• أهل الجنة يتراءون لبعضهم البعض في الغرفات للتنافس في الخيرات
  • قد يمكنك الحصول على الترقيات المادية بأعمالك ولكنه من المستحيل أن تحصل على نعم الآخرة بدون الإيمان الخاص الخالي من أي نوع من الشرك
  • كلما يرتكب الإنسان إثمًا، هو بالفعل يرتكب الشرك لأنه يتوكل على شيء آخر لا على الله القادر على كل شيء
  • من أدرك أحد الوالديه ثم لم يُغفر له فأبعده الله
  • كما ربياني صغيرًا” نعني أنهما يحتاجان في الكبر إلى خدمة كخدمة يحتاجها الطفل

انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (الإسراء:22)

التفسير:
ورد في الحديث الشريف: «عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: إن أهل الجنة ليتراءَون أهلَ الغرف من فوقهم كما تتراءَون الكوكبَ الدُرِّيَّ الغابرَ من الأفق من المشرق أو المغرب.. لِتفاضُلِ ما بينهم» (مسلم: كتاب الجنة، باب ترائي أهل الجنة أهلَ الغرف).
لقد جيء بهذه الآية تدليلا على ما ذُكر في الآية السالفة، حيث قال الله تعالى: انظروا كيف آتينا كثيرًا من الكافرين الرقيَّ المادي، وليس وراءه إلا أعمالهم التي حظيت بالقبول لدينا. لقد كدحوا من أجل الدنيا فآتيناهم الدنيا. ولكن يجب ألا ينخدعنَّ أحد بهذا، فيظن أن غير المؤمنين أيضًا يمكن أن يحرزوا الترقيات العليا الحقيقية. كلا، لأن هذه الإنجازات المادية ليست بشيء إذا ما قورنت بما في الآخرة من رقي عظيم.
فالآية تحثّ المؤمنين على التنافس في الخيرات، مؤكدة أن عند الله نعمًا عظمى، فعلى المؤمن ألا يتوقف عند حد معين من الحسنات.

لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً  (الإسراء:23)

التفسير:
لقد بيّن الله هنا لماذا لا يعطَى الإنسان نعمَ الآخرة بدون الإيمان. ذلك أن المرء يكون مع من يتعلق به؛ فمن كان ذا صلة بالله تعالى فلن يزال يمشي قُدُمًا مع الله تعالى، ومن كان على صلة بالآلهة الباطلة بدلاً من الله تعالى فسيكون حيث آلهته الباطلة. علمًا أن الشرك يسبب سقوط الإنسان وتخلُّفه باستمرار. وليس في التاريخ البشري كله أمة أحرزت رقيًّا بسبب شركها، كلا، بل إن الأمة الوثنية كلما حققت رقيًّا حققته ضاربةً عقائدها الوثنية عرض الحائط، وليست عاملةً بها.

وقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا  (الإسراء:24)

شرح الكلمات:
قضى: قضى عليه عهدًا: أوصاه. قضى العهدَ: أنفذَه. قضى إليه الأمرَ: أنهاه وأبلغه. وفي الأساس: قضى إليه أمرًا وعهدًا: وصّاه به وأَمَرَه به (الأقرب).
أُفٍّ: كلمةُ تكرُّهٍ وتضجُّرٍ (الأقرب).
لا تَنهَرْهما: نَهَرَ السائلَ: زجَره (الأقرب).
قولاً كريمًا: أي سهلاً ليّنًا (الأقرب).

التفسير:
يخبرنا الله الآن كيف يستطيع الإنسان حماية نظامه، حيث أورد هنا ملخص تعاليم القرآن الكريم، منبِّهًا أنه لا بد للناس من مراعاة هذه الأحكام والالتزام بها في أيام إيمانهم، لينجوا من الانحطاط، وإلا لن يستمر رقيه.لقد أمر القرآن الكريم بإقامة التوحيد وردِّ الشرك أولاً وقبل كل شيء، لأن الأمم عندما تنال الحُكْمَ والسلطان تتسرب إليها الأوهام والوثنية بشتى أنواعها، لذا قرن الله أنباء الرقي بالتحذير من الأخطار القادمة لنأخذ الحذر منها.
وقد قدّم القرآن الأمرَ بإقامة التوحيد ورفضِ الشرك على كل الأحكام الأخرى لأن الإثم لا يتولد بدون الشرك. وأرى أن كل المعاصي هي في الحقيقة فروع لشجرة الشرك والوثنية، إذ لا يرتكب الآثم أي إثم إلا لأنه في الواقع لا يؤمن بذات الله وصفاته إيمانًا كاملا، ولا يتوكل عليه توكلا كاملا. إن عقيدة التوحيد إنما هي بمثابة البذرة للحسنات، وهي المحور للأديان كلها والأخلاق بأسرها، وإنكار التوحيد يُؤدي إلى زعزعة أسس قانون الطبيعة وقانونِ الشريعة كليهما. وعلاقة التوحيد بقانون الشريعة غنية عن البيان، وأما علاقته بقانون الطبيعة فاعلم أن التقدم العلمي والرقي المادي كله مرتبط بالتوحيد نفسه. ذلك أن الاعتقاد بأكثر من إله واحد يؤدي إلى الاعتقاد بأكثر من نظام في الطبيعة، أو على الأقل بحدوث تغيرات كثيرة باستمرار في النظام الطبيعي، ولولا وجود نظامٍ طبيعيٍ واحدٍ غيرِ قابل للتغير والتبدل لتوقَّفت كل التطورات العلمية دفعة واحدة. ذلك أن التقدم العلمي في شتى المجالات واختراع الأشياء المختلفة إنما أساسه وجودُ نظام موحَّد في الكون لا يتغير ولا يتبدل أبدًا. ولو أن الإنسان ظن أن الكون لا يخضع لنظام موحد أو أن هذا النظام يتغير ويتبدل من حين لآخر لما اتجه أبدًا إلى معرفة أسرار الطبيعة.

الإثم لا يتولد بدون الشرك. وأرى أن كل المعاصي هي في الحقيقة فروع لشجرة الشرك والوثنية، إذ لا يرتكب الآثم أي إثم إلا لأنه في الواقع لا يؤمن بذات الله وصفاته إيمانًا كاملا، ولا يتوكل عليه توكلا كاملا. إن عقيدة التوحيد إنما هي بمثابة البذرة للحسنات، وهي المحور للأديان كلها والأخلاق بأسرها…

وبعد أن أمرنا الله بالإيمان بالتوحيد أوصانا بالإحسان إلى الوالدين، لأن وجودهما يوجّهنا إلى الله . إنهما مظهر لقانون الطبيعة يأخذ بنا إلى قانون الشرع، إذ يدلنا على الذات التي هي مُبدِئة الأشياء. إن الولادة عن طريق الوالدين دليل على أن الإنسان لم يُخلق صدفةً، بل كان قبله أحدٌ غيره وقبله أحد آخر وهلم جرًّا، وهذا يمثل برهانًا على وجود البارئ . فلولا نظام التناسل لما فكر الإنسان في هذه السلسة الطويلة التي توصله إلى المبدأ الحقيقي.
كما أن ظاهرة التناسل تحدو بنا إلى حقيقة أخرى ألا وهي أن غاية خلق الإنسان غاية عظيمة بحد ذاتها. ومن أجل ذلك كله أمرَنا الله بالإحسان إلى الوالدين بعد أن أوصانا بالإيمان بالتوحيد، لأن الشكر على نعمة يذكّر الإنسان بالشكر على نعمة أخرى.
وقوله تعالى وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا عطف على (أَنْ) الواردة في قوله تعالى أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ، والتقدير: وأنْ أَحسِنوا بالوالدين إحسانًا، أي لقد أمركم الله ألا تعبدوا أحدًا غيره ، وأن تحسنوا بالوالدين إحسانًا.
ما ألطفَ هذا البيانَ وما أروعَه! فحيث إن الإنسان لا يقدر إطلاقًا على أن يجزي الله على نعمه وأياديه، فلذا قال لدى الحديث عن الله تعالى: ما دمتم لا تستطيعون أن تحسنوا إلى الله تعالى، فتَجنَّبوا ظُلمَ الشرك به على الأقل؛ أما الوالدان فقال الله عنهما: أَحسِنوا إلى الآباء كما أحسَنوا إليكم، ذلك لأن بوسع الإنسان أن يرد على ما صنع به الوالدانِ من جميل.

ولولا وجود نظامٍ طبيعيٍ واحدٍ غيرِ قابل للتغير والتبدل لتوقَّفت كل التطورات العلمية دفعة واحدة. ذلك أن التقدم العلمي في شتى المجالات واختراع الأشياء المختلفة إنما أساسه وجودُ نظام موحَّد في الكون لا يتغير ولا يتبدل أبدًا. ولو أن الإنسان ظن أن الكون لا يخضع لنظام موحد أو أن هذا النظام يتغير ويتبدل من حين لآخر لما اتجه أبدًا إلى معرفة أسرار الطبيعة.

وأما قوله تعالى عندك فالمراد منه أن والديك لو كانا بكفالتك أي يسكنان في بيتك وتنفق عليهما فأيضًا لا تَقُلْ لهما ما يجرح مشاعرهما، فما بالك لو تَعرَّضا لأذاك وهما يسكنان في بيت لهما مستقل.
لقد ذكر الله هنا كفالتهما خاصة لأن العيش الدائم معًا أدعى إلى الاختلافات، وأيضًا لأن الإنسان إذا أنفق على أحد ظن أن لـه حقًّا عليه.
و أُفٍّ كلمةُ تضجُّرٍ وتضايُقٍ، وقوله تعالى ولا تَنهَرْهما يعني لا تزجُرْهما ولا توبِّخْهما.. وكأنه تعالى يقول: لا تؤذِهما بالقول ولا بالفعل.
لقد حثّ الإسلام على خدمة الوالـدين كثيرًا، فقد قال النبي : «مَن أَدركَ أحدَ والديه ثم لم يُغفَر له فأَبْعَدَه الله» (مسند أحمد ج 4 ص 344 مسند الكوفيين رقم الحديث 18256).. أي من أضاع مثل هذه الفرصة الذهبية لفِعل الخير الذي يُكسِبه غفران الله ورضوانه، فلا سبيلَ لوصوله إلى الجنة.

وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا  (الإسراء:25)

شرح الكلمات:
واخفِضْ: خفَض الشيءَ ضدُّ رفَعه، وفي القرآن وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ للمؤمنين أي تَواضَعْ لهم. خفَض صوتَه: أخفاه وغَضَّه. وخفَض الصوتُ نفسُه: لانَ وسهُل (الأقرب).
جناح: الجناح: ما يطير به الطائرُ؛ يدُ الإنسان؛ العضدُ؛ الجانبُ؛ الكَنَف (الأقرب).
الذُّل: الانقيادُ؛ السهولة، واللينُ والتواضعُ (الأقرب).

التفسير:
بهذا التشبيه اللطيف قد أوصى الله الإنسانَ أن يكون في خدمة والِديه دومًا.
كما نبه الله تعالى أن الإنسان على العموم لا يقوم بخدمة والديه كما خدماه في صغره، ولذلك أمره أن يدعو لهما دائمًا بالرحمة، حتى إذا حصل تقصير منه في خدمتهما تدارَكَه بالدعاء لهما.
والكاف تأتي للتشبيه أيضًا، فتعني جملة كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا أن الوالدين يحتاجان في الكبر إلى خدمة كتلك التي يحتاجها الطفل في صغره.
لقد علّمنا الله هذا الدعاء لسبب آخر أيضًا، ألا وهو أن الذي هو دائم الدعاء لوالديه لا بد أن يهتم بأداء واجب الخدمة تجاههما أيضًا.

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا  (الإسراء:26)

شرح الكلمات:
أوَّابين: جمعُ أوّاب، وهو صيغة المبالغة مِن آبَ إلى الله: رجعَ عن ذنبه وتابَ (الأقرب).

التفسير:
أي أنه لو صلحت نية الابن تماما فسوف يستر الله تعالى عيوبه ويسدّ أيَّ تقصير يحصل منه في خدمة والديه.
تشبه هذه الآية في مفهومها الحديثَ الشريف الآنف الذكر بأن «مَن أَدركَ أحدَ والديه ثم لم يُغفَر له فأَبْعَدَه الله » لأنها هي الأخرى تؤكد أن الصالحين- أي الذين يعملون بالتعليم المذكور أعلاه- سيعاملهم الله تعالى بالتسامح والمغفرة.