نقض أصول الشعوذة

نقض أصول الشعوذة

هاني طاهر

  • إن تحقيق أي غرض مرتبط بـ “الصراط المستقيم
  • الدعاء أهم من الأخذ بالأسباب .
  • يميل الناس لتصديق الخرافات مثل الشعوذة والسحر بل يبالغ بها حتى تصبح مسلّمات.

__

لقد جعل الله هذا الكون منـضـبطا بقوانين دقيقة، فكلُّ حدَث لا بدّ له من مسبِّب، والله الحكيم أمرنا بأن نسير في الأرض ونُعمل عقولنا في كل شيء لندرك أكبر قدر من أسرار هذا الكون. يقول الله تعالى

  فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً

ويقول

وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

ويقول

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ،

ويقول

هُوَ الَّذِي جَـعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُـوا فِي مَنَاكِبِـهَا وَكُـلُوا مـِنْ رِزْقِهِ .

ويقول الرسول :

 لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ (مسلم). وقال : تَدَاوَوْا فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ (أبو داود).

هذه حقيقة وعلينا أن نرفض كلّ ما ناقضها. هذه الحقيقة هي أن الله جعل لكل سبب مسببا. ولم يجعل الكون عشوائيا فوضويا، بل له قوانينه المنضبطة.

فمن أعلن أنّه يمكنه أن يسبب مرضا لشخص بعيد ومن دون أي وسيلة فهو يناقض هذه الحقيقة، ومن أعلن أنه يمكنه أن يشفي المريض من دون أي وسيلة مادية أو بمعونة الله فهو ينـاقضها أيضا.

الأسـباب لا بد من اتبـاعها في حـدودها

يقول المسيح الموعود : “فاعلموا أن في هذا العالم – وهو عالَم الأسباب – توجد علة لكل معلول، ومحرك لكل حركة، وطريق لتحصيل كل علم.. يسمى الصراط المستقيم. ولا يوجد في الدنيا شيء يوهب من دون العمل بالقوانين التي وضعها الله القدير منذ الأزل. إن النواميس الطبيعية تشهد بأن تحقيق أي غرض مرتبط بصراط مستقيم، وعليه يتوقف الوصول إلى ذلك الغرض. فمثلا لو كنا في غرفة مظلمة واحتجنا إلى ضوء الشمس.. فإن الصراط المستقيم لذلك هو أن نفتح النافذة المواجهة للشمس.. فإذا ضوء الشمس يغمر الغرفةَ ويضيئها لنا. (فلسفة تعاليم الإسلام)

«الأسباب لا بد من الأخذ بها، لكن لا بدّ من أن نقدم عليها التوكل على الله واليقين بأنه فوق الأسباب وخالقها. «

الاقتصار على الأسباب من دون الله هو الخـطأ

رغم أن الله قد ربط الأسباب بالمسببات، لكن قدرته فوق كل الأسباب، فهو خالق كل شيء والمهيمن على كل شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. لذا رغم أخذنا بالأسباب، نوقن أن الدعاء أهمّ من الأخذ بها، وأن الله أقوى منها كلها، وأنه يجيب الدعاء.

يقول المسيح الموعود : “إنّ الله كنـز ثمين فاقدروه فإنه ناصرُكم عند كل خطوة لكم. لا تمثلون دونه شيئًا؛ لا أنتم ولا أسبابكم ولا مكائدكم…… أنا لا أمنعكم من الأخذ بالأسباب لحدّ الاعتدال وإنّما أمنعكم من أن تكونوا مثل الأقوام الأخرى عبادًا للأسباب وحدها، وأن تنسَوا ذلك الإله الذي هو نفسه يهيئ الأسباب أيضًا. لو كانت لكم عين لبصرتم أن المعبود هو الله وحده، وأن ما دونه لا يساوي شيئا، لا تستطيعون مدَّ يدٍ ولا ضمّها إلا بإذنه.” (سفينة نوح)

ويقول : “اعلم أن الأسباب أصل عظيم للشرك الذي لا يُغْفَر، وأنها أقرب أبواب الشرك وأوسعها للذي لا يحذر، وكم من قوم أهلكهم هذا الشرك وأردى، فصاروا كالطَّبْعِيّين والدهريّين، يضحكون على الدّين متصلفين ومستكبرين، كما تشاهد في هذا الزمان وترى. ولا نمنع من الأسباب على طريق الاعتدال، ولكن نمنع من الانهماك فيها والذهول عن الله الفعّال، ومَن تمايل عليها كل التمايل فقد طغى. ثم مع ذلك إن كان ترك الأسباب بتعليم من الله الحكيم، فهِيَ آية من آيات الله الجليل العظيم، وليس بقبيح عند العقل السليم، وقد سمعتَ أمثالها فيما مضى.” (مواهب الرحمن)

وقد تحدث المسيح الموعود عن الأسباب في قضية معجزة الطاعون، حيث رفض أخذ التطعيم، مع أن الأسباب المادية تحتّم أخذه، فيقول حضرته: “ثم اعلم أيها العزيز، أني لستُ كرجل يخالف الأسباب من تلقاءِ نفسه ويسلك مسلك الحمقى، بل أعلم أن رعاية الأسباب شيء لا يُتْرك ولا يُلْغَى إلا بعد إيحاء الله الوهاب، وما كان لبشر أن يترك الأسباب من غير وحيٍ انجلى” (مواهب الرحمن). ويقول: “لو لم يكن لنا مانع سماوي لكنّا أول الناس تطعيمًا بمصل الطاعون من بين الرعايا، وذلك المانع السماوي هو أن الله أراد أن يُري الناس في هذا الزمان آية من آيات الرحمة السماوية.” (سفينة نوح)

إذن، الأسباب لا بد من الأخذ بها، لكن لا بدّ من أن نقدم عليها التوكل على الله واليقين بأنه فوق الأسباب وخالقُها. أما أن نقدِّم عليها شعوذة فلان وهراء علان فهذا خطأ مضاعف، إنه خطأ ترك الأسباب، ثم خطأ الاعتماد على العاجزين المشعوذين، ثم خطأ الإيمان بقدراتهم من دون أي دليل سوى الوهم.

هذه الأدلة وهذا التقديم كافٍ لنقض ما يدّعيه بعض السحرة من قدرتهم على إفساد العلاقة الزوجية بين رجل وامرأته، وادعاء آخرين بقدرتهم على التوفيق بين هذا الرجل وامرأته. وهذا كافٍ لنقض ما جاء في كتاب شمس المعارف الكبرى من تخريف وهراء وشعوذة ودجل. كيف يمكن لمربع فيه بعض الأرقام أن يعين رجلا على أن يجامع زوجته؟ وكيف يمكن لحروف مبعثرة وكلمات مخربطة أن تشفي مريضا أو تهدي ضالا أو تعين على نوائب الدهر؟ إن الإيمان بهذا كفر وقلة عقل. كفر لأنه نسب إلى غير الله قدرات عظيمة، وقلة عقل لأن هذا التصوّر لا دليل عليه بل العقل ينقضه.

تعليم السحر

هناك جامعات لكل العلوم، إذ لا يجوز لأحد أن يُخفي علمه، ولا يستطيع أن يخفي علمه، إلا إذا لم يكن علمه عِلمًا، بل شعوذة. والسؤال: لماذا لا توجد جامعات لهذا الهراء؟ لماذا لم يتطوع أحد المشعوذين لينشر علمه في الأرض كلها؟ هل هو ممنوع من ذلك؟ ومن الذي منعه؟ هل هم الجن الأشباح؟ لماذا يمنعونه؟ إن كان هذا التعليم سيئا بالنسبة إليهم فليمنعوا هذا المشعوذ، وإن كان حسنا فلينشروه!

تعالوا نستخدم المنطق البسيط لهدم فكر الشعوذة وإراحة عقول الموهومين. قـولوا لمن تعرض ويتعرض لنصب واحتيال عن طريق المشعوذين، قولوا لهم: سنساعدكم، وأول خطوة في المساعدة أن ننجيكم من المشعوذ الذي يخدعكم، قولوا لهم: سنرافقكم للمشعوذ، واسألوا المشعوذ عن هرائه، اطلبوا منه أن يعلمكم، أديروا معه حوارا يثبت فيه دجله.

فكرة أنهم يكفرون ويستعينون بالسحرة

ولكن الفكرة السخيفة الشائعة هي أن المشعوذين ينجحون في التعامل مع الجن من خلال رمي المصحف في النجاسة!! مع أن هناك ملايين الكفار الذين لا يرون بهذا العمل بأسًا، فلماذا لا يتعامل الجن معهم ولا يعينهم؟ ثم من أين أتوا بهذا القول التافه؟ هل ترى الجنّ سخيفين لهذا الحدّ؟ لو كنتَ ترفض ديانة بوذا مثلا وتبغضها، فهل تلبّي طلباتِ كل مَن يهين كتابهم المقدس؟ بل لو كنتَ تكره جورج بوش، وقال لك أحدهم: أنا أمزق صورته وأدوس عليها مقابل دينار واحد، فهل تظل تلبي طلبه حتى يفرغ جيبك؟ أم تقول له: لا معنى لفعلـك هذا، بل أرجـوك أن تبـعد عـنا شرّ الرجل وكفـى.

كيف يمكن لحروف مبعثرة وكلمات مخربطة أن تشفي مريضا أو تهدي ضالا أو تعين على نوائب الدهر؟

ما للناس فقدوا صوابهم! كيف يؤمنون بخرافات لا دليل عليها البتة، ترى لو كان شيء من ذلك فهل يمكن أن يغفـل عنه النبيـون جميعا؟ لماذا لم يعلـمنا الرسـول كيفـية استـخراج الجن ومنع تأثـير السـحر؟

أصول الشعـوذة

الشعوذة موغلة في القِدم، ومنذ أن انحرف الناس عن طريق الدين الذي جاء به الأنبياء حتى صاروا ينسبون قدرات خارقة للأوهام وللأشباح وللأرواح وللنجوم وللكواكب وللشمس والقمر.

ولقد حارب الدين هذه العقائد بكل قوة، وبيّن أن الله هو القادر وحده، وأن على الناس أن يدعوه وحده ولا يتجهوا إلى غيره وإلا فهو شرك، والشرك لا يُغفر.

ولكن الناس يميلون إلى تصديق الخرافات، بل يبالغون فيها حتى تصبح مسلَّمات. ولو تتبع كل شخص الإشاعة التي تصله ما قامت للشعوذة قائمة.

والمشكلة أن الخرافات امتدَّت إلى النصوص الدينية أو إلى تفسيرها؛ اقرأ تفسيرهم لقصة هاروت وماروت سترى أنهم يؤصلون لفكرة التفريق بين الزوج وزوجته عن طريق الأشباح، واقرأ قصة سحر الرسول سترى أنها تؤصل لفكرة قدرة الجنّ على أن يضرّ بالإنسان عن بعد، مع أن قصة سحر الرسول لا تذكر جنًّا، ولكن خيال الناس لا بدّ أن يذهب إلى هذه (الآلهة) الخفيّة.

إن قصة سحر الرسول مدارها على هشام بن عروة الذي يُكثر من الروايات الغريبة، وليس لنا أن نقبلها كما رواها، لكن القصة –والله أعلم- أن الرسول قد مرض فأشاع يهود مغرضون أنهم قد سحروه ، فشاع هذا الخبر الكاذب حتى دخل كتب الحديث عن طريق هشام الذي كان يروي أحيانا عن ضعفاء يروون عن أبيه فيحدث عن أبيه من دون أن يذكر اسم مَن حدّثه عن أبيه.

فإذا تبيّن أن قصة هاروت وماروت متعلقة بنبيين قاتلا ضد البابليين، وأنهما كانا يرفضان أن يضمّا نساء إلى تنظيمهما، وأن سحر اليهود لم يؤثر في النبي ، فما بال الناس يؤمنون بأن للسحر حقيقة وأنه يؤثِّر في الناس من دون أي وسيلة مادية وأن لهم قدرات خارقة؟

ما للناس فقدوا صوابهم! كيف يؤمنون بخرافات لا دليل عليها البتة، ترى لو كان شيء من ذلك فهل يمكن أن يغفل عنه النبيون جميعا؟ لماذا لم يعلمنا الرسول كيفية استخراج الجن ومنع تأثير السحر؟

إن من العوامل التي تزيد في شيوع هذه الشعوذة هو عدم أمانة كثير من الناس، ذلك أنّ مَن يتعرض منهم لفشل ما فإنه يتّهم الأشباح حتى لا يعترف بتقصيره أو بضعفه؛ فالأسهل لمن فشل في المدرسة والجامعة أن يدّعي أن أحد الناس قد كتب له وحجب، والأيسر لمن فشل في علاقته مع زوجته أن يتهم الأوهام. والمشكلة الأخرى أنه لو ثبت لألف شخص أن المشعوذ عجز عن حلّ مشاكلهم فإنهم لا يتحدثون عن ذلك، لكن لو تحقق قول المشعوذ مرةً مصادفةً فإن آلاف المتطوعين يشيعونه، بل يبالغون فيه ويضفون عليه صفة الإعجاز والتهويل!!

إنني أعرف كثيرًا من القصص الشخصية  التي أثبتنا أنها أكاذيب مجردة، فيا أيها الناس تنبهوا واستفيقوا وتفكّروا، فلا أشباح تخيف ولا مشعوذ ينفع أو يضرّ، فتوكلوا على الله، ثم اعقلوا.

Share via
تابعونا على الفايس بوك