوم الخاتمية الذي أهداه المسيح الموعود للعالم بالمجان هو حيازة كامل الفضائل، وبلوغ منتهى درجات السلوك إلى الله المالك

مواقف إبراهيمية وقعت لسيدنا محمد

وإن كان إبراهيم قد كسَّر أصنام قومه وأهل بيته لينجيهم من فتنة عبادتها، والتذلل لها، فقد كسر محمد أصنام الكعبة التي كان يحج إليها ويعبدها العرب أجمعين، وإن كان قومه جمعوا له من الحطب مرة، فقد كانت امرأة أبي لهب وهي سيدة القوم وامرأة سيد القوم (حمالة الحطب) توقد نار الفتنة له ولمتبعيه معه فلا تكاد تنطفئ إلا وتزكيها بمزيد من الحطب، ولا تفتر ولا تكل ولا تنقطع، حيث كان شريكها أبا لهب، فقد كانت تجمع الحطب لتزكي ناراً يشعلها أبو لهب، وإن كان إبراهيم قد أحيا أربعة من الطير هم إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف، فإن محمدا قد فارق الحياة لحظة فارقها وقد أحيا آلافا من الطير الذين غدوا معلمين للبشرية من بعده قد انطلقوا في الآفاق دون أن يدعوهم أحد يعلّمون الناس التوحيد، وليس ذلك فحسب، إنما كان كل عالم من أمته مساوياً لأحد أنبياء بني إسرائيل، وقد بلغوا حدا يفوق الإحصاء.

العفو اليوسفي أم المحمدي؟!

وإن كان يوسف قد كاد له حفنة من إخوته كيدا فأرادوا أن يقتلوه، ثم استقر به المقام في بئر ثلاثةَ أيام، ثم مكّن الله له فصار أمينا على خزائن مصر، يطعم أهلها ومن لاذ به من بعض القبائل المجاورة، فإن محمدا قد كادت له كيداً مدينة بعدتها وعتادها وصغيرها وكبيرها، فكادوا أن يثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، وكان خلْفهم من خلْفهم، ثم استقر به المقام هو وصاحبه ثاني اثنين إذ هما في الغار ثلاثة أيام، ثم مكّن الله له فصار أمينا على خزائن الكون يعطي من أحب ومن لم يحب من العالمين

إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

ولم يشترط أن تكون الصدقات قاصرة فقط على من تبعه من المؤمنين، إنما لكل من كان من بني آدم، وقد أدرك ذلك عمر بن عبد العزيز بعد عقود من الزمان، فراح بعدما اكتفى المسلمون ـ يزوج غير المسلمين، ويقضي ديون غير المسلمين، ويدفع الفدية عن غير المسلمين، حتى إنه أرسل من ينثر الحبوب على أعالي الجبال وفي الغابات والصحارى، حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين

محمد أحيا آلاف الأنفس، ولا زال..

وإن كان عيسى قد أحيا بعض الحواريين، فقد أحيا محمد في حياته فقط ما يزيد على مائة وخمسين ألفا من أموات القلوب، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وقال تعالى في ذلك:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.(7)

وإن كان عيسى قد خلق من الطين كهيئة الطير، فماذا نسمي أبا بكر الذي كان مجرد تاجر مغمور في مكة؟ وماذا نسمي عمر الذي كان يرعى الإبل للقوم نظير بعض الدراهم؟ وماذا نسمي عثمان الذي كان ـ مع نقاء فطرته ـ تاجرا غارقا في بحر لُجِّيٍّ من جمع المال واكتناز الذهب واقتناء الجواهر؟ وماذا نسمي عليا الذي بلغت مغالاةُ بعض من عشقوه أن جعلوه إلها أحيانا؟ وماذا نسمي جمعا غفيرا من الصحابة الذين لم يكن لهم نصيب من ذكر في الحياة لولا انضواؤهم تحت جناح سلطان روح محمد الطاهرة؟ ماذا نسمي هؤلاء جميعا بعد أن كانوا ما كانوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه؟

وإن كان عيسى قد استجاب له ربه فنجاه من الصلب مرة، فإن محمدا قد استجاب له ربه فنجاه من الصلب مرات أخرى في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي حنين وفي سائر محاولات القتل التي تعرض لها، إذ كان  قومه يحاولون إثبات كذبه ولعنته، وقد أمرنا الله تعالى بالمداومة على الدعاء له بعدم تمكن أتباعه من صلبه ـ حتى بعد وفاته ـ بالمداومة على طلب الصلاة عليه من الله تعالى وجعل ذلك فرضا مفروضا في صلاتنا، فتجد كل مصلٍّ يقول في تشهده: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» بمعنى: اللهم أفشل كل محاولات أعداء محمد في إيقاع الأذى به والنيل من شرفه وإفساد دينه وتشويه أسوته وهدم صرحه الشامخ، ولا تقطع وصلك عنه وعن أتباعه وآله المخلصين.

محمد أيضا.. شبه لهم أنه قُتل!

لقد اشتبه على الناس موت المسيح على الصليب، والتبس عليهم موت محمد في أُحد، فظنوا أن المسيح قد مات وذهبوا به إلى قبره فدفنوه، وقد أّثلجت صدور اليهود بهذا النصر الزائف، إذ برهنوا به كذب المسيح وكذب نبوته فيما بينهم، وظن مشركوا مكة وفاة محمد في تلك الغزوة وعادوا إلى ديارهم يحتفلون بالنصر على محمد وإفشال دعوته، ليؤكدوا للناس أنه ليس نبيا مرسلا من الله كما كان يدعي، إذ لو كان ادعاؤه بالنبوة صحيحا لحفظه منهم كما كان يدندن دائما، وكأن الله تعالى قد دبر أحداث غزوة أُحد وما حدث فيها من اشتباه موت الرسول على القوم مؤمنهم ومشركهم، ليكون دليلا على ما حدث للمسيح في حادث الصلب الذي اشتبه عليهم، فيكون الحاضر دليلا على الغائب، ويكون المشهد شاهدا على الخبر، وتكون هذه كتلك، وما أشبه الليلة بالبارحة!

من أجل ذلك كان محمد خاتم النبيين، فلم تكن كل نبوة إلا جزءا من نبوته، ولم يكن حدثٌ من الأحداث التي مر بها الأنبياء إلا مر به، ولم تكن لهم فضيلة إلا بلغ الغاية القصوى فيها، ولم يكن لهم مرقىً رقوا إليه إلا رقى أرقى منه، وإن كان هو اللبنة التي لم يكن للبناء إلا أن يتم إلا بها، إلا أنه كان كل اللبنات في الحقيقة، فإن كل لبنة من لبنات الأنبياء لم تكن إلا جزءا من صرحه الشامخ .

الهوامش:

1 – (الأحزاب: 41)

2 – مرزا طاهر أحمد، المفهوم الحقيقي لخاتم النبيين

3 – مرزا غلام أحمد القادياني، البراهين الأحمدية، جـ 1، ص 268

4 – صحيح مسلم

5 – (العلق: 2)

6 – (التوبة: 60)

7 – (الأنفال: 25)

 

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via