من فلسفات الحج ودقائقه

__

فلسفة الطواف

الحق أن المرء لا يحتكُّ بمن لا يحب، ولا يطوف حول بيت من يكرهه، إنما الحب أساس الطواف بالبيت، كما كان يفعل الشعراء العرب قبل الإسلام، بحيث كانوا يطوفون حول بيوت النساء اللواتي يعشقونهن، ويتحرقون شوقًا وشغفا للقائهن، لعلهم يسترقون شيئًا من أصواتهن، أو يختلسون نظرةً من أعينهنّ، وقد قال امرؤ القيس في ليلاه:

أمرُّ على الديار ديار ليلى

وما حُبُّ الديار شغفْنَ قلبي

أُقبِّل ذا الجدارَ وذا الجدارَ

ولكنْ حبُّ من سكن الديارَ (1)

والحب وحده لا يكفي

لله در الشاعر العربي إذ قال:

وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى

وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا (2)

فمن السهل أن نقول بلساننا أننا نحب، بل ومشغوفون حبًّا، ولكن قولنا هذا لا يُغني من الحق شيئًا، وإن هو إلا ادعاء أجوف، إلى أنْ يصدر منا أفعالٌ تثبت  صدق تلك الأقوال. والتعبير عن الحب مسألة يتفاوت فيها الناس ويتفننون، ولكلٍّ طريقتُه في التعبير عن حبه لمحبوبه، حتى على مستوى التعاملات البشرية، هناك من يعبر عن حبه بكلمة رقيقة، وهناك من يقدم وردة ذات شذىً وعبير، ومنهم من ينفق الأموال الطائلة، بل إن هناك أيضًا من يبذل النفس في هذا السبيل. غاية القول أن من يحب فعليه أن يقدم شيئا تعبيرا عن هذا الحب، فالحب وحده لا يكفي دون أن يكون هناك ما يعبر عنه تعبيرًا ظاهرًا. وأبرز ما يعبر عن الحب هو التضحية، فلا يضحي الإنسان بنفسه إلا لحبيبه، حتى لقد شاع في الأدب أن نقرأ قصصًا مؤثرةً فحواها تضحية أحد الأبوين لفلذة كبده بأحد الأعضاء كالكلية مثلا، ولا نجد تفسيرًا معقولًا لهذه التضحية التي لن يجني المضحي من ورائها شيئًا سوى أنه يحب من ضحى من أجله.. إن هذا المستوى من التضحية هو ما يريده الله تعالى منا.. فالتقرب إلى الله تعالى بنحر الهَدْيِ والأضاحي إنما هو رمز لنحر النفس الأمارة والاستسلام التام بين يديه، ويتم نحر النفس الأمارة بكبح ثوائرها وكفها عن شهواتها وهذا هو مدار جميع العبادات والشعائر التي شرعها الله تعالى في كافة العصور ولكافة الأمم، وآخرها أمة خاتم النبيين التي انصهرت في بوتقتها كافة أمم النبيين السابقين.. تلك كانت إحدى حقائق شعائر حج بيت الله الحرام، التي كانت ولم تزل غائبة عن كثيرين، إلى أن جاء من الله تعالى من يسبر أغوارها، ويكشف لنا غموضها، ويرينا دقائق التقوى الكامنة فيها.

الحجر الأسود ورمزيته

تقبيل الحجر الأسود، يعد سنةً مؤكدةً محببة تبلغ مبلغ الوجوب على من يستطيع دون إيقاع ضرر أو إحداث مزاحمة، والجميع يعلم ما ورد في تقبيل الصحابة الكرام إياه، تأسيًا بحضرة خاتم النبيين ، حتى ورد عَنْ حضرة عُمَرَ أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.. إن الشيء لا يُقَبَّلُ إلا لجماله، ويبدو أن الحجر الأسود تكمن وراءه حقيقة جمالية متعلقة بالكعبة الروحانية وهو (حضرة سيدنا ومطاعنا محمد المصطفى )، فماذا عساها تكون تلك الحقيقة؟! إن الحب عندما يبلغ من المرء مبلغًا كبيرًا، يحاول جهد المستطاع إظهاره بشتى الطرق البادية للعيان التي يستشعرها الجنان. والمتأمّل في العالم الرّوحانيّ يرى نظائرَ لما يقابله في العالم المادي، وتأسيس الكعبة مصداق لهذا المشهد، كحال الـمحبِّ الذي يطوف حول دار الـمحبوب كلَّ حين، ويُقبِّل أعتابها وجدرانها، كذلك جُعل البيتُ العتيق دارًا لله فيتوجه إليها محبّوه طائفين ملبين، وهذا الحجر الأسود حجر عتبته سبحانه وتعالى، ويصف المسيح الموعود هذا العشق الصادق لله تعالى بقوله: «ولقد أمر الله تعالى بذلك ليتمكن الإنسان من التعبير عن مشاعر عشقه وحبّه الجياشة تعبيرًا ماديًا. فالحُجاج يطوفون بهذا البيت طوافًا جسمانيًا مُظهرين كأنّهم مجانين وسُكارى في حبِّ الله، فيتخلون عن الزّينة، ويحلقون الرؤوس، ويطوفون ببيته كالعشّاق في هيئة المجذوبين، ويقبّلون هذا الحجر حاسبين إياه حجر عتبته… وليست في ذلك شائبة من الشرك، إذ أن الصديق يُقبِّل رسالة صديقه الحميم عند استلامها. فالمسلم لا يعبد الكعبة، ولا يطلب مراداته من الحجر الأسود، وإنما يتخذه رمزًا ماديًا أقامه الله تعالى ليس إلا. كما أننا نسجد على الأرض، ولكن السجود ليس للأرض؛ كذلك نقبّل الحجر الأسود، ولا يكون هذا التقبيل من أجله هو في حد ذاته. فالحجر حجر بحت لا ينفع أحدًا ولا يضر، ولكنّا نقبّله لأنه من ذلك الحبيب الذي جعله رمزًا لعتبته»(3).

ويتم نحر النفس الأمارة بكبح ثوائرها وكفها عن شهواتها وهذا هو مدار جميع العبادات والشعائر التي شرعها الله تعالى في كافة العصور ولكافة الأمم، وآخرها أمة خاتم النبيين التي انصهرت في بوتقتها كافة أمم النبيين السابقين..

تذكير سنوي بأسمى قيم الإنسانية

الحجُّ ركنٌ ركينٌ من أركان الإسلام، وتتجلى فيه أسمى المشاعر الإنسانية المرتبطة بقيمة البيت الإنساني الكبير، والذي علمنا الله تعالى فكرته بنموذج البيت الحرام، حيث يقول الله سبحانه وتعالى:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ

(4). ولا يفرض الله سبحانه وتعالى على البشر أمرًا إلّا ويكون من ورائه حكمة عظيمة، فما حكمته سبحانه وتعالى في تجميع النّاس يوم الحجّ من كلّ فجٍّ عميق، وجمعهم في موقفٍ واحدٍ ينفي من روعته ورهبته الفروق والطبقات والألوان، وهنا يستوقفنا كلام الإمام في شرحه للخطة التدريجية الحكيمة التي وضعها الله تعالى لتوحيد النّاس بحكمة بليغة حيث يقول حضرته:

«كما توجد الوحدة في ذات الله تعالى كذلك يريدها سبحانه وتعالى في البشر أيضًا الذين خُلقوا للعبادة إلى الأبد. الفُرقة بين الأمم التي نشأت في الناس بسبب كثرة نسلهم كانت في الحقيقة تمهيدًا لخلق الوحدة الكاملة لأن الله تعالى أراد أن يخلق في البشر حلقات الوحدة أولًا ثم يُدخل الجميع في دائرة الوحدة الكاملة. فجعل الله تعالى الأمم شعوبًا مختلفة وخلق الوحدة في كل شعب. وكانت الحكمة وراء ذلك لكي يسهل التعارف بين الأمم ولا تكون هناك أيّة صعوبة في العلاقات المتبادلة بينهم. ثم حينما حصل التعارف بين أجزاء صغيرة بين الأمم قرَّر الله تعالى أن يجعل الأمم كلها أمة واحدة، كما يزرع أحد حديقة ويقسم أشجارها على تقسيمات مختلفة، ثم ينشئ حول الحديقة سورًا ويجعل الأشجار كلها في حلقة واحدة…. إن مَثل هذه الوحدة التدريجية كمَثل أمر الله تعالى أن يجتمع الناس في مسجد حارتهم خمس مرات يوميًّا، ثم أمرهم أن يجتمعوا جميعا في اليوم السابع في مسجد جامع في مدينتهم، أي في مسجد يتسع للجميع. ثم أمر أن يجتمعوا من المدينة كلها والقرى المجاورة في مقام واحد أي في مصلى العيد بعد عام. ثم أمرهم أن يجتمعوا من العالم كله مرة في حياتهم في مقام واحد أي في مكة المعظمة. فكما أن الله تعالى بلّغ اجتماع الأمة تدريجيًا إلى الكمال بمناسبة الحج إذ حددّ اجتماعات صغيرة أولاً ثم هيأ العالم كله فرصة للاجتماع في مقام واحد، فهذه هي سنة الله في كتب موحى بها أيضًا. فقد أراد الله تعالى من وراء ذلك أن يبلّغ حلقة وحدانية الله إلى الكمال، وذلك بخلق الوحدة في أجزاء صغيرة في مختلف البلاد أولًا ثم يجمع الجميع في نهاية المطاف في مقام واحد مثل اجتماع الحج(5).

فالحُجاج يطوفون بهذا البيت طوافًا جسمانيًا مُظهرين كأنّهم مجانين وسُكارى في حبِّ الله، فيتخلون عن الزّينة، ويحلقون الرؤوس، ويطوفون ببيته كالعشّاق في هيئة المجذوبين، ويقبّلون هذا الحجر حاسبين إياه حجر عتبته… وليست في ذلك شائبة من الشرك، إذ أن الصديق يُقبِّل رسالة صديقه الحميم عند استلامها.

ليشهدوا منافع لهم

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (6).

والحديث عن المنافع لا ينتهي،  لأننا مهما حاولنا أن نعُدَّ نعم الله تعالى فلن نحيطها، وفي رحلة الحج تجتمع للحاجّ خيرات عديدة، ليس بوسعنا أن نتناولها جميعًا هنا بالشرح وبيان مغزاها نظرا إلى ضيق المقام، وسوف يكون تركيزنا على منفعة أساسية ونعمة كبرى يرتبط بها وجودنا ويكمن فيها تفضيلنا على أكثر الخلق، إنها منفعة الوحدة والتآلف التي يقول عنها الله تعالى:

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (7)،

وحول ذلك المعنى يقول حضرة المصلح :

«إنَّ الحج يخلق في المسلمين روح المركزية والوحدة، ويتيح لهم الفرصة لإعمال الفكر في حاجاتهم وحاجات باقي العالم. كما يجدون عند الحج فرصة لرؤية محاسن الآخرين والتحلِّي بها، ويزدادون أُخوّة ومحبة» (8).

والناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وثقافاتهم وآرائهم، بل وحتى أديانهم، مدعوون إلى هذه الوحدة المنشودة، التي تعكس وحدة خالقهم عز وجل، محققين بذلك الهدف الأسمى من حج البيت الحرام، فتكون هذه هي التلبية المثلى لنداء حضرة إبراهيم حين امتثل لأمر الله تعالى القائل:

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (9).
– المراجع –

  1. ديوان مجنون ليلى
  2. هذا البيت ورد في «مجمع الحكم والأمثال منسوبا إلى أبي العتاهية.
  3. ينبوع المعرفة، الخزائن الروحية مجلد 23
  4. آل عمران 96
  5. ينبوع المعرفة، الخزائن الروحية مجلد 23
  6. الحج: 28-29
  7. الأَنْفال: 64
  8. التفسير الكبير ج 6 تفسير سورة الحج
  9. الحج: 28
Share via
تابعونا على الفايس بوك