• كيف يتدارك الله تعالى الإنسانية برحمته بينما هي ماضية في طريق هلاكها؟!
  • ما تدابير النجاة التي حددها حضرته لإنقاذ العالم؟!
  • وكيف بيَّن حضرته لساسة العالم وقادته المفر الآمن من شفا النار المحرقة؟!

قال الشاعر اليمني «إبراهيم أحمد الحضراني» في مطلع قصيدة له:

تُعِدُّ النَّـارَ يَا إِنْسَـــــان وَالصَّـارُوخَ وَالــــذَّرَّة
وَتَذْكُرُ مَنْ طَوَتْهُ الحَرْبُ بِالحَسْرَةِ وَالعَبْرَة

لخص الشاعر إلى حد كبير مأساة الإنسانية، كونها تُضْرِم نار الحروب، ثم تصرخ اكتواء بها، ولكن، لات حين مناص! إن الدرجة التي بلغها العالم من العمران في هذا العصر، بدت مرتبطة بمظهر واحد بكل أسف! إنه مظهر التسلُّح العسكري الذي يُعَدُّ مؤشرا على أن عمران العالم بات علامة خرابه.
وإننا إذ ننظر بعين الرصد والاعتبار إلى حال السلم والحرب العالميين منذ منتصف القرن التاسع عشر وإلى الآن، لا نجد بدا من اليقين بأن العالم من المفترض بناء على الأخطاء المتراكمة، والحروب التي أنهكته مرورا بحربين عالميتين، من المفروض أن يندثر ويعفو أثره نهائيا، لولا أن رحمة الله تعالى تتداركه كل حين للحيلولة دون وقوع هذا القضاء المأساوي، وتلك الرحمة تبدو متجسدة في رجال الله وأوليائه..
وحرصا من الجماعة الإسلامية الأحمدية، وعلى رأسها إمامها الخليفة الخامس للمسيح الموعود، على نشر السلام في العالم أجمع، فإنها تُنظِّم كل عام مؤتمرا مكرَّسًا من أجل هذه الغاية النبيلة. إننا لا ندَّعي أننا وحدنا من ينادي بالسلام العالمي، ولا حتى أول من نادى به، لكننا، ولا شك، المتفردون بالمناداة بإفشاء السلام كجماعة واحدة تحت قيادة واحدة، ولأجل غاية واحدة، انطلاقا من مبدأ أن ديننا هو الدين الوحيد الداعي إلى السلام بكافة مستوياته، شكلا ومضمونا، قولا وعملا، حتى أن اسم ديننا (الإسلام) مشتق من لفظ «السلم» و«السلام».. إن توفيق الله تعالى يحالف ولا شك مساعي إمام الوقت وجماعته من أجل إحلال السلام في هذا العالم.. هذه الفكرة تعبير شخصي عن مبدأ طالما ذكره حضرة سيدنا المسيح الموعود في شتى تأليفاته بتأييد من الله، وهذا المبدأ مفاده أن أولياء الله حرز للإنسانية، وصمام أمان لها، وإن كان أكثر الناس عن هذه الحقيقة الروحانية غافلين.
وفي المنتدى الوطني للسلام، الذي ترعاه الجماعة الإسلامية الأحمدية في المملكة المتحدة للعام الخامس عشر على التوالي، بدت أجواء المنتدى مختلفة نوعا ما عن سابقيه، ربما لفداحة المأساة، أو لتوقع قرب وقوع البلاء، نظرا إلى حال الواقع المتردي للعالم، لقد شهد مَنْ حَضَرَ فعاليات هذا المنتدى، وكثيرٌ ممن قرأوا خطاب حضرة خليفة المسيح الخامس، بأن حضرته أضفى على أجواء المنتدى بخطابه نوعا من الجلال لم يعهدوه من قبل. لقد خاطب حضرته المجتمع الدولي، وعلى رأسه ساسته وزعماؤه، بلسان التبكيت المهيب. وكما الوالد الحاني، الذي لا بد وأن يقسو لمصلحة ولده العابث أحيانا، خرجت كلمات حضرته ناطقة بهذا المنطق. ولم يتوقف خطاب حضرته على تبكيت الساسة الدنيويين على خطيئتهم، وإنما أنار لهم السبيل إلى تحقيق السلام المنشود فرارا من عاقبة باتت محتومة لو أصر العالم على سلوك سُبُل الضغينة والفساد، لقد ألقى حضرته خطابه في منتدى السلام هذا العام ولسان حاله يردد قول الله تعالى في التنزيل الحكيم:

يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (القيامة: 11)

كما لو أن حضرته (أيده الله) يُلقي للإنسانية المنكوبة بطوق النجاة قبل أن تغرق بالفعل، ويدلها على المفر الآمن من الهول المرتقب.
إننا نكاد نجزم بأمر ما، وهو أن من يطلع من قادة العالم وساسته وأرباب حربه واقتصاده، على مضامين خطاب حضرة أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) بشيء من لوم النفس على السعي الحثيث وراء المكاسب المادية المحدودة وقريبة الأجل، فلسوف يتمثَّل أمام ناظريه معاني ما جاء في إنجيل يوحنا، من أنَّ: «هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ».. هذه سنة الله أنه يقيم لنجاة الناس أنبياءه وخلفائه. نعم، فبمحبة الله تعالى للعالم، أقام لأجل نجاته رجلا من هؤلاء، فهلا أدرك العالم قيمته؟! وهلا اتبع خطاه؟!
وفي أحد محاور خطاب حضرته، التي تناول فيها مسألة الإشارة بأصابع اللوم والاتهام إلى الإسلام بالتطرف والإرهاب وتهديد الأمن الاجتماعي، بيَّن حضرته في ثنايا خطابه أن من الظلم البيِّن تحميل المسلمين وحدهم المسؤولية كلها، فوضع بهذا الخطاب عن المسلمين إصرهم، وإن لم ينفِ حضرته اشتراكهم في تحمُّل جزء من المسؤولية بتخاذلهم وتقصيرهم في واجبهم المعهود، وسلوكهم سُبلا سلكها من كانوا قبلهم من أقوام هلكوا بظلمهم وتظالمهم.

نعم، فبمحبة الله تعالى للعالم، أقام لأجل نجاته رجلا من هؤلاء، فهلا أدرك العالم قيمته؟! وهلا اتبع خطاه؟!

وفي عدد مجلة التقوى لهذا الشهر، نبحر مع القارئ الكريم بين مرافئ عدة، منها ما يتعلق بالموضوع الرئيس لهذا العدد، وهو خطاب حضرة الخليفة الخامس في منتدى السلام، فنطالع موضوعا يتناول فكرة أن الله تعالى يتدارك الإنسانية كل حين بأناس كُمَّل، فيجعلهم ذريعة لحفظ الخلائق، وليدق بهم نواقيس التنبيه والتحذير، كذلك سيطلع القارئ الكريم على باقة أخرى من المواضيع الشائقة، كأوجه الإعجاز في عربية المسيح الموعود ، وكذلك دحض الشبهات المثارة ضد حضرته وجماعته. هذا بالإضافة إلى باقة من الأبواب الثابتة التي تقدم إلى القارئ العزيز زادا فكريا وروحيا شهريا، ندعو الله تعالى أن يبارك في هذا الزاد، ويجعله سائغا للمتفكرين.. آمين.