المغالاة في العقلانية والإنسانية

المغالاة في العقلانية والإنسانية

هاني طاهر

__

التطرف غير محمود حيثما كان؛ فالعفو المبالغ فيه يعني أن لا تعاقِب حين تكون العقوبة رادعة وقاطعة لدابر الفساد، وهذا له آثار مدمِّرة. كما أنّ إدارة الخدّ الآخر لمن ضربك على خدك دائما وفي كل حال هو ضرْب من الانتحار وتشجيع على فساد المفسدين؛ فبعض الناس يتسلّط عليهم الشيطان، ولا حلّ إلا باستئصالهم، أما التسامح معهم والعفو عنهم فيأتي بكوارث على المجتمع.

حين نقض المسيح الموعود عددا من المفاهيم الخرافية في فهم الدين تولّد لدى بعض الأحمديين –وإن كان ذلك محدودا جدا- نزعة عقلانية فيها تطرف، حتى سمعنا أن أحدهم –المولوي محمد علي- قال إن المسيح وُلد من نطفة يوسف النجار، خلافا للآيات القرآنية الواضحة القاطعة. وسمعنا أن بعضا آخر يقصِر آية قطع يد السارق على القطع المعنوي.. أي وجوب تهيئة الظروف حتى تُقطع السرقة. وهناك من ينكر أنّ هناك رجمًا بأي حال من الأحوال. عدا عن إنكار وجود الشيطان، وأحيانا إنكار معجزة العصا، وما شابه. ومع أنّ المسألة ليست ظاهرة عامة، بل محدودة جدا، وبإخوة سرعان ما يتراجعون بفضل الله تعالى، إلا أنه لا بد من النصيحة.

أما الذي ننكره فهو إحياء المسيح  للموتى إحياء حقيقيًّا وخلقه العصافير خلقا حقيقيًّا، لأن هذا يتنافى مع الآيات القرآنية التي تؤكد أن الله وحده هو المحيي وهو وحده الخالق. وحين فسّر المسيح الموعود   معجزة الإحياء والخلق تفسيرا غير ما هو معروف تقليديًّا حدث خلط لدى بعض الأحمديين…. وهذا المقال لِلَفْت الانتباه إلى هذا الخطأ.

الذي يجب معرفته بمنتهى البساطة أنه لو كان في تفسير آية قرآنية أمر خاطئ جدا لدرجة أنه يسيء إلى توحيد الله تعالى أو يتسبب في قتل الناس أو قطع أعضائهم فلا بد أن يكون المسيح الموعود قد نبّه إليه؛ فإذا لم ينبّه إليه حضرته، وهو الحَكَم العدل، فلا يمكن أن يكون التفسير الجديد صحيحا.

لم ينفِ المسيح الموعود حكم قطع يد السارق في الشريعة الإسلامية، ولم ينفِ الرجم كليًّا، بل دافع عن ذلك حين كان يناقش خصوم الإسلام، فكيف يقول أحدنا اليوم إنه لا رجم مطلقا أو لا قطع قط؟ وكيف يجوز لأحمدي أن يصف هذه العقوبات بأنها قاسية في كل حال؟ نعم،  هي قاسية في حالات، وهي ليست إسلامية في حالات، ولكنها عادلة ومناسبة وشرعية في حالات أخرى. فالزاني لا بد من قتله أحيانا، وذلك حين ينشر الفاحشة.. وذلك مصداقا للآية:

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَـاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا* مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (الأحزاب 61-62)..

فهنا حكْمٌ بالتقتيل، وليس بمجرد القتل، والرجم تقتيل، والصلب تقتيل. فَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ تنطبق على الذين يشيعون الفاحشة فيها وينشرون الزنا، لأنه ليس هنالك إرجاف أشد من هذا، كما قد تنطبق على من يسعى لإشاعة روح الهزيمة ونشر الإشاعات الكاذبة لتثبيط الهمم خلال المعارك المصيرية.

فالتقتيل حكم قرآني، وهو غير القتل الذي هو حكم قرآني آخر، قال الله تعالى في آية أخرى

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (المائدة:34)..

فهنا تقتيل وتصليب.. لا مجرد إعدام سريع، بل يمكن أن يُصلب المجرم أياما حتى يموت.. كما يمكن أن يُرجم ساعات حتى يموت، كما يجوز أن تُسمل عينيه وتقطع رجليه حتى يموت، خاصة إن كان قد فعل ذلك ضد بريء، أو كان قد قام بجريمة رهيبة هزّت المجتمع هزًّا.. أما أن يوضع في السجن بضع سنين كما هو الحال في الغرب فهذه كارثة فاقمت في إفساد مجتمعاتهم ودمرت أسسها وهي في طريقها للدمار الشامل.

الذي ظلّ مؤكَّدا في جماعتنا أن للآية القرآنية تفسيرات عديدة، وتحمل أوجها مختلفة، لذا فإنَّ نقْضَ وجْهٍ من وجوه تفاسير الآية هو تحجيم لها وتنقيص من قيمتها، أما إضافة وجه تفسيري آخر فهو الطريق الأفضل. لذا لا بأس أن يُستنتج تفسير جديد لعصا موسى ، لكن من دون أن ننفي أنه كانت هناك عصا حقيقية بدت للناس حية تسعى أبطلت سحر السحرة.. ولا بأس بتفسير نار إبراهيم بنار الكيد والفتن، لكن من دون نفي النار المادية ونجاته منها بطريقةٍ ما.. ولا بأس بتفسير الشيطان بأوجه عديدة أخرى، لكن من دون نَفْي الشيطان الكائن. ولا بأس بتفسير آية قطع يد السارق بأوجه جديدة، ولكن من دون نفي القطع المادي كليًّا. وهكذا الرجم، فلا شك أن مجردَ الزنا عقوبتُه هو الجلد فقط، ولكن ماذا عن ترويج الزنا والمساهمة في فتح بيوت دعارة؟ هذا ليس مجرد زنا.

سنة الله والمعجزات

لا خلاف في أن معجزات الأنبياء لا تخالف سنة الله، لكن هل عرفنا سنن الله كلها؟ ومتى أحَطْنا بها؟! لذا فعلينا أن نؤمن بأي معجزة حسب ظاهر نصّها، إلا إذا ورد الدليل ببطلان هذا الظاهر.. لذا علينا أن نؤمن أن “النبي أدخل أصابعه في ماء قليل في فنجان فكثّره بإدخال إصبعه فيه حتى شرب منه جيش وإبل وخيل، ومع ذلك بقي الماء بالقدر نفسه الذي كان عليه من قبل. وقد حدث مرات عديدة أنْ وضع النبي يده المباركة على بضع أرغفة وملأ بها بطون آلاف الجياع. وفي بعض الأحيان الأخرى بارك بشفتيه فنجانا من الحليب وأشبع به جماعة من الجياع. وأحيانا أخرى مزج لعابه في بئر ماء مالح وحوّله إلى ماء عذب وزلال. وتارة شفى المصابين بجروح بالغة بوضع يده المباركة عليهم، وتارة أخرى شفى ببركة يده العيون التي خرجت مقلتها في الحروب. وكذلك أنجز أعمالا أخرى كثيرة من هذا القبيل بقدرته الشخصية التي رافقتها قدرة الله الخافية”. (مرآة كمالات الإسلام)

أما الذي ننكره فهو إحياء المسيح  للموتى إحياء حقيقيًّا وخلقه العصافير خلقا حقيقيًّا، لأن هذا يتنافى مع الآيات القرآنية التي تؤكد أن الله وحده هو المحيي وهو وحده الخالق. وحين فسّر المسيح الموعود   معجزة الإحياء والخلق تفسيرا غير ما هو معروف تقليديًّا حدث خلط لدى بعض الأحمديين فتوسّعوا في المسألة حتى أنكروا بعضا من معجزات الأنبياء. وهذا المقال لِلَفْت الانتباه إلى هذا الخطأ.

لم ينفِ المسيح الموعود حكم قطع يد السارق في الشريعة الإسلامية، ولم ينفِ الرجم كليًّا، بل دافع عن ذلك حين كان يناقش خصوم الإسلام، فكيف يقول أحدنا اليوم إنه لا رجم مطلقا أو لا قطع قط؟

والذي ننكره أن يكون المسيح قد تحدث وهو رضيع، لأنّ الآية لم تقل ذلك، بل تحدثت عن كلامه في مرحلتي المهد والكهولة. والذي ننكره أن يكون سليمان قد سرق كرسيا من اليمن، لأن الآية لا تقول ذلك، ولأن الأنبياء ليسوا لصوصا. وحين تمّ نفي هذه الأمور ظُنَّ أنّ جماعتنا تنفي المعجزات، ولكن الحقّ أنها تلتزم بنص الآيات القرآنية.

ونتج عن ظنّ نفي المعجزات أنّ الله تعالى لا ينصر رسله ولا يواسيهم إلا من خلال قوانين محددّة مقيّدة، فلا يمكن أن يضاعف الطعام ألف ضعف بخلقه طعاما إضافيا! ولكن يمكنه أن يبارك في الطعام فيشعر الناس أنهم شبعوا من لقمة!

هذا التحديد لا دليل عليه. نعم، يحدث أنْ يبارك الله في الطعام فيشبع الناس من القليل جدا، وهذه معجزة، ولكن ما الذي يمنع أن يخلق الله طعاما من العدم؟ لماذا ننفي هذا الاحتمال؟ أليس في ذلك تقييدا لقدرة الله؟ ثم هذا القول لا يتعارض مع حكمته سبحانه، ولو كان يتعارض مع حكمته أو مع قوله سبحانه لنفيناه، لكننا لن نجد نصًّا يمنع من ذلك، بل نجد كثيرا من الروايات تؤكده، وكذلك أقوال المسيح الموعود .

Share via
تابعونا على الفايس بوك