متى يجوز استعمال الكلام الخشن؟

متى يجوز استعمال الكلام الخشن؟

الأستاذ حميد كوثر

الحوار الصريح

أعمال علماء وأمراء المسلمين الشنيعة في شبه القارة الهندية

أدت إلى اشمئزاز ونفور العامة من المسلمين وغيرهم مِن الدين

الحنيف. هذا العامل أدى بحضرة الإمام المهدي

إلى تأنيبهم بغرض إصلاحهم وإرشادهم.

 

السؤال

لماذا استعمل مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية كلماتٍ قاسية بشأن بعض المسلمين وعلمائهم؟

الجواب

من الواضح أن الله سبحانه وتعالى أرسل جميع الأنبياء والرسل والمجددين لإصلاح الناس وتعليمهم مكارم الأخلاق، وحاول كل منهم قدر استطاعته تحقيق هذا الهدف. وليس من المعقول أن يخرج أحدٌ منهم على هذا المبدأ ويضرب به عرض الحائط. وليس من الحكمة اتهام أحد منهم بأنه قد استعمل لغةً بذيئة ضد أعدائه، لأنّ مثل هذا الاتهام يقوم على أساس خاطئ ولا يُفرِّق بين الشتائم وبين إظهار الحقيقة. فعلى سبيل المثال.. إذا قيل للرجل الذي يسرق أموال الناس أنه سارقٌ ولص، لا يُعدُّ هذا من المسبّات والشتائم، لأن جريمته أُلصقت به، وأفعاله أُسندت إليه. أما إذا وُصف إنسانٌ أمين بأنه لص، فهذا يُعدُّ من المسبّات التي نهى عنها القرآن المجيد بقوله: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ (الحجرات: 12). كذلك إذا أُطلِق لفظ “حمار” على رجلٍ أحمق بسبب حماقته المتكررة، فلا يُحسب هذا من الشتائم، وأيضًا إذا شُبِّه رجلٌ وقحٌ عديم الحياء بالخنزير أو الكلب، فهذا لا يُعدُّ من المسبّات، لأن تلك الصفة أصبحت بمثابة اسمٍ له. وقد اختار القرآن الكريم نفس الأسلوب حيث يقول:

فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ (الأعراف: 177) قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (الأعراف: 167) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ (الجمعة: 6)

وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ (المائدة: 61)

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (الأنفال: 56)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (البينة: 7)

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التوبة: 28)

فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ (التوبة: 95)

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (القلم: 10-13).

ومعنى الزنيم: ولد الحرام.

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (البقرة: 19) تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (المسد: 2)

والآن نسأل السائل.. ألا تبدو هذه الكلمات قاسية بشأن أعداء الإسلام؟

وإذا تصفَّحنا الأناجيل نجد فيها نفس هذا الأسلوب، إذ جاء فيها على لسان المسيح :

“لا تُعطُوا القُدسَ للكلاب، ولا تَطرَحوا دُرَرَكم قُدَّام الخنازير” (متّى 7: 6)”أنتم من أبٍ هو إبليس وشهواتَ أبيكم تريدون أن تعملوا” (يوحنّا 8: 44)”فَأجاب وقال لهم: جيلٌ شريرٌ فاسِقٌ يطلبُ آية” (متّى 12: 39)

“أيها الحيَّات أولادَ الأفاعي” (متّى 23: 33)

“اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار” (متى 25: 41)

“وقولوا لهذا الثعلب” (لوقا 13: 32)

“أيها الجُهَّال والعميان” (متّى 23: 17)

إن الأولى بمن يُثير الاعتراضات على كلمات مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية أن يعترض على كلمات القرآن والإنجيل، فقد استخدمت الكتب المقدسة جميعًا نفس الأسلوب.

ثم إذا تصفَّحنا صحيح البخاري وهو أصحُّ الكتب بعد كتاب الله، نجد أنه قد ورد فيه أنّه لما حاول أحد الكفار لمسَ لحية النبي المباركة. قال أبو بكر : امصُصْ ببظرِ اللات” (البخاري كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب وكتابة الشروط)

والأمر بمصِّ البظر من الشتائم الغليظة عند العرب، وكتب مؤلِّف ارشاد الساري لشرح البخاري تحت هذه الكلمات:

“وقد كانت عادة العرب الشتمُ بذلك” (ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري ج4 ص446)

ثم قال سيدنا محمد المصطفى :

” مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الجَاهِليَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهنِ أبِيهِ وَلاَ تَكْنُوا” (مشكاة المصابيح كتاب الآداب باب المفاخرة والعصبية)

ولا يحتاج الأمر منا شرحًا ولا تعليقًا عما قال رسول الله أو ما قاله أبو بكر . فماذا يقول معارضو الأحمدية على هذا؟!!

ثم نُذكِّر القارئ الكريم بما أخبر به سيدنا محمد المصطفى من النبوءات والكلمات التي وصف بها العلماء فقال:

“عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ وَفِيهِمْ تَعُودُ” (مشكاة المصابيح كتاب العلم الفصل الثالث)”تكونُ فِي أُمَّتِي فَزْعة، فَيصيرُ النَّاسُ إِلَى عُلَمَائهمْ فَإِذا هُمْ قِردَة وَخَنَازِير” (كنز العمال ج7 ص190)

والآن.. تعالوا نبحث فيما قاله سيدنا أحمد .. لقد ألَّف كتابه: “لُجَّة النور” الذي كتبه باللغة العربية في عام 1900م، وتطرَّق فيه إلى وضع المسلمين وعلمائهم، وذكر بعض المعاصي والذنوب التي ارتكبها علماء المسلمين وأئمتهم، والتي بسببها أساءوا إلى الإسلام أبلغ إساءة، وفتحوا المجال أمام أعداء الإسلام للتهجُّم على الإسلام وتعاليمه، ومن المعروف أنّ المبشرين والمسيحيين وقادة الهندوس كانوا في تلك الآونة يشنُّون هجومًا عنيفًا على الإسلام ومؤسسه سيدنا محمد المصطفى . ومع ذلك.. حينما وجَّه سيدنا أحمد النقد إلى علماء المسلمين وأئمتهم وأمرائهم الذين أساءوا بتصرُّفاتهم إلى الإسلام، لم ينسَ أن يذكر بالثناء الجليل العلماء الشرفاء الصالحين.

قال سيدنا أحمد عن العلماء الصالحين:

“… هذا ما أردنا أن نكتبَ شيئًا مِن مفاسدِ هذا الزمان، ونزَّهنا كِتابنا هذا عن إزراءِ الأخيارِ الذين هم على دينٍ من الأديان، ونعوذُ بالله مِن هَتكِ العلماءِ الصالحين، وقَدحِ الشُّرفاء المهذَّبين، سواءً كانوا مِنَ المسلمين أو المسيحيين أو الآريّة، بل لا نذكرُ مِنْ سُفهاءِ هذهِ الأقوام إلّا الذينَ اِشْتُهِروا في فُضولِ الهَذْرِ والإعلانِ بالسيئة. والذي كانَ هو نقيَّ العِرضِ عفيفَ اللِّسان.. فلا نذكُرُهُ إلا بالخير، ونُكرِمهُ ونُعزُّهُ ونُحِبُّهُ كالإخوان، ونَسوّي فيه حقوقَ هذه الأقوام الثلاثة، ونَبسُطُ لهم جناحَ التَحنُّنِ والرحمة، ولا نُعِيبُ هؤلاءِ الكِرامِ تصريحًا ولا تَعرِيضًا رِعايةً للأدب” (الخزائن الروحانيّة: ج16 – كتاب لُجَّة النور: ص409)* “… ليس كلامُنا هذا في أَخيارِهِم بل في أشرارِهِم” (الخزائن الروحانية: ج18 – كتاب الهدى والتبصرة لمن يرى: ص314 في الحاشية)

وذكرَ أفعالَ بعض العلماء الأشرار وتأثيرها السيء في نفوس الناس فقال:

“الحاشية: كان في دِيارِنا رجلٌ مِنَ الواعِظين، وكان الناسُ يَحسَبُونَهُ مِنَ الصالِحينَ الموحِّدين، فاتَّفقَ أنَّ رجلاً دخلَ عليه مُفاجِئًا كالزَائِرين، فوجَدهُ يشربُ الخمرَ مع نُدماءَ مِنَ الفاسِقين. فقال: يا لَعين.. عملُكَ هذا.. وقولُكَ هذا؟ فأجاب وأرَى العُجاب.. قالَ: أَرُونِي عالِمًا لا يَشرَبُ الخَمر، أو يتجنَّبُ الزِنا والزَمر!! وكذلكَ كانَ عالِمٌ آخر قريبًا مِنْ قريتي، وكانَ يُنكِرُ بِرُتبَتي، فَشَرِبَ الخمرَ في مجلسِ كافرٍ يهوى الإسلام، فلعَنَهُ الكافِرُ ولَام، وقالَ إنْ كانَ هؤلاءِ هُم أئِمةُ الإسلام، فَكُفرِي خيرٌ لدُنياي مِنْ أنْ أَلحَقَ بهذهِ اللِّئَام” (الخزائن الروحانيّة: ج16 – كتاب لُجَّة النور: ص460)

لذلك.. وبسبب هذه الحوادث المتكررة.. فقد استعمل سيدنا أحمد الإمام المهدي والمسيح الموعود عن مثل أولئك العلماء والأمراء كلماتٍ قاسية لإيقاظِ حميَّتهم وإثارة غيرتهم على الدين، آملاً أن يتجنَّبوا فعل المعاصي وارتكاب الذنوب والسيئات التي سدَّت الطريق أمام غير المسلمين لقبول الإسلام، خاصةً وأنّهم قد أظهروا اشمئزازهم وكراهيتهم إزاء الإسلام بسبب تلك الأعمال الشنيعة. ومما قال سيدنا أحمد عنهم:

“… وما بَقيَ معصيةٌ إلّا ارتَكبُوها، وما مِنْ جريمةٍ إلّا رَكِبُوها، وتركوا القرآنَ وما دَعا إليه، واتَّبَعوا الشيطانَ وما أغرى عليه” (المرجع السابق ص 350)”… ومنهم قومٌ يَستوكِفونَ الأَكُفَّ بالوعظِ والنَّصيحةِ كالعلماء، ويطلبونَ الصيدَ بتقمُّصِ لِباسِ الفُقهَاء، ويأمرون الناسَ بالبِرِّ وطريقِ الصُلحاء، ويَنسَونَ أَنْفُسَهم ويَحسبُونَ هذا الطريقَ مِنَ الدَهاء. ولا يَنقُدُونَ أمورَ الدينِ بعينِ المعقول، ولا يُمعِنونَ النظرَ في مباني الأُصول، ولا يَسلُكونَ مَسلَكَ التحقِّيقات، وما تَجِدُهم إلّا كالعَجْمَاوات، بل هُم كالجَمَادات، ويُظهِرونَ الحِلمَ والرِفقَ كأنّهم هُذِّبوا بأخلاقِ النُّبوّةِ والولاية…” (المرجع السابق ص357)”… فلا شكَّ أنَّ هذهِ العُلماء قد انتَهَوا في غَلوائِهِم، وسَجَروا في خُيلائِهم، وأَصَرُّوا على جَهَلاتِهم، وَلَوَّنوا الناسَ بألوانِ خُزَعْبِيلاتِهم، وقد جاوزَ الحدَّ غَيُّهم، وأَهلكَ الناسَ بَغْيُهُم، إذا وَعَدوا أَخلَفوا، وإذا غَضِبُوا أَغلَظُوا، وإذا حدَّثُوا كَذَبوا” (المرجع السابق ص359)

“… لا يَعلمونَ شيئًا مِنَ الحقيقةِ والمعرفة، وجَمَعوا في أقوالِهم وأعمَالِهم أنواعَ البِدعَة، وأما عامّةُ الناسِ مِنَ المسلمين، فقد تَبِعَ أكثَرُهم الشياطِين” (المرجع السابق ص365)

“… ويَشرَبونَ الخَمرَ ويَتَمَرمَرون، وبِالجوارِي يَلعَبون، وفي اللَّيالي يَزنُون، وفي النُهَرِ يَظلِمون” (المرجع السابق ص421)

“… ويقول أحدٌ إنّي آَليتُ أنْ لا أَتزوَّجَ إلّا هذهِ البَغِيّ، ويقول الآخرُ إنْ فُزتَ فقد وجدتَ الكوكبَ الدُّرّي، ويَتزوَّجُونَ البَغَايا فيَسري سَيرهُنَّ في وُلدِهِنَّ” (المرجع السابق ص428)

“… وكم منهم مالوا مِنْ صلاةِ الصُّبحِ إلى الصَبوح، ومِنَ العِشاءِ إلى الغبوقِ في الصُّروح، واشتغلوا مِنْ شرحِ الوقايةِ والهِداية، إلى العَواهِرِ والبَغَايا” (المرجع السابق ص459)

“… وَدَاسَتِ الغفلةُ قُلوبَ الناسِ وصارَ أكثرُهُم كالكِلاب، وتَوجَّهوا إلى الأموالِ والعَقارِ والأنشاب، ونَسَوا حظَّهُم مِنْ ذَوقِ العِبادات، وأقبَلوا على الدُنيا وزِيْنَتِها وما بَقِيَ الدينُ عِندَهُم إلا كالحِكَايات…” (الخزائن الروحانية: ج19 – كتاب مواهب الرحمن: ص240)

“… وما تَرَى بلدَةً مِنَ البِلاد، إلا وتَجِدُ فيها فَوجًا مِنْ أهلِ الرِدَّةِ والارتِداد، وقد تَنصَّروا بسهمٍ مِنَ المالِ لا بالسِّهام، وكذلكَ أُغِيرَ على ثُلُثِ مِلَّةِ الإسلام، وسُلِبَ مِنّا أحبَابُنا وعادا مَنْ وَاخَا..” (الخزائن الروحانية: ج18 – كتاب الهدى والتبصرة لمن يرى: ص352)

ويوضَّحُ هذا المقطع الأخير أحوال المسلمين المتردِّية في شبه القارة الهنديّة حيث عاثَ فيهم المبشِّرونَ المسيحيون يُغرونَهم بالأموال حتى تنصًّرَ في كلّ بلدة من البلدان أعدادٌ غفيرة من المسلمين وارتدوا عن الإسلام.. تمامًا كما يذكر سيدنا أحمد بقلبٍ يعتصره الحزن والأسى. ثم نستعرض ما كتبه سيدنا أحمد بهذا الخصوص:

“… وكتابٌ آخر سبقَ كلّها، أَلَّفتُهُ في هذه الأيام.. اسمه “دافعُ الوساوس”، وهو نافعٌ جدًا للذينَ يُريدونَ أن يَروا حُسنَ الإسلام، ويَكُفُّونَ أفواهَ المخالفين. تلكَ كتبٌ ينظرُ إليها كلُّ مسلمٍ بعينِ المحبَّة والمودّة وينتفع من معارفها ويَقبَلُني ويُصدِّقُ دعوتي، إلّا ذُريَّة البَغَايا الذينَ خَتمَ الله على قلوبهم فهم لا يَقبلون…” (الخزائن الروحانيّة: ج5 – كتاب مرآة كمالات الإسلام: ص547)

أيُّها القارئُ الكريم.. لقد كتب سيدنا أحمد مؤلّفاتٍ عديدة في الردِّ بقوةٍ وإفحام على كتب أعداءِ الإسلام، الذين كانوا يطعنون بها سيدنا محمد المصطفى ويتَقوَّلون على أزواجه، وأشار سيدنا أحمد في هذا الاقتباس الأخير إلى تلك الكتب، وقال إنّ كلّ مسلم سوف يقبلُها بعين المحبّة والمودّة وينتفع من معارفها ويستفيد من علومها، ويُصدِّق كل ما قدَّمتُ من أدلّةٍ وبراهين في مؤلفاتي لإظهار شأن الإسلام، ويصدِّق أنني أدعو الناس إلى طريق الإسلام العظيم. ولكن أعداء الإسلام لن يقبلوا هذه الكتب، وبكل أسف.. كان هناك فريقٌ من العلماء الموتورين من بين المسلمين وأتباعهم من اتّخذوا جانب أعداء الإسلام في تلك المعارك التي كانت تدور على أشُدِّها في ذلك الوقت، وكان هؤلاء يتحالفون مع ما يقوله الأعداء رغم إساءته للإسلام، وأعمَتهُم الكراهية نحو سيدنا أحمد وجماعته حتى أنّهم لم يَروا حرجًا في تحالفهم مع أعداء الإسلام ضده، وراحوا يردِّدون ما يفتريه أولئك الأعداء من مطاعن ضد الإسلام، وعن هؤلاء الأعداء والعلماء الذين تحالفوا معهم قال حضرته تلك الجملة التي يحلو لمـُعارضي الأحمدية أن ينتزِعوها من سِياقها ويقدّمونها في محاولةٍ منهم لوصمِ كتاباته بشتمِ المسلمين عمومًا وكل من لا يؤمن به ويقبل دعوته. إنّ الاستثناء المذكور في الجملة: “إلّا ذُريَّة البَغَايا الذينَ خَتمَ الله على قلوبهم فهم لا يَقبلون” يعود على المخالفين ولا يعود على المسلمين الذين ينتفعون بتلك الكتب في كفِّ أفواه المخالفين. وقد أوضح الكاتب بنفسه المقصود بهذه الجملة فقال أنّ ذريّة البَغَايا هم “الذينَ خَتمَ الله على قلوبهم”.

وكتب صاحب قاموس “تاج العروس” يقول تأييدًا لهذا المعنى: “والبغيّة في الولد نقيضُ الرُشد، يُقال هو ابنُ بَغيَّة” (تاج العروس من جواهر القاموس ج10 ص40 تحت كلمة: بغا)، وهذا هو نفس المعنى الذي قصده سيدنا أحمد، ولم يقصد أبدًا أنّ كل المسلمين الذين لا يقبلونه قد وُلِدوا من أمّهات بغايا، كما يحاول أعداء الأحمدية أن يُشيعوا زورًا وبُهتانًا.

وهناك بعض الاصطلاحات التي تُستعمل في اللغات، ومنها على سبيل المثال الاصطلاح: “ابن السبيل”، ويطلق على المسافر، ولا يفهم أحدٌ إذا قيلَ عن أحد المسافرين: “ابن السبيل”، بأنّه من نسل السبيل أي اللقيط الذي تركته أمّه الفاجرة في الطريق فعثر عليه الناس. كذلك فإنّ التعبير: “ابن البغيّ” يُطلق على من يحيد عن الرُشد ويطغى على الحق، وليس معناه أبدًا أنّ أمه كانت بغيًّا. هذا من الناحية اللغويّة، وإذا كان التعبير: “ابن السبيل” قد كثُر استعماله بحيث يفهمه عامة الناس، بينما تعبير: “ابن البغيّ” يندُر استعماله حتى جهِل الناس معناه اللغوي الحقيقي، فلا يجوز لأعداء الأحمديّة أن يصطادوا في الماء العكر، ويشيعوا فريةً عن سيدنا أحمد ابتغاءً للفتنة ومن أجل بثِّ الكراهية في قلوب المسلمين ضده. إنّ القرآن الكريم يدين هذا المسلك المقيت في قوله تعالى:

فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ (آل عمران: 8)

وهناك جملةٌ أخرى ينتزعها المعارضون للأحمدية من سياقها، ولا يذكرون عن سبب كتابتها شيئاً، ولا يوضَّحون خلفيّة الأحداث التي استدعت ذكرها، ثم يقدِّمونها للمسلمين على أنّها طعنٌ من سيدنا أحمد في كلّ أولئك الذين لم يُبايعوه! أما خلفيّة الأحداث في تلك الآونة فهي أنّ سيدنا الإمام المهدي والمسيح الموعود كان قد أخبر عن خمسة زلازل مَهولة حسب النبوءات التي تلقَّاها من الله تعالى، وفسَّر حضرته.. كما فسَّر أيضًا خليفته الثاني .. كلمة الزلزلة على أنّها تدلُّ على الهزَّة الأرضيّة كما تدلُّ على الحروب العُظمى. وبالفعل بدأ هذا النبأ يتحقّق في عام 1905 حين وقعت زلزلة مَهُولَة اهتزَّت فيها الأرض بشدّة فدمّرت مدينة “كانجرا” وما حولها. ثم تحقَّقت مرةً ثانية حين وقعت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) فهزّت العالم كلّه، وتحقَّقت كذلك حين وقعت الحرب العُظمى الثانية (1939-1945). وقد حدث أنّه حين نشر حضرته نبوءاته عن الزلازل.. أنْ بدأ المنجِّمون يتكهَّنون بوقوع الزلازل، وتكهَّنَ فريقٌ منهم بأنّ هذه الزلازل لن تقع أبدًا. فكتب سيدنا أحمد ردًّا على هؤلاء قال فيه: (معرَّب عن الأرديّة)

“… آهٍ! إنّ مُنَجِّمي هذا الزمان والكَهَنة يُناضِلونَنِي في هذهِ الأنباءِ كما كانَ السَّحرةُ يُناضِلونَ موسى . وإنَّ بعضَ الـمُلهَمينَ الجُهلاء المتَخَبِّطِينَ في دَيَاجِيرِ الظُلمات يَتركُونَ الحقَّ كَبِلعام باعور لِمُعارَضَتي، ويُساعِدونَ الظَالِمين…. فلذا يجبُ على جماعتِنا أنْ لا يَعْتَدُّوا ولا يَعُدُّوا هؤلاءِ الأَغيَار المعارِضينَ الذينَ لم يأتوني مُبايعينَ شيئًا، وإلّا فيكونونَ تحتَ غضبِ الله، لأنَّ كلَّ خَرَّاصٍ الذي يَتَخرَّصُ ويتنبَّأُ يبتلي اللهُ به المؤمنينَ الـمُخلِصينَ ليرى هل هُم يُعطُونَ لغيرِ اللهِ تلك المنزلةَ والأهميّةَ التي لا يُستَحِقُّها إلا الله ورَسُوله، ولِيَعلَمَ هل هُم ثابِتونَ على ذلك الحقِّ الذي وُهِبَ لهم أم لا…” (الخزائن الروحانيّة: ج20 – كتاب تجليّات إلهيّة: ص398)

والجملة التي ينتزِعونها من سياقها هي فريتهم التي ينسبونها إلى سيدنا أحمد فيدَّعونَ أنّه يوصي أتباعه: “بألا يَعُدُّوا هؤلاءِ الأَغيَار المعارِضينَ الذينَ لم يأتوني مُبايعينَ شيئاً”، ثم يُطبِّقونَ تلك الجملة على كل المسلمين الذين لم يُبايعوا سيدنا أحمد . والفرية واضحةٌ تمام الوضوح.. فإنّ هذا لم يكن أبدًا مقصِدَ سيدنا أحمد، ولا علاقة له بتاتًا بعامة المسلمين الذين لم يُبايعوه. ولكن المخالفين والمعارضين لا يتورَّعون عن تلفيق كافة التُّهم وإلصاقها بذلك الإنسان النبيل العظيم الذي قضى كل حياته مدافعًا عن الإسلام. وهم تمامًا يتصرَّفون كأعداء الإسلام الذين يحاولون تضليل الغافلين السُذَّج فيدَّعونَ أنّ القرآن المجيد يحضُّ الناس على عدم الصلاة في قوله: لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ أو أنّه يتوعَّدُ المصلين بالعذاب في قوله: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ .

ثم نسأل هؤلاء المخالفين والمعارضين.. هل نسوا أم تناسوا الشتائم والمسبَّات التي تطفح بها كتب العلماء الأشرار الذين ناصبوا سيدنا أحمد العداء؟ ألم يقرأوا اللغة البذيئة والألفاظ السافلة التي سوَّدوا بها صحفهم؟ ألم تقرع آذانهم الكلمات الوقحة والأوصاف الدنيئة التي أهالوها على سيدنا أحمد وعلى أفراد جماعته؟ فلماذا سمح لهم إسلامهم بالسكوت على هؤلاء بينما رفعوا أصواتهم اعتراضًا على سيدنا أحمد ؟ وياليتهم قالوا الحق وذكروا الحقيقة، ولكنهم لفَّقوا الحديث ولَوَوا النص وحرَّفوا المعنى وانتزعوا الجمل من سياقها ونسبوا له افتراءات كلها باطلة زائفة ولا تقوم على أي أساسٍ من الصحة أو الحق.

ولكن الجماعة الإسلامية الأحمدية لا تعاملهم بما يستحقونه، ولا تستعمل هذه الوسائل المتدنيّة وإن استعملها غيرهم، بل إنها تعمل حسب نصيحة سيدنا أحمد الإمام المهدي والمسيح الموعود حيث قال في بيتٍ من الشعر باللغة الأرديّة ما تعريبه:

“أنا أسمع الشتائم والمسبّات منهم، واسأل الله سبحانه وتعالى لهم الإصلاح والهداية إلى الصراط المستقيم. يا أفراد جماعتي.. إنّي أنصحكم إذا سمعتم منهم الشتائم والمسبّات، أن تدعوا الله سبحانه وتعالى لإصلاحهم، وحتى إذا تألمتم منهم فعليكم أن توفِّروا لهم الراحة” (الخزائن الروحانيّة ج21 – كتاب البراهين الأحمدية الجزء الخامس: ص144)

هذه هي أخلاق الأنبياء، وهذه هي مكارم الأخلاق التي يعلِّمها الأنبياء لأتباعهم. ولكن أعداء الأنبياء لا يرتدعون ولا ينتصحون، ويحسبونَ كلّ صيحةٍ عليهم، وإذا أشار مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية إلى بعض المعاصي التي يرتكبها العلماء الأشرار ويسيئون بها إلى الإسلام، ويريد لهم بذلك الخير والإصلاح.. هبَّ هؤلاء وزملاؤهم وحقدوا عليه حقدًا شديدًا، وادَّعوا أنّه يعيب دينهم ويسبُّ علماء المسلمين!! وما أشبه اليوم بالبارحة.. حين جاء وفدٌ من أشراف قريش إلى أبي طالب وفي مقدِّمتهم أبو سفيان.. يشتكون إليه قائلين:

“يا أبا طالب.. إنّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعابَ ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلَّلَ أبناءنا، فإما أنّ تكفّه عنا وإما أن تُخلي بيننا وبينه” (السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص265)

لقد وجَّه أشراف قريش إلى سيدنا محمد المصطفى نفس الاتهامات الباطلة التي وجَّهها معارضو الأحمدية إلى سيدنا أحمد ، وهكذا تشابهت القلوب والأقوال، وليس لدينا ما نردُّ به سيدنا المصطفى ، فنعلن وللعالم أجمع:

والله.. لو وضعتم الشمس في يميننا والقمر في يسارنا على أن نترك هذا الأمر ما تركناه حتى يُظهره الله أو نهلك دونه. وبالله التوفيق.

Share via
تابعونا على الفايس بوك