الله في القرن الحادي والعشرين

__

الخطاب الرئيس الذي ألقاه إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية في مؤتمر أديان العالم

ألقى إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية الخليفة الخامس، حضرة ميرزا مسرور أحمد، الخطاب الرئيس في مؤتمر أديان العالم التـاريخي الذي عقد يوم 11/02/2014. وذلك في قاعة غيلدهول الشهيرة في العاصمة البريطانية لندن، وكان موضوع المؤتمر «الله في القرن الحادي والعشرين».

وقد نظمت الجماعة الإسلامية الأحمدية في المملكة المتحدة هذا الحدث كجزء من الاحتفالات بالذكرى المئوية لتأسيسها، وقد حضره حوالي 500 شخص، بما في ذلك رجال الدين من مختلف البلدان، والسياسيين، والمسؤولين الحكوميين، وأعضاء السلك الدبلوماسي والأكاديميين وممثلي عدد من المنظمات غير الحكومية، كما تلقى المؤتمر رسائل دعم من صاحبة الجلالة الملكة إليزابيث الثانية، وقداسة الدالاي لاما، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وعدد من الشخصيات الأخرى.

وقد ألقى عدد من كبار الشخصيات ورجال الدين خطابات في هذا المؤتمر.

وفيما يلي نص الكلمة الرئيسة التي ألقاها في المـؤتمر حضرة ميرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم

الضيوف الكرام،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بدايةً، أود أن أغتنم هذه الفرصة لأشكر جميع الضيوف الكرام لحضورهم هذا الحدث. وأود بصفة خاصة أن أعرب عن امتناني للضيوف المحترمين الذين ألقوا الكلمات وأوجزوا في وقتٍ قصيرٍ جدًا معتقداتهم ووجهات نظرهم. وأدرك تمامًا أنه من المستحيل للمرء أن يشرح معتقداته في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن وبالتالي ربما لم يتمكن ضيوفنا الكرام من مناقشة كل ما كانوا ينوون مناقشته.

ومع ذلك، فإن حقيقة أن أناسًا من خلفيات مختلفة قد اجتمعوا معًا هذا المساء على منصة واحدة لأمرٌ يدل على أننا، أتباع الديانات المختلفة، موحدون برغبةٍ وهدفٍ مشترك. وهذا الهدف المشترك هو العمل على تحسين حياةِ خلقِ خالقِ السماوات والأرض، حيث البشر هم الأسمى بينهم.

لقد عقدت على مدار العام الماضي العديد من الفعاليات للاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الجماعة الإسلامية الأحمدية في المملكة المتحدة، ولكن حدث اليوم أفضلها جميعًا. إنه وسيلة ممتازة لتوفير منصة مشتركة للناس للاجتماع معًا لمناقشة أهمية الله في هذه الأوقات.

وبالتالي، يستحق الذين قاموا بترتيب هذا الحدث شكرنا وامتناننا. وإنني شخصيًا ممتن لهم بصفة خاصة لأنه من خلال حدث هذا المساء تعرفت على الكثير من الناس الجدد.

ومشاعر الامتنان هذه التي أشعر بها تحوّل انتباهي نحو الله، الذي وفقًا لتعاليم ديني قد أمر الإنسان بإظهار الامتنان لأخيه الإنسان أينما استحق ذلك. وبالتالي، إذا كان شخص ما لطيفًا معي فمن الضروري أن أعرب عن تقديري له، لأن شكر الإنسان شرط أساسي لشكر الله عز وجل.

هذا هو التصور عن الله الذي يقدمه الإسلام. بالتأكيد، إذا كان المرء يتبع التعاليم الحقيقية للإسلام ويؤمن حقًا بالله ويتصرف بناءً على هذا التعليم فقط وبإخلاص، فسوف يجد أن امتنانه سيكون وسيلة لنشر المحبة والمودة في المجتمع، تمامًا كما أن تفتّح الزهرة ينشر الجمال والشذى في محيطها بغض النظر بأي قرنٍ انتشر هذا العبير.

إذا تصرف كل واحد منا بهذه الطريقة لوجدنا أن الأحقاد الحارقة وصراعات العالم التي تظهر في أوقات مختلفة، وبطرق ومناسبات مختلفة قد دفنت جميعها مرة واحدة وإلى الأبد، وحلت محلها المحبة والسلام في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن.

قد يظن البعض أن ما أقوله مثاليّ، ومن المستحيل تحقيقه عمليًا. ولكن عندما ننظر إلى التاريخ الطويل للأديان ندرك مثل هذا المجتمع من الرأفة والرعاية وهو بالضبط ما يريده الله.

ولسوف تحقق البشرية هذه الأهداف النبيلة بإذن الله وتصل لمثل هذه القمة الأخلاقية. ولهذه الأسباب قد أرسل الله باستمرار أنبياءه ورسله إلى جميع أنحاء العالم. لقد أرسلوا من أجل إصلاح البشرية وتنمية روح الحب المتبادل والتعاطف والأخوة بين جميع الناس. لقد أرسل الله رسله حتى يتوجه الناس نحو الوفاء بحقوق الله تعالى وحقوق بعضهم البعض.

لقد استطاع أنبياء الله والمصطفون من الناس تشكيل جماعة حولهم من مثل هؤلاء الناس الذين جاهدوا ليعيشوا حياتهم وفقًا لتعاليمه تعالى، بينما واجه رافضوهم مصيرًا مؤسفًا دائمًا. وكلما أرسل الله رسلا لم يُقبلوا بصفة عامة وكان هناك أشخاص عارضوا الدين وصدوا عنه. قد يقولون إن المدعي كان يحاول مجرد غرس الخوف في الناس وأنه في الواقع لم يكن هنالك حاجة إلى الإيمان بالله مالك الملك القوي العزيز. ولكن هؤلاء الناس الذين رفضوا الله وعارضوا الأنبياء قد دُمروا في نهاية المطاف دائمًا.

القرآن الكريم يقصّ أحداثَ مثل هؤلاء الناس الذين ابتعدوا عن الله سبحانه وتعالى فتورطوا في مختلف الابتلاءات والمحن ودُمروا في نهاية المطاف. بينما فاز من اتخذ علاقة وثيقة مع الله وثبت انتصارهم دائمًا. مثل هذه الروايات ليست مذكورة في القرآن فحسب، ولكن في الكتب المقدسة للأديان الأخرى أيضًا. عند قراءة أو سماع هذه القصص نضطر للتفكر والسؤال، هل هذه القصص مجرد أساطير وخرافات أم أنها واقعية جدا؟ هل هذه العواقب التي حذر منها مَن اصصفاهم الله تعالى قد حدثت في الواقع؟ هل تحققت الآيات التي أعلنها رسل الله؟ هل يجزي الله سبحانه وتعالى وينعم على من يصطفيهم؟ وكنتيجة لتعاليم الأنبياء، هل يسير الذين يؤمنون بالله على صراطٍ ممهَّد بالحب والتعاطف مع الآخرين؟

في هذا الوقت القصير، لا أستطيع أن أشرح بعمق كل قضية على حدة، ولكن يمكنني أن أستشهد بحقيقة أن تاريخ الدين يثبت أن الإجابة على كل هذه الأسئلة هو بالتأكيد “نعم”. الكتاب المقدس الذي أؤمن به، القرآن الكريم، يخبرنا بوضوح أن كل هذه الأمور صحيحة، وأن الله سبحانه وتعالى يرسل أنبياءه في مهمة تهدف إلى غرس أعلى المعايير الممكنة من الروحانية في البشر من خلال إنشاء علاقة وثيقة مع الله. ومن خلال هذه العلاقة لا يؤدي المرء حقوق الله فحسب، ولكنه ومن خلال إظهاره لأعلى المعايير الأخلاقية يؤدي الحقوق المستحقة لخلق الله أيضًا. وكما قلت آنفًا، فإن الله تعالى قد فضَّل البشر على كل خلقه. إن كلا هذين التعليميْن الأساسيين لو أُسِّس في أي مجتمع، والتزم بهما الناس لما نالوا مرضاة الله فحسب، ولكن سيكونون أيضًا مَن ينشر الحب والمودة والإخاء.

وفقًا لمعتقداتي كمسلم، فقد بعث الله عز وجل النبي الكريم محمدًا لإصلاح العالم بأسره ولغرس هذه الأهداف السامية بين البشر. وفي خضم جهوده الرامية نحو الإصلاح، ظلّ يبلّغ هذه الرسالة الإلهية، وظلّ يجاهد ليل نهار دون توقف. ولم تقتصر جهوده على التبليغ بل كان كل ليلة يخر أمام ربه في الصلاة، داعيا الله تعالى باكيًا بألم وحرقة وحزن حتى يصبح مكان سجوده غارقًا بالدموع.

فما الذي كان يدعو لأجله النبي الأكرم بهذه الحرقة؟ لم يكن من أجل أن يحصل على الجاه أو السلطة ولم يكن لاغتصاب أي حكومة أو إدارة، وإنما كان يبخع نفسه في كل دعاء بعذابٍ مطلق متضرعًا إلى ربه بسبب أن الناس لا ينصلحون روحانيًا ومعنويًا. لماذا يرفضون التخلي عن قساوتهم؟ لماذا لا يرغبون بالتخلي عن الظلم والشر؟ وبسبب كل هذا لماذا يرمون أنفسهم في هاوية الدمار؟ لقد كان ألم النبي الكريم وكربه عميقين جدًا وكان قلقه وضيقه كبيرين جدًا، لدرجة أن الله في القرآن قد خاطبه مباشرة، سائلًا إياه ما إذا كان سيبخع نفسه لأنهم لم يستمعوا أو يصغوا لرسالته.

ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يستمع إلى الأدعية الجدية والقلبية وهكذا أجاب أدعية النبي الكريم محمد تلك. والتاريخ يشهد على حقيقة أن هؤلاء الناس الذين كانوا جاهلين جدًا وغير متحضرين، وسكارى، وزناة، ومقامرين ولصوصا ومتورطين في جميع أنواع الرذائل، استطاعوا تخليص أنفسهم من كل هذه الشرور واستبدالها بالقيم الأخلاقية الرائعة. لقد تبدل هؤلاء الناس وأنشأوا رابطة وثيقة مع الله سبحانه وتعالى. ولا يمكن لأي سلطة دنيوية على الإطلاق أن تحدث هذه الثورة الروحانية.

ومن الناحية الدنيوية كان المسلمون الأوائل ضعافًا جدًا، وحتى لو اكتسب المسلمون بعض القوة، فقد كان ذلك في وقت لاحق جدًا. وخلال تلك الفترة الأولى ظلوا فقراء ومعدَمين وبلا أي حيلة، ولكن وبسبب إيمانهم الصادق وعلاقتهم الوثيقة بالله فقد كانوا مستعدين دائمًا للتضحية بحياتهم في سبيله تعالى. لقد وصلوا إلى أعلى مستوى من التضحية وإلى رغبة عارمة لخدمة البشرية حتى إنهم كانوا مستعدين للتخلي عن كل ممتلكاتهم وعن كل ما كان في منازلهم من أجل مساعدة الآخرين.

وإذا قارنا حياة هؤلاء الناس قبل إيمانهم بالله وبعده، فلن يكون هنالك أدنى شك في التحول والتغير الكبير الذي حدث في قلوبهم، والذي كان تمامًا بسبب ما اكتسبوه من معرفة وفهم لله. وهؤلاء الناس قد شهدوا آياتٍ واضحة على نصر الله. والثورة الروحانية التي حصلت لم تكن وليدة المصادفة أو بسبب الرغبة في تحقيق أي هدف دنيوي، ولكنهم لمسوا ورأوا بأنفسهم أن مشاعر الحب في قلب النبي الأكرم تجاه الآخرين لا نظير لها.

حتى إن خصوم الإسلام الأكثر ضراوة ومرارة قد أرغموا على قبول هذه الحقيقة. لقد كانوا شهودًا على حقيقة أن النبي الأكرم قد رد على وحشيتهم وحقدهم وهجماتهم الشرسة بالمغفرة والرحمة والشفقة فقط. لقد كانوا شهودًا على حقيقة أنه عندما حقّق الرسول الكريم النصر على الأعداء الألداء للإسلام، والذين لم يألوا جهدًا في القضاء على الدين، رد بسلام وتسامح بقوله لهم: ليس لدي أي عداوة شخصية تجاهكم ولا أرغب في الانتقام من الوحشية والاضطهاد الذي ألحقتموه بنا في الماضي. وطالما أنكم تتعهدون بالعيش بسلام فأنتم أحرار في البقاء في مكة. ولن يتم التعامل معكم بقسوة أو ظلم بسبب اختلافاتكم الدينية أو العقائدية.

عندما لاحظ أعداء الإسلام الذين لا يعدون ولا يحصون هذا المثال الذي لا مثيل له من الإحسان، لم يكن لديهم خيار إلا الاعتراف به. وسأعطي مثالًا واحدًا فقط: عند رؤية سلوك النبي الأكرم قال تلقائيًا أحد معارضي الإسلام واسمه عكرمة وهو ممن ارتكب فظائع جسيمة ضد المسلمين، إنه يمكن فقط لمن كان حقًا من الله ومن كان حبه للبشرية منقطع النظير أن يتصرف بمثل هذه الطريقة الرحيمة. فرؤية أسوة النبي الأكرم جعلت أعداء الإسلام يعلنون مرارًا وتكرارًا أن الشريعة التي أوحيت إليه هي بلا شك صحيحة وأن اللقب الذي منحه إياه القرآن الكريم بأنه “رحمة للعالمين” له ما يبرره تمامًا.لقد اعترفوا بأنه يتدفق ينبوع من الرحمة والشفقة للبشرية من كل عضو ومسام وجزء من جسمه. لقد أكدوا صراحة أن كل فعل من أفعال النبي الكريم كان مثالًا على أعلى معايير الرحمة ويثبت صدق كلام الله.

وفي ضوء هذه التعاليم الرؤوفة يحتمل أن تثار مسألة أو اعتراض، وبالفعل، كثيرًا ما يثار هذا الاعتراض من قبل بعض غير المسلمين وهو أنه إذا كان الإسلام يعلم المسلمين إظهار الحب والتعاطف تجاه الآخرين، وإذا كان النبي الأكرم بحق “رحمة للعالمين” فلماذا شُنت الحروب الدينية؟ لفهم هذه المسألة يجب أن تكونوا على بينة بالتاريخ الحقيقي للإسلام المبكر وأن تأخذوا في الاعتبار نقطتين هامتين.

أولهما، أن التاريخ يشهد على الحقيقة، التي يعترف بها حتى المستشرقيون النزيهيون غير المسلمين، وهي أنه في السنوات الأولى لدعوة النبي الأكرم تعرض هو وأتباعه للاضطهاد الأكثر رعبًا ووحشية في مكة من قبل أولئك الذين إما لم يكونوا متدينين أو كانوا عبدة أوثان. في الواقع لقى العديد من أصحاب النبي الأكرم بما في ذلك الرجال والنساء والأطفال حتفهم. وأعطي مثالًا واحدًا فقط على هذه الطبيعة الوحشية للمعارضة: لقد كانت هناك حالات لنساء مسلمات ربطن من أرجلهن إلى جملين ثم سار الجملان في اتجاهين متعاكسين، بحيث كانت جثث السيدات المسلمات تُقطع إربًا حقيقةً، وتقسم إلى قطعتين.

في الواقع، هنالك قائمة طويلة جدًا من الأعمال الوحشية التي وقعت ولكني لا أستطيع ذكرها جميعًا هنا. ولكن، وعلى الرغم من هذه القسوة غير الإنسانية والوحشية فإن المسلمين لم يسعوا بأي شكل للانتقام علنًا كان أو سرًا وبدلًا من ذلك، وبعد سنوات من مواجهة الاضطهاد المستمر والمرير، هاجر النبي الأكرم ومعظم أصحابه من مكة حيث ذهب فريق من المسلمين للعيش في المدينة، في حين سافر فريق آخر إلى أماكن أخرى. في المدينة، حيث هاجر النبي الأكرم ، قَبِل عدد كبير من الناس الإسلام. ولكن كفار مكة لم يتحملوا رؤية المسلمين يعيشون بسلام ويستقرون بشكل جيد.

وهكذا، وبعد 18 شهرًا فقط من الهجرة هاجموا مسلمي المدينة بجيش قوامه 1000 جندي مجهز تجهيزًا جيدًا جدًا. وبالمقابل كان جيش المسلمين عبارة عن 300 شخص فقط غير مسلحين تقريبا إلا من مجرد حفنة من السيوف والسهام. وإذا تم تقييم المزايا النسبية للجيشين فليس هنالك شك في أن أفضل خيار للمسلمين كان في التراجع وإنقاذ أنفسهم، وليس في الوقوف والدفاع عن أنفسهم. ولكن، وفي ذلك الوقت أمر الله سبحانه وتعالى أخيرًا النبي الأكرم بالقتال الدفاعي وقد ذكر ذلك في السورة رقم 22 من القرآن الكريم (الحج) في الآيتين 40-41 حيث قال الله تعالى:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا الله وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

يتضح من هاتين الآيتين أنه عندما أُذن بالقتال لأولئك الذين استُهدفوا بلا رحمة فلم يكن ذلك من أجل الدفاع عن أنفسهم فحسب، وإنما من أجل حماية جميع الأديان. وهكذا فإن السبب الثاني وراء الإذن بالقتال هو أنه إذا لم يتم صدّ الظالمين بالقوة فإن أعداء الدين لن يدَعوا المسيحيين، ولا اليهود، ولا المسلمين ولا أتباع أي دين آخر يعيشون بسلام. والحقيقة أن هؤلاء المعارضين للإسلام قد تمنوا القضاء على جميع الشعوب المحبة للسلام فقاموا بإغراق العالم بالفتنة والفوضى لتحقيق مكاسبهم الشخصية.

وعلى هذه الخلفية، قال الله تعالى للمسلمين أن لا يخافوا ، وأن الجيش المكي القوي سيُهزم لأن نصر الله كان مع المسلمين. ويشهد التاريخ على حقيقة أنه بعون الله ونصره، كان المسلمون القليلون وغير المجهزين قادرين على هزيمة خصومهم الذين كانوا يرغبون في تدمير السلام في العالم. ولم يكن هذا نصرًا للإسلام فقط، بل كان انتصارًا خالدًا لكل مَن يرغب في أن يتأسس السلام في العالم. لقد كان نصرًا لكل شخص يرغب في الحفاظ على القيم الإنسانية تخطّى حدود الزمن، وكان انتصارًا لجميع الناس الذين يعتقدون أن الدين قوة للخير وإحلال السلام في العالم.

خلال حياة النبي الكريم محمد وفي زمن خلفائه الأربعة (الخلفاء الراشدين)، يشهد التاريخ على حقيقة أن الحروب التي خاضها المسلمون كانت لأجل إنهاء القسوة وإحلال السلام في العالم فحسب. ولم تُخَض أبدًا لإلحاق القسوة والظلم أو الإرهاب. وعندما انتهت فترة الخلافة الراشدة، تأسَّس في مكانها شكل من أشكال الملَكية.

وللأسف، خلال تلك الحِقبة كانت معظم الحروب تُخاض لأسباب سياسية أو دنيوية. ومع ذلك، يجب أن يكون واضحًا أن هذه الحروب التي خيضت لتوسيع الممالك وزيادة السلطة لم تُخَض بأي شكل من الأشكال حسب تعاليم الإسلام التي جاء بها القرآن الكريم.

وفي سياق مماثل، لا يمكن أن يقال عن تصرفات الحكومات الإسلامية أو الجماعات المتمردة المعارضة اليوم أنها تعكس أو تمثل تعاليم الإسلام بأي شكل من الأشكال. وأقول دون أي تردد إن أعمال بعض المسلمين المتطرفين اليوم، التي يقومون بها باسم الإسلام، هي في الواقع لا تشوه إلا سمعة الإسلام والدين نفسه. وإذا اتبع الناس مثل هذه الأيديولوجية الدينية فمن الواضح تمامًا أن الدين أو الله لا يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا في إحلال السلام في العالم. وفي الواقع، سيكون علينا الاعتراف بأنه قد ثبت أن من يقولون بأن الدين كان سببًا لنشر الفوضى في العالم على حق.

ومع ذلك، يزداد إيماني بديني عندما أقرأ نبوءات وتوجيهات القرآن والنبي الأكرم عن الأيام الأخيرة. فالقرآن والنبي الأكرم قد تنبآ على السواء بأنه سيأتي زمان على المسلمين ينسون فيه التعاليم الحقيقية للإسلام وأنهم لن يتبعوا القرآن. كما تنبآ أيضًا أن هؤلاء المسلمين، الذين يطلقون على أنفسهم رجال الدين وزعماءه، سيكونون في واقع الأمر مصدرًا للفتنة والفساد والفوضى. وهذا هو بالضبط ما نشهده اليوم. وكما قلت عندما ألاحظ كل هذا، فإن إيماني لا ينقص وإنما يزداد.أنا لا أصاب بالإحباط ولا أفقد الأمل، لأنه حيث تنبأ القرآن الكريم والنبي الأكرم بحالة عالم اليوم التي يرثى لها، فقد زفّوا أيضًا بشرى بعثة شخص من بين المسلمين من أجل إحياء الإسلام الصحيح، والذي سيكون المسيح الموعود والإمام المهدي. وسيأتي لإنهاء جميع الحروب الدينية، وسيحول جميع أشكال القسوة على كل مستوى من مستويات المجتمع إلى سلام ووئام. وسيعمل بلا كلل من أجل تحقيق هذه الأهداف النبيلة، وسوف يبث الروح الحقيقية للإسلام بين أتباعه. وقد وردت الروح الحقيقية في الآية التالية من القرآن الكريم التي تقول:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

وهكذا تستعرض هذه الآية ضرورة الالتزام دائمًا بالعدل والإنصاف. ومعيار العدالة المطلوبة هو أنه حتى إذا كان عليك الشهادة ضد نفسك، أو والديك أو أحبائك، فعليك القيام بذلك دون تردد، لأن مثل هذه العدالة هي الضامن لإحلال السلام. هذا هو المعيار الذي علمه الله سبحانه وتعالى في القرآن، ولكن السؤال هو ما إذا كان يمكن تحقيق هذا المستوى العالي؟ كما ذكرت سابقًا، فإن القرآن والنبي الأكرم قد تنبآ أن زمنًا من الاضطراب والفوضى والفساد سيصيب العالم، ويمكننا أن نرى بأمّ أعيننا الطريقة التي قد تحقق بها ذلك حرفيًا. في الواقع، إنه دليل كبير على أن كلام الله الصادق قد تجلى بوضوح. وبنفس الطريقة، وبالتزامن مع إحياء الإيمان، الذي سيحدث على يدي المسيح الموعود والمهدي، فإن هذا المعيار المثالي من العدالة سوف يتأسس في العالم بينما لن يكون عداء أمة عقبة في إنشاء العدالة.

نحن، المسلمين الأحمديين، محظوظون بأننا لا نؤمن بتلك النبوءات فحسب، ولكننا أيضًا نؤمن إيمانًا راسخًا بأن الشخص الموعود إرساله من الله سبحانه وتعالى قد بُعث في شخص مؤسس جماعتنا، حضرة ميرزا غلام أحمد القادياني . ونؤمن كذلك أن مهمة إحياء الإسلام، والتي بدأها المسيح الموعود ، تستمر اليوم من خلال مؤسسة الخلافة -نظام الخلافة الروحاني. وقد ثبت صدق المسيح الموعود بعون الله وتأييده والآيات الإلهية التي لا تُعدّ ولا تحصى في حقه.

وإحدى هذه العلامات زيادة الزلازل والكوارث الطبيعية الأخرى الناتجة عن حقيقة أن البشرية قد نسيت خالقها، وبسبب الاضطراب الواسع النطاق والصراع في العالم. التاريخ يثبت أن عدد الكوارث الطبيعية في القرن الماضي قد تجاوز عدد كوارث القرون السابقة. وهنالك آية أخرى عبارة عن نبوءة للمسيح الموعود متعلقة بسقوط القيصر في روسيا. وقد تنبأ أنه بسبب أعمال القيصر الوحشية، سوف يجرد من لقبه وملكه. وكما يظهر التاريخ، فقد تحقق هذا أيضًا. والنبوءة الثالثة كانت حول الحروب العالمية وقد شهدنا حربين عالميتين. وإذا لم نصلح طرقنا ونعترف بخالقنا فسنشهد المزيد من هذه الحروب ونتائجها المروعة. كل هذه النبوءات تثبت أنه كان نذيرًا من الله وأرسل لإصلاح الإنسان وجلبه نحو الصراط المستقيم.

علاوة على ذلك، فمن الواضح تمامًا أنه من دون مساعدة الله، لا يمكن لمدّعٍ من قرية صغيرة ونائية في الهند أن يشتهر في جميع أنحاء العالم. ولا يمكنه بعد وفاته، دون عون الله، أن يخلف وراءه مثل هذا الجماعة المزدهرة. الجماعة التي، نظرًا لارتباطها الوثيق مع مؤسسة الخلافة، تواصل نشر مهمته في جميع أنحاء العالم، والتي هي إنشاء العلاقة بين البشر والله سبحانه وتعالى وتطويرها والوفاء بحقوق البشر مع الحفاظ على أعلى معايير العدالة. تمتلك الجماعة الإسلامية الأحمدية موارد محدودة جدًا وبالتالي فلا يمكن لرسالتها أن تنتشر إلى أنحاء العالم دون مساعدة الله تعالى.

وهكذا، وحيث يُثبت كلُّ هذا وجود الله من ناحية، فإنه يدل على أن الجماعة الإسلامية الأحمدية قد تباركت بقوة بالنصر والدعم الإلهي من ناحية أخرى. واليوم أبناء الجماعة الإسلامية الأحمدية هم الذين يبذلون التضحيات المالية الكبيرة في محاولة لمساعدة الآخرين، بل يضحون بحياتهم في محاولة لإنشاء السلام والحفاظ عليه في العالم. تتعرض جماعتنا في بعض البلدان للاضطهاد بشدة وترتكب أفظع أنواع الوحشية ضدنا، لكننا لا نقوم بردة فعل أو ننتقم بأي شكل من الأشكال التي يمكن من خلالها تعريض السلام في المجتمع لأي خطر.

هذا بلا شك لأننا نعمل وفق التعاليم الإلهية للقرآن التي بينها وأوضحها وضوحًا تامًا مؤسس جماعتنا. ولذلك أدعو الله تعالى أن يدرك العالم حاجة الوقت. آمل وأدعو الله تعالى أن نتمكن، نحن ممثلي الديانات المختلفة والمجتمعين هنا اليوم، من إظهار تعاليم الحب هذه عمليًا، وأن نسعى جميعًا نحو عبادة الله الواحد، عن طريق التعامل مع خلقه بالعدالة وتأدية حقوقهم الواجبة. وبالتأكيد هذه هي التعاليم الأصلية لجميع الأديان.

يجب علينا الاستفادة من جميع مواردنا وقدراتنا لتأسيس مجتمع أفضل، ولمساعدة خلق الله ونشر المحبة والمودة والسلام على كافة المستويات. فحاجة العالم الملحة والحرجة اليوم هي إحلال السلام والإيمان بالله. إذا فهم العالم هذه الحقيقة فلن تنفق جميع البلدان، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، الأموال باسم الدفاع، وتخصص الملايين والمليارات من الدولارات لتوسيع قدراتها العسكرية. بل ستنفق تلك الثروة على إطعام الجياع، وتوفير التعليم للجميع وتحسين مستويات المعيشة في العالم النامي.

إذا قيَّمنا عالم اليوم بطريقة عادلة فعلينا أن نقبل أنه حتى اقتصادات العالم المتقدم قد أصبحت غير جديرة بالثقة وغير مستقرة. والقدرة الشرائية لأفراد الشعب قد تضاءلت إلى حد كبير. وحتى هنا في المملكة المتحدة، تظهر المقابلات على شاشة التلفاز أن الأسر في الماضي كان لديها القدرة على تناول الطعام خارج البيت بصورة منتظمة، ولكن ناهيك عن تناول الطعام في الخارج، الآن يضطرون للجوع في بيوتهم أحيانا. وببساطة من غير الممكن بالنسبة لهم تناول الطعام والعيش بشكل مريح كما كانوا من قبل، والسبب في ذلك هو أن البلدان تعطي الأولوية للدفاع والميزانيات العسكرية فوق ميزانيات الرفاه الاجتماعي. وهنالك رغبة عارمة في إرسال الجيوش إلى دول أجنبية على بعد آلاف الأميال وإرسال الأسلحة بدلًا من الالتفات إلى التخفيف من حدة المشاكل داخل عتبات دولهم وحل مشاكل شعوبهم.

هذه ليست قصصًا أو أساطير قديمة من الماضي، بل إنّ الله في الحقيقة حيٌ في الماضي، وحيٌ اليوم. ولقد علَّمَنا المسيح الموعود أن الله لا يزال يتحدث إلى عباده الصالحين ويُظهر لهم آياته الصحيحة.

وبالتالي، لا يتم نشر الفوضى عن طريق الدين، ولكنه ينتشر في الواقع نتيجة الألعاب والطموحات السياسية وسعي الشعوب والأمم لتأكيد تفوقهم على بعضهم البعض.

وبالتالي، فحاجة الوقت الملحة هي أن على جميع الناس وجميع الأمم الالتفات إلى هذا وإلا فالعالم يقف على شفا دمارٍ لا يمكن تصوره. وبعض الدمار الذي نراه في العالم اليوم ذاتي، في حين أنه بعضه الآخر سببه العواقب المروعة للكوارث الطبيعية.

وبالتالي ومن أجل حماية أنفسنا وإنقاذ البشرية نحتاج للتوجه إلى الله سبحانه وتعالى، نحن بحاجة لأن نعلق أنفسنا بالله الحي الذي لم يهجر النبي موسى وقومه ولم يهجر النبي عيسى وحوارييهم. كما لم يُحرَم المسلمون الحقيقيون من الحصول على بركات الله ورؤية أدعيتهم مقبولة.

هذه ليست قصصًا أو أساطير قديمة من الماضي، بل إنّ الله في الحقيقة حيٌ في الماضي، وحيٌ اليوم. ولقد علَّمَنا المسيح الموعود أن الله لا يزال يتحدث إلى عباده الصالحين ويُظهر لهم آياته الصحيحة. وبالتالي، فإن من واجبنا الالتفات إلى كلام مصلح الزمان والاعتراف يإلـهنا بروحٍ حقيقية. نشهد أن الله قد أظهر آياته من خلال المسيح الموعود ويستمر في القيام بذلك اليوم.

وفي الختام أود أن أقول أنه بدلًا من أن نلقي بلائمة أخطائنا على الله وعلى أدياننا، علينا أن ننظر في المرآة ونقيِّم أوجه القصور الخاصة بنا.

مع هذه الكلمات، أود أن أشكر مرة أخرى كل الضيوف لبذلهم الوقت للقدوم والاستماع إلى ما قلته اليوم. شكرًا جزيلًا.

Share via
تابعونا على الفايس بوك