الباحثون المسلمون الأحمديون واستعادة العصرِ الذهبِي للإسلامِ
  • الله تعالى يعطينا مفاتيح البحث العلمي
  • واقع المسلمين المؤسف في هذا العصر
  • القصور الحاصل في العلوم المادية هذه الأيام، والسبيل إلى تلافيه
  • حقيقة التناقض المزعوم بين العلم والدين
  • تقدم المسلمين العلمي انطلاقا من القرآن
  • تصرف الجماعة الإسلامية الأحمدية الواجب حيال الواقع المؤسف

__

يوم السبت الموافق 14/12/2019، عُقد أول مؤتمر للجمعية الإسلامية الأحمدية للبحوث (AMRA) والذي نظمه مجلس خدام الأحمدية في المملكة المتحدة، وذلك في قاعة مسرور في إسلام أباد، في تلفورد بالمملكة المتحدة.حضر هذا الحدث أكثر من 250 شخصًا منهم 60 باحثًا من 9 دول حول العالم.

وقد تشرفت الجلسة الختامية للحدث بالخطاب الختامي الذي ألقاه، حضرة ميرزا مسرور أحمد، إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية، الخليفة الخامس (أيده الله تعالى بنصره العزيز) وفيما يلي ترجمة خطاب حضرته الذي ألقاه بهذه المناسبة.

بعد التشهد والتعوذ والبسملة، قال حضرته:

الله تعالى يعطينا مفاتيح البحث العلمي في القرآن

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (آل عمران: 191-192)..

اليوم بفضل الله تعالى، نعقد أول مؤتمر دولي للجمعية الإسلامية الأحمدية للبحوث، فآمل وأدعو الله أن يكون هذا الحدث مفيدًا ومصدرًا للتعلم لجميع المشاركين. في العديد من الآيات القرآنية، بما في ذلك الآيتان اللتان تلوتهما للتو، ذكر الله تعالى خلق السماوات والأرض وأمرنا بالتفكير في الغرض الحقيقي من الخلق.

لقد شجعنا على استخدام عقولنا والتفكير في خليقته والبحث عن مجالات جديدة من التقدم البشري والابتكار من خلال البحث والتفكير. والواقع أن الله تعالى قد عَدَّ البشر أفضل المخلوقات بسبب حقيقة أننا نمتلك الذكاء والفهم، فقد مُنحنا القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وأُعطينا القدرة على التفكير والفهم. وجعلنا متميزين من بين جميع الخلائق. لقد أعطى الله تعالى البشر البصيرة لتقدير أن كل ما خلقه إنما هو لمصلحتنا بشرط أن نستخدمه بالطريقة الصحيحة.

من المؤكد أنه من بين جميع الكتب السماوية، يعد القرآن الكريم فريدًا من حيث الكم الهائل من المعارف التي قدمها عن الكون وبداية نشأته، وكيف شجع على البحث العلمي والسعي وراء المعرفة.

في هذا الصدد، ذكر المسيح الموعود أنه “عندما يدرس المؤمنون، ويتأملون الأجرام السماوية والكون بأسره، فإن هذا يساهم في انفتاح عقلولهم وتنويرها”. فتكون النتيجة أنهم يتوصلون إلى إيمانٍ راسخ بوجود الله سبحانه وتعالى، حيث يرون آيات وجود الله في كل ما حولهم.

عندما يتأمل أولو الألباب بعناية في السماوات والأرض والكون ولماذا يبقى طولُ الليل والنهار في حالة من التغير الدائم، فإن هذا يجعلهم يتعرفون على الله سبحانه وتعالى، ويدركون كمال خلقه.أمضى الدكتور عبد السلام حياته متفكرًا في الكون، واستخدم كل ما اكتسبه من رؤية لإثبات وجود الله. وبالتالي، على جميع الباحثين أو الأكاديميين الأحمديين أن يضعوا في اعتبارهم وحدانية الله تعالى، قبل وأثناء وبعد إجراء أي بحث أو دراسة.

القصور الحاصل في العلوم المادية هذه الأيام، والسبيل إلى تلافيه

من ناحية أخرى، فإن اهتمام الأبحاث الدنيوية وغير الدينية محدود وضيق. عندما يدرسون شيئًا ما يقومون بتقييمه بطريقة محدودة. بينما لا يرضى الشخص الصالح بمجرد تحديد أبعاد العالم أو شكله المادي، أو حساب قوى الجاذبية، ولا يطمئن لمجرد تحديد الخصائص الرئيسية للشمس والقمر والنجوم. بل يسعى المؤمن الحقيقي باستمرار، ويجاهد ويناضل من أجل مراقبة وفهم الانسجام التام للطبيعة في العالم من حولنا. ويكون لديه تعطش كبير لتحديد الخصائص أو الإمكانات الخفية للعالم المادي، وعندما يدرك تألقه وكماله، سينجذب حتمًا نحو خالقه فيتعزّز إيمانه بوجود الله تعالى. وبالتالي عندما يتأمل أولو الألباب بعناية في السماوات والأرض والكون ولماذا يبقى طولُ الليل والنهار في حالة من التغير الدائم، فإن هذا يجعلهم يتعرفون على الله سبحانه وتعالى، ويدركون كمال خلقه.

عندما يرون الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة، ويدركون عظمته وجلاله، ينيبون إليه بمزيد من الحماسة والعاطفة، ويجدّون في طلب عونه ونعمه أثناء سعيهم لزيادة فهم ألغاز الكون وفكِّها. ومن أجل نيل بركاته وعونه، يذكرونه قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم. تمامًا كما وُصفت حالة المؤمن الصالح في الآيتين الكريمتين اللتين تلوتهما للتو. عندما يدعون الله من أجل الهداية، فإنه يمنحهم وضوحًا في الفكر وينير عقولهم ويزيل عنهم غشاوة عدم الفهم التي كانت قائمة سابقًا، ويمنحهم فهمًا للكون والكواكب فيدركون على وجه اليقين أن مثل هذا النظام الطبيعي المثالي والدقيق لا يمكن أن يتحقق بالصدفة أو بمفرده. بل هو استبصار ومؤشر على وجود خالق عظيم. في الواقع، إنها شهادة على وجود خالق للكون كله.

هؤلاء الناس الذين تتفتح عقولهم بهذه الطريقة، يخرون على عتبات خالقهم ويدعونه أن يجنبهم غضبه وأن يوجههم نحو الرخاء ونحو فهمٍ أعمق لخلقه.

وبطريقة مماثلة، ذكر المسيح الموعود أن الدراسة المستمرة للفيزياء وعلم الفلك والعلوم ستقود دائمًا الإنسان الصالح نحو الله تعالى. وكلما تعلم عن خلق الله وعن العالم من حوله، زاد تقديره لجمال الله من خلال عجائب الكون. وحالما يكتسب المؤمن هذه المعرفة والبصيرة، فلن يتمكن فقط من إرشاد الآخرين نحو آخر التطورات العلمية، بل سيتم تزويده أيضًا بأسلحة يثبت للعالم من خلالها وجود هذا الإله الوحيد الذي هو خالق الخلق كله. هذا هو مثال المؤمن الحقيقي ووسائل نجاحه وطريقه للوصول إلى الشرف والهيبة الحقيقية في العالم. وبهذه الطريقة، أمضى الدكتور عبد السلام حياته متفكرًا في الكون، واستخدم كل ما اكتسبه من رؤية لإثبات وجود الله. وبالتالي، على جميع الباحثين أو الأكاديميين الأحمديين أن يضعوا في اعتبارهم وحدانية الله تعالى، قبل وأثناء وبعد إجراء أي بحث أو دراسة.

ينبغي أن يسعوا إلى القيام بأبحاثهم بنية حازمة لاستنباط الأدلة التي ستمكنهم من إثبات وجود إله واحد للمتشككين والكافرين بوجوده، وللرد على الذين يدّعون أن العلم والدين أمران متضادان. عندما يبحثون بهذه الطريقة ويلتمسون العون من الله تعالى، في كل خطوة بلا شك، فإنه تعالى سيساعدهم عند كل مفترق وسيكون نورهم الموجِّه.

كما قلت آنفًا، فإن البحث الذي يقوم به الأشخاص الدنيويون، يقوم على اعتبارٍ دنيوي بحت، ويستخدمون فكرهم من أجل التقدم المادي.

يمكن أن تؤدي جهودهم إلى التقدم العلمي، لكن بحث المؤمنين له تأثير كامن أكبر بكثير. وأبحاثهم لن تؤدي فقط إلى التقدم العلمي، وتطوير التقنيات الحديثة، وإنما ستعمل أيضًا على تقديم إثبات لوجود الله عز وجل. لذلك، لا ينبغي للباحثين المسلمين الأحمديين، وخاصة أولئك الذين يتابعون العلوم، أن تكون لديهم نية لتعزيز فهمهم في المجال الذي اختاروه فحسب، بل يجب أن يكون لديهم تصميم دائم أيضًا على إيجاد أدلة على وجود الله. وكما قلت، هكذا أدار الدكتور عبد السلام عمله وحقق نجاحًا هائلاً نتيجة لذلك. تذكروا أن المسيح الموعود قد قال “الأذكياء والعقلاء بحق هم أولئك الذين لا ينسون الله عز وجل، ويتذكرونه دائمًا”.

وبالتالي، حيث يسعى علماؤنا وباحثونا نحو التفوق في مساعيهم الأكاديمية، عليهم دائمًا حماية دينهم، والوفاء بحقوق الله سبحانه وتعالى، والوفاء بالمتطلبات المفروضة عليهم للبحث عن أدلة إضافية تثبت وجود إله قادر. ومن ثم يجب أن يكون هناك دائمًا تمييز واضح بين العلماء والباحثين الأحمديين وغيرهم ممن يتبعون مجالات دراسية مماثلة. ويجب أن يكون الفرق هو أن سعي الأحمدي وراء المعرفة يجب أن يقوم على التقوى. الواقع لقد قال الرسول الكريم “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله”.

باختصار، يجب أن يكون حب الله تعالى وجلاله مطبوعين إلى الأبد في قلوبكم وعقولكم. إذا قمتم بالبحث وسعيتم لتطوير عملكم بهذه الطريقة، فإن الله تعالى سيمنحكم نجاحًا كبيرًا إن شاء الله.

إن أطباء الدول الإسلامية خلال أواخر العصور الوسطى، قد حظوا باحترامٍ كبير وكانوا يستحقون هذه المكانة بجدارة، فقد كان العلماء المسلمون روّاد دراسة وممارسة الطب في جميع أنحاء أراضيهم الشاسعة والتي امتدت من ما نسميه اليوم جنوب إسبانيا إلى إيران.

حقيقة التناقض المزعوم بين العلم والدين

قد يكون بعضكم على دراية أنه ذات مرة سافر الباحث الغربي المعروف البروفسور كليمنت ريغ إلى قاديان للقاء المسيح الموعود ، وأثناء حديثهما، أوضح المسيح الموعود أن الله عز وجل قد خلق الشمس والقمر والنجوم والكواكب لخدمة البشر ولنفع الجنس البشري.

في ضوء ذلك، عندما تقومون بإجراء بحث للإجابة على أسئلة لا تزال دون حل، يجب على الباحث الأحمدي أن يضع نصب عينيه بأن كل ما خلقه الله سبحانه وتعالى هو لنفع البشرية. ينبغي أن يكون هدفهم هو الكشف عن هذه الفوائد واستخلاصها، وضمان الاستفادة من أي تقدم علمي واستخدامه بالطريقة الصحيحة لنفع الجنس البشري.

في حديثه مع البروفسور ريغ، أكد المسيح الموعود على عدم وجود تناقض بين العلم والدين، وبغض النظر عن مدى تقدم العلم، فإنه لن يثبت أبدًا أن حرفًا أو كلمة واحدة من القرآن الكريم أو تعاليم الإسلام غير صحيحة. بل كل اكتشاف أو تطور من شأنه أن يكون إثباتًا إضافيًا لصدق تعاليم القرآن الكريم ووجود الإله الواحد.

بالتأكيد لا يخجل القرآن الكريم من العلم ولا يثني أتباعه عن الدراسة. على العكس تمامًا، لقد أمر القرآن الكريم المؤمنين بالاستكشاف والتحقيق والاستفادة من ملكاتهم وقدراتهم التي حباهم الله بها.

في الواقع، سينال الذين يسعون جاهدين لتطوير المعرفة الإنسانية لصالح البشرية ثواب الله تعالى على جهودهم. ولكن القرآن الكريم قد حذّر البشر أيضًا من التدخل في قوانين الطبيعة، أو من السعي لتغيير أو تعديل خلق الله من خلال الوسائل غير الطبيعية. على سبيل المثال في السنوات الأخيرة، تآكلت تدريجيًا حدود الأخلاقيات العلمية، حيث كانت هناك محاولات للتوجه نحو ممارسات غير أخلاقية وخطيرة مثل الهندسة الوراثية واستنساخ المخلوقات الحية.

إن نتائج مثل هذه المهام حيث يتجاوز الإنسان حدوده ويسعى إلى “لعب دور الله”، ستكون بالتأكيد كارثية وستكون وسيلة لدفع الجنس البشري نحو الدمار، ولن تقود أنصارها نحو الجحيم في الآخرة فحسب، بل سيكونون أيضًا مسؤولين عن خلق جحيم مشتعلة على الأرض. هذا شيء يجب على كل باحث وعالم أحمدي الحذر منه. عليكم فقط اتباع تلك السبل التي تعود بالنفع على الإنسانية والتي تتوافق مع الحدود التي فرضها الله تعالى.

تقدم المسلمين العلمي انطلاقًا من القرآن

تذكروا دائمًا أن البقاء داخل حدود القرآن الكريم هو السمة المميزة للمؤمن. إذا قمتم بعملكم بهذه الطريقة، يمكنكم تحقيق أشياء رائعة وإحياء المكانة المميزة التي كان يتمتع بها ذات يوم العلماء والأكاديميون المسلمون. بفضل الله تعالى، خلال العصور الوسطى، ترك عدد لا يحصى من العلماء والفلاسفة والمفكرين المسلمين بصمة لا تمحى في الإنسانية من خلال نهوضهم بقضية المعرفة والإدراك الإنساني. وأدت جهودهم الرائدة إلى ثورة بارزة في العالم وما زالت أبحاثهم واكتشافاتهم تشكل أساسًا للرياضيات والعلوم الحديثة. لقد استخدموا المواهب والملكات التي حباهم الله بها مستعينين في الوقت ذاته بالله تعالى ومتفكرين في خلقه. ونتيجة لذلك، تم الاعتراف بهم عبر التاريخ، ولا يزال يُعترف بهم اليوم ولا يزالون يحظون بالاحترام.

على سبيل المثال، عرّف مقال نشرته مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» عام 2016 تحت عنوان “كيف طورت العلوم الإسلامية الأولى الطب؟” بمساهمة العلماء المسلمين في فترة الإسلام الأولى.

يقول المقال: «إن أطباء الدول الإسلامية خلال أواخر العصور الوسطى، قد حظوا باحترامٍ كبير وكانوا يستحقون هذه المكانة بجدارة، فقد كان العلماء المسلمون روّاد دراسة وممارسة الطب في جميع أنحاء أراضيهم الشاسعة التي امتدت من ما نسميه اليوم جنوب إسبانيا إلى إيران.»

ثم قال المقال أيضًا: “بحلول عام 900 واعتمادًا على مجموعة كبيرة من الأعمال اليونانية والفارسية والسنسكريتية المترجمة إلى العربية، سرعان ما أصبح الطب الإسلامي هو الأكثر تطورًا في العالم. ونظر المسيحيون واليهود والهندوس والعلماء من أتباع العديد من الأديان الأخرى إلى اللغة العربية كلغةٍ علمية. وعمل الأطباء من مختلف الديانات معًا على مناقشة ودراسة اللغة العربية كلغة مشتركة.”

ويواصل المقال القول: “بلا شك كان النجم الألمع في سماء بغداد ابن سينا الاستثنائي. الذي صار طبيبًا في سن الثامنة عشرة، وأصبح كتابه الشهير “القانون في الطب”، أحد أشهر الأعمال الطبية على مر العصور. إن محاولة ابن سينا للتوفيق بين الممارسة الطبية للمفكر اليوناني غالينوس وبين فلسفة أرسطو، كشفت عن الطبيعة المتعددة للدَّين الذي ندين به للمعرفة الإسلامية والتي لم تقم فقط بإحياء المؤلفين اليونانيين بل حفزت أيضًا أنماطًا جديدة من التفكير لعدة قرون قادمة.

التوفيق بين العلم العملي والفكر والدين تأكد من خلال “القانون في الطب” الذي قد تمت دراسته من قبل الأطباء الأوروبيين حتى القرن الثامن عشر.”

علاوة على ذلك، فقد وصفت مقالة ناشيونال جيوغرافيك فترة حكم المسلمين في إسبانيا بأنها “فترة التطور العلمي” ووصفت قرطبة في القرن العاشر بأنها “المدينة الأكثر ثقافة في أوروبا”، و”مركزًا عظيمًا للدراسة والاستكشاف”.

وفي مقالٍ آخر نشرته صحيفة نيويورك تايمز بعنوان “كيف فاز الإسلام الريادة في العلوم وخسرها؟”، تمت الإشادة علنًا بمساهمة العلماء المسلمين الأوائل. كتب المؤلف:

“لا تتصادم الحضارات فقط، بل يمكنها أيضًا التعلم من بعضها بعضًا، والإسلام مثال جيد على ذلك. كان اللقاء الفكري بين العرب واليونان واحدًا من أعظم الأحداث في التاريخ. فحجمه ونتائجه هائلة، ليس فقط بالنسبة للإسلام وإنما بالنسبة لأوروبا والعالم.”

لكن المقال أشار أيضًا إلى أن العديد من المساهمات التي قدمها المسلمون الأوائل لم يتم حفظها، وفي هذا الصدد يقول:

“يقول المؤرخون إنهم يعرفون القليل عن هذا العصر الذهبي. وقد تمت ترجمة القليل من الأعمال العلمية من تلك الحقبة من اللغة العربية، وآلاف المخطوطات لم تُقرأ حتى من قبل علماء العصر الحديث”.

ومن هنا فلا جدال في مساهمة العلماء المسلمين التاريخية. لكن المؤسف أن الحالة الثقافية الحالية في العالم الإسلامي اليوم يرثى لها. بمرور الوقت، عندما ابتعد المسلمون عن الله تعالى، وتراجعت الصفات المرتبطة بالمؤمن بسرعة بينهم، انتقل المسلمون الذين قادوا سابقًا العالم في مجال العلم والبحث، تدريجيًّا إلى عصر من الجهل الفكري استمر حتى يومنا هذا.

دلاً من الاستمرار بقيادة الابتكار والاكتشاف، انتهت فترة التنوير الأكاديمي الإسلامي، واعتمد المسلمون على الاكتشافات والتقنيات الحديثة التي صنعها الآخرون.

تقدم المسلمين العلمي انطلاقًا من القرآن

فبدلاً من أن يكونوا المسلمون من الذين يعطون العالم أصبحوا من الذين يأخذون فقط. ونتيجة لذلك، وحيث يعترف العالم بالمساهمة التاريخية البارزة للمسلمين في العلوم والتعلم، فإنه يعتبر الوضع الفكري للعالم الإسلامي المعاصر بائسًا يرثى له. والحقيقة هي أن العالم الإسلامي، عمومًا، قد فقد حماسه نحو التعليم، ونحو دفع حدود المعرفة الإنسانية.

أصبحت الدول الإسلامية منغمسة في الرفاهية وبوسائل الراحة في العالم، وبالتالي لم يعد لديهم الدافع أو الحافز للكد سعيًا وراء المعرفة، أو للتفكر في الكون.

ناقش زميل باحث في مركز كليمنتس للأمن القومي في الولايات المتحدة، فشل العالم الإسلامي المعاصر في التفوق في العلوم والتعلم، وذلك في مقال بعنوان “لماذا ابتعد العالم العربي عن العلم؟”، وفيه يصف كيف انتقل المسلمون من قيادة العالم في العلوم وتطور الحضارة الإنسانية إلى حالة تتم فيها السخرية الآن من مساهماتهم بين الأوساط الأكاديمية.

وقال إنه “حتى حوالي عام 1600، لم يوجَد في أوروبا شيء يمكن مقارنته بالتقدم الفكري الذي حققه العلماء المسلمون”. وعلاوة على ذلك ذكر كم من المصطلحات العلمية والرياضية مثل الجبر والخوارزميات والكيمياء والقلويات، مشتقة من اللغة العربية وتعكس مساهمة الإسلام في العالم. لكنه مع ذلك مضى في رسم صورة اليوم المعاصر للعلم في العالم الإسلامي، وهو ما يخالف تمامًا ماضيه اللامع.

على سبيل المثال، ذكر أنه لا يوجد سوى عالِمين من الدول الإسلامية فازا بجائزة نوبل على الرغم من وجود حوالي 1.6 مليار مسلم في العالم.

وقدم إحصائية صادمة أخرى وهي أن 46 دولة إسلامية قد ساهمت مجتمعة بنسبة 1٪ فقط من المؤلفات العلمية في العالم.

وعلى نفس المنوال، ذكر أنه في عام 1989 نشرت الولايات المتحدة أكثر من 10000 بحث علمي كثيرًا ما تم الاستشهاد بها. بينما في العالم العربي بأسره، لم يتم نشر سوى أربع ورقات تم الاستشهاد بها في نفس الفترة. كما لاحظ أنه بين عامي 1980 و2000، دولة واحدة فقط هي كوريا الجنوبية، قد مُنحت أكثر من 16000 براءة اختراع فكرية. في حين أن 9 دول عربية من بينها: مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قد مُنحت مجمتعة 370 براءة اختراع فقط.

وينقل المقال أيضًا عن عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل ستيفن وينبرغ، متحدثًا عن ندرة المواد العلمية الصادرة من الدول الإسلامية.ي

قول البروفيسور وينبرغ: “على الرغم من وجود علماء موهوبين من أصول إسلامية يعملون بشكلٍ مثمر في الغرب، إلا أنني لم أر ورقة واحدة لفيزيائي أو فلكي يعمل في بلد مسلم كانت تستحق القراءة.”

وهكذا بالمصطلح العلمي والثقافي، لقد تغير حال المسلمين والدول الإسلامية من قيادة العالم إلى من تتم معاملتهم بالازدراء والسخرية.

«بحلول عام 900 واعتمادًا على مجموعة كبيرة من الأعمال اليونانية والفارسية والسنسكريتية المترجمة إلى العربية، سرعان ما أصبح الطب الإسلامي الأكثر تطورًا في العالم. ونظر المسيحيون واليهود والهندوس والعلماء من أتباع العديد من الأديان الأخرى إلى اللغة العربية كلغةٍ علمية. وعمل الأطباء من مختلف الديانات معًا على مناقشة ودراسة اللغة العربية كلغة مشتركة.»

واجب الجماعة الإسلامية الأحمدية حيال الواقع المؤسف

في هذا الوقت من الجهل الفكري في العالم الإسلامي، فإن التحدي الكبير الذي يواجه العلماء والباحثين المسلمين الأحمديين هو إحياء شرف وكرامة الإسلام في الساحة الأكاديمية العالمية. في الواقع يجب أن يكون طموحكم أن ترتدوا عباءة التنوير البهية التي زيّنها العلماء والمخترعون المسلمون الكبار في العصور الوسطى.

من تقاليد جماعتنا منح الميداليات الذهبية على الإنجاز العلمي المتميز في مختلف المجالات في كل عام. ولكن، عندما بدأ حضرة خليفة المسيح الثالث رحمه الله هذا المخطط، أصدر تعليماته بأن المنح الدراسية والميداليات الذهبية ستُقلّد على وجه التحديد للمتفوقين في العلوم.

لقد بدأ هذا المخطط، بعد فترة وجيزة من فوز الدكتور عبد السلام بجائزة نوبل، وكانت رغبته العارمة هي أن يتبع ما لا يقل عن 100 مسلم أحمدي خطى الدكتور عبد السلام ويصبحوا علماء مرموقين بحلول وقت دخول جماعتنا قرنها الثاني. لقد مرت ثلاثة عقود من القرن الثاني للأحمدية ومع الأسف لا أعتقد أننا أنتجنا حتى عالِمًا واحدًا مشهورًا عالميًّا في هذا الوقت.

بالإضافة إلى ذلك، ففي الثلاثة عشر أو الأربعة عشر عامًا الماضية، قمت بتوجيه الطلبة الأحمديين، إما بشكل مباشر، أو من خلال مجلس خدام الأحمدية لدخول المجال الأكاديمي والبحثي وللسعي للوصول إلى أعلى المستويات في مجالاتهم. ومع ذلك، حتى الآن لا يمكن القول إن النتائج كانت في أي مكان قريبة مما كنت آمل. على حد علمي، بالكاد لعب أي أحمدي دورا بارزا أو استثنائيًّا في التطور العلمي والفكري في العالم.

وأود هنا أيضًا أن أقدّر الجهود التي بذلها فرع الولايات المتحدة الأمريكية لجمعية العلماء الأحمديين الذين يتسمون بالنشاط ويعقدون اجتماعات دورية حول العلوم والقرآن.

ومع ذلك، لا يمكننا القول إنهم حققوا العلامة الفارقة المتوقعة منهم. وبالتالي، بعد أن اجتمعتم هنا، وعقدتم هذا المؤتمر، يجب أن تفكروا جميعكم في مهمتكم لتحقيق التميز في المجالات التي اخترتموها. يجب أن تغادروا هذا المؤتمر عاقدين العزم والتصميم القوي في قلوبكم على السير على خطى الدكتور عبد السلام وخطى أولئك العلماء والباحثين المسلمين البارزين الذين تركوا وراءهم إرثًا غنيًّا بالمعرفة قبل قرون عديدة. عليكم التفكير في تطوير فهمٍ أكبر للعالم وتطوير تقنياتٍ أو أنظمة جديدة يمكن للبشرية الاستفادة منها. كعلماء وباحثين، الأمر عائد لكم في استخدام عقولكم ومواهبكم للبحث عن طرق وأساليب لإنجاز أعمال فذة في المعرفة.

يجب أن تظلوا على تواصل مع بعضكم بعضًا وبخاصة مع الذين يعملون في مجالات بحث مماثلة وأن يتعلم بعضكم من بعض.

من خلال المناقشة والتنسيق المتبادلين، قد تتمكنون من تحقيق نتائج أفضل. اعملوا بجد وحماس واسعوا باستمرار لنيل عون الله تعالى في كل خطوة من خطوات رحلتكم الأكاديمية وضعوا نصب أعينكم جلاله تعالى دائمًا.

بهذه الكلمات أدعو الله عز وجل أن يوفقكم للازدهار ولحصد النجاح الكبير في مجالات خبراتكم، وأدعوه تعالى أن نشهد قريبًا فجر عصرٍ ذهبي إسلامي جديد من التقدم الفكري بقيادة المسلمين الأحمديين حول العالم. آمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك