مَعْرضُ السِّلْمِ العَالمي

التحرير

  • يعتمد رقي الأمم وانحطاطها بمدى التزامهم بروح الأوامر الإلهية.
  • ما كانت مناسك الحج أن تؤدى لولا جو السلم العام.
  • من طبيعة النفس الإنسانية أنها تميل إلى المؤانسة والمسالمة.

كما يعايِن الإنسان التاريخ العريق في كافة أروقة المعارض والمتاحف، فإنه كذلك يرى أبرز معاني الإسلام في كافة أركانه المعروفة، بدءا بالشهادتين ومرورا بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، ثم وصولا إلى حج البيت من استطاع إليه سبيلا. ومن أبرز معاني الإسلام التي نعنيها في هذا المقام نشر السلام وإفشائه بين خلق الله جميعا على اختلاف أديانهم وألوانهم وقومياتهم ومشاربهم السياسية والثقافية. وكلمة «سَلِم» العربية التي تعني نجا وعاش في سكينة، يفوقها جمالا كلمة «أسلم»، والتي لا يقتصر مدلولها على الاستمتاع بالطمأنينة والسلام، وإنما يتعداه إلى جعل الآخرين من الأقارب والأباعد يستمتعون بالشعور ذاته، ذلك بأن المسلم الحقيقي هو من يعمل جاهدا على إفشاء السلام بين الخلق، ففلاحه منوط بحبه وتحببه إلى إخوانه الذين هم كلهم خلق الله تعالى.
ويقاس رقي الأمم وانحطاطها بمدى التزامهم بروح الأوامر الإلهية أو ابتعادهم عنها، ولما شرع الله تعالى الحج آمرا نبيه إبراهيم بالتأذين به، جعل أولى النتائج الإيجابية المترتبة على تلبية الناس لذلك النداء هي:

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (الحج: 29).

على المستوى المادي الدنيوي البحت، كانت المنافع الدنيوية التي تحصلت لمجاوري البيت الحرام وآمِّيه هائلة ويصعب حصرها، فمناسك الحج جميعها ما كانت لتؤدى لولا جو السلم العام، فعلى الرغم من عراك العرب وتطاحنهم المستمر، كانوا يضطرون امتثالا للأمر الإلهي منذ أيام جدهم خليل الرحمن، إلى التوقف عن الضرب والطعان لأداء تلك المناسك، وبلغ أمر تشديد عدم سل السيوف في تلك الأيام أن جعلت أيام استعدادهم للحج وقيامهم به محرمة عند الله، وتلك هي الأشهر الحرم. ومن طبيعة النفس الإنسانية أنها تميل إلى المؤانسة والمسالمة، فالبغض ليس من فطرتها، وإنما هو وازع شيطاني دُعيت الإنسانية إلى رجمه ونبذه خلال تلك الأيام على الأقل، وذلك في مشهد مهيب ترمى فيه الجمرات إعلانا من الحجيج عن رغبتهم في استعادة فطرتهم الأولى واستعاذتهم بربهم الأعلى من نزغات الشيطان. ولكن الناظر بعين المتأمل ينتابه استغراب عظيم من مدى التناقض بين معاني مناسك الحج العظيمة وواقع العالم المعاصر، فعلى حين جعل الله تعالى البيت مثابة للناس وأمنا، نجد أنهار الدماء تجري من حوله، وعلى الرغم من طواف الناس بالبيت، إلا أنهم هجروا قيمه العليا، وبعد كل ذلك ينتظرون تحصيل ثواب حج مبرور.

ومن طبيعة النفس الإنسانية أنها تميل إلى المؤانسة والمسالمة، فالبغض ليس من فطرتها، وإنما هو وازع شيطاني دُعيت الإنسانية إلى رجمه ونبذه خلال تلك الأيام على الأقل، وذلك في مشهد مهيب ترمى فيه الجمرات إعلانا من الحجيج عن رغبتهم في استعادة فطرتهم الأولى واستعاذتهم بربهم الأعلى من نزغات الشيطان.

وعدد هذا الشهر من «التقوى» الغراء كُرِّست أغلب موضوعاته لتغطية هذا الحدث الإنساني العالمي (حج الناس أول بيت وضع لهم في الأرض)، فلتصحبنا أيها القارئ الكريم خلال تغطيتنا هذه، لتطلع على نخبة من الكتابات الغنية ذات الصلة بالحج ومقاصده. وعلى رأس ما نقدمه إليك أيها القارئ العزيز في هذا الشهر خطبة حضرة أمير المؤمنين -أيده الله بنصره العزيز – في أحد أيام عيد الأضحى لنتعلم منها فلسفة الأضحية التي هي من أبرز مناسك الحج، فتقديم القرابين ما هو إلا تمثيل عملي لمبدأ الطاعة. كذلك لن يعدم القارئ العزيز فسحته في رياض العربية، وفسحة هذا الشهر نخصصها للحديث عن لفظ ورد في سياق الآية الكريمة عن الحج.. كل هذا وأكثر، تجدونه في العدد الكامل، والذي نأمل من وراء نشره أن يهب لنا المولى الكريم عين بصيرة لإدراك حكمته البالغة من فريضة الحج، ونرجو منه تعالى أن ييسر للعالمين فرصة تكحيل أعيننا بثرى وطئته قدما خير الورى ، ولنقرئه من حبيبه وخادمه الصادق حضرة المسيح الموعود كل تحية وسلام، ثم لنقرأ على المحبوب أبيات شعر قال فيها المحب:

حَمَامَتُنَا تَطِيرُ بِرِيشِ شَوْقٍ
وَفي مِنْقَارِهَا تُحَفُ السَّلاَمِ
إلَى وَطَنِ النَّبيِّ حَبِيبِ رَبِّي
وَسَــــــيِّدِ رُسُلِهِ خَــــيْرِ الأنَامِ

لكل من حظي بتيسر ظروف الاستطاعة وشد الرحال إلى بيت الله الحرام، نقول: حج مبرور، وذنب مغفور إن شاء الله تعالى.. آمين.