- فما العلاقة اللغوية بين الإسلام والتسليم؟
- وما هي اللطيفة البلاغية في إطلاق اسم “المسلمين” على أتباع الأنبياء السابقين؟
- و كيف كانت قصة ملكة سبأ درسًا في الانتقال من عبادة “النعمة” إلى “المنعم”؟
_____
نقطة البداية.. الحب!
إن الله على عظمته واستحالة الإحاطة به واحد، والكون على اتساعه وهوله واحد، والكواكب والنجوم والمجرات وما فيها من عوالم فوق حد التصور كانت في الأصل رتقا واحدا، والكائنات الحية على تنوعها وانتشارها نشأت من خلية واحدة، وكل ذلك طال مهما طال إلا أنه يوما عائدٌ إلى الأصل الواحد الذي أنشأه، وكل هذه الموجودات لم توجد هكذا كما نعرفها الآن دفعة واحدة، وإنما طورها المطور الأعظم من حال البساطة واليسر إلى ما نراها عليه الآن من تعقيدٍ في تفاصيل مغرقة من الدقة والحبكة والخلق المتين، فكان هذا الإنسان الخصيم المبين الذي يجادل ربَّه ويعارضه ويتجرأ عليه بأفكاره ومنطقه نطفةً لا تراها العين المجردة، وكانت تلك الشجرة المترامية الأفرع والأغصان التي يأكل من ثمرها ويستظل بظلها الإنسان والحيوان والطير في الأصل بذرةً حقيرةً مجَّها فم صبيٍّ يلهو، وقِسْ على ذلك ما شئت مما تراه عيناك أو تسمع به أذناك أو يلوح في خيالك، كل ذلك هو في أصله خلية واحدة مغمورة في رتق واحد فَتَقَهُ صانع واحد فكان سماوات وأرضا وبحارا مالحة وعذبة وأرضا خصبةً وكائناتٍ عاقلةً وغير عاقلة،
يخدم بعضها بعضا من حيث شعرت أو لم تشعر، لتتحقق مشيئة ذلك الحكيم الواحد، كل ذلك ليهيئ الأرض للإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله، ليكون صالحا كما أن خالقه صالح، ويكون محسنا رحيما كما أن خالقه محسن رحيم، ولأنه يعلم أنه غيب الغيب ووراء الوراء،
ولأنه تعالى خبير بقدرة الإنسان المحدودة وعجزه عن الوصول إليه تعالى بمحض تلك القوى المحدودة، أرسل له من بني جنسه من حازوا أعلى المراتب في معرفة الله وقربه
فليس الناس جميعا سواسية، منهم من تأخذهم هممهم إلى ما تكلُّ عنه همم غيرهم، فيختار منهم أصحاب حب شديد له، وأنفسا تواقة إليه، وبحثوا عنه حتى كادوا أن يقتلوا أنفسهم في سبيله، ففتح لهم طاقةً من رحمته، وأراهم جانبا منه، فذابوا فيه عشقا، وأعلنوا له أنهم طوع أمره، وملك يمينه، وأن إراداتهم ذابت في إرادته، وانخلعوا من أنفسهم، وكأنهم أصبحوا جوارحه، يستعملهم فيما يحب، فجعلهم أنبياء، يرسلهم إلى الخلق ليبلغوهم رسالاته، وما يأمرهم به وما ينهاهم عنه، حتى يكون كل واحد منهم صورة من ربه قدر ما يطيق، فإن فعل برهن أنه عرفه وأحبه وأطاعه حبا فيه، ألا ترى أن من يحب؛ يحب أن يتشبه بمن يحب؟ ويطبق الأنبياء ذلك على أنفسهم أولا، فيكونون أول من يحب وأول من يتشبه بالمحبوب، ويلزموا أنفسهم أن يكونوا أول المأمورين وأول المنهيين، قبل أن يأمروا قومهم وينهوهم.
كل شيء يبدأ صغيرا، ثم يكبر، بسيطا، ثم يصير أكثر تركيبا وتعقيدا حتى يصل إلى تمامه وكماله، صحيح أن كينونته واحدة سواء كان صغيرا أو كبيرا، إلا أن حقيقته الكاملة لا تتضح جلية إلا عند بلوغه حد التمام، الشجرة مثلا لا تكون شجرة إلا إذا كانت لها معالم معروفة، أما وهي بذرة فلا يكون أحد على علم أنها ستصبح شجرة بالفعل، فربما يسحقها خُفّ جمل وهي لا تزال بذرة، أو تلوكها عنزة وهي بُرعُم صغير، النبيّ كذلك لا يسمَّى بين الناس نبيا وهو نطفةٌ أو جنينٌ أو طفل يلعب بين أترابه، وإنما يكون نبيا عندما يُطوى له حجاب الزمان والمكان، ويُدلي بأنباء الماضي والحاضر والمستقبل وتكون أنباؤه صادقة تؤيدها السماء، حتى وهو نبي فإنه يترقى من حال إلى حال، فيصل إلى أعلى مراتب نبوته في نهاياتها، فمحمدٌ لم ينزل عليه قول الله تعالى:
إلا في العام الخامس للهجرة، وما معنى خاتم النبيين؟ إنه أكملهم وأعظمهم وحامل الشريعة الكاملة الأخيرة التي أوتي كلٌ منهم جانبا منها على قدر حاجة قومه وعلى قدر طاقاتهم، فإن الأفهام لم تكن جاهزةً للإدراك الكامل والعمل الكامل، بل كانت قاصرةً محدودة، وكانت القدرة على التضحيات الكبيرة منعدمة، ولا يكلف الله نبفسا إلا وسعها، وعلى قدر ما آتاها من فهم وطاقة، فلم تكن البشرية على أيامهم كما كانت على أيامه ، وكأنها كانت على أيام آدم في طفولة، ثم ترقّت شيئا فشيئا فصارت في غلمة، ثم في شباب، ثم في رجولة، فكان محمدٌ وكان زمانه وكان عصر نبوته، فقد أصبحت البشرية جاهزة لتلقي التعاليم الكاملة التي لا يقدر على القيام بها إلا الرجال، ولم تكن التعاليم السابقة عليه إلا تعاليم مرحلية بسيطة تناسب التطور البشري المرحلي البسيط، ومن هنا كان التدرج في التشريعات من البسيط إلى المتوسط إلى المركب الفلسفيّ العالي، والذي لا تدركه إلا الأفهام العالية، والمدارك الرفيعة، وينازع أعتى المفكرين والفلاسفة، فيصارعهم ويصرعهم، ويثبت لهم علوّ كعبه عليهم، وأنهم مهما حاولوا مجاراته ومباراته ما استطاعوا، بل وانهزموا شر هزيمة، ويخرج بعضهم معترفا أن التعاليم التي أتى بها محمد لقادرة على حل كل مشكلات العالم أجمع في جلسة واحدة، وأنه بذلك يستحق أن يكون المصلح الأعظم، ذلك لأنه التشريع الأخير الذي لا تشريع بعده، فكان خاليا من الضعف والقصور والخلل، مزودا باحتياجات البشرية جميعا على اختلاف أزمانهم وأماكنهم وثقافاتهم.
حقا.. ما فرطنا في الكتاب من شيء!
كل التعاليم التي جاء بها المرسلون من آدم حتى محمدٍ صلى الله عليهم جميعا وسلم؛ مع اختلافها وتنوعها وتباينها يصح أن تنتظم جميعا في سلك واحد، هو الإسلام، ولا نقصد بالإسلام هنا ذلك العَلم الذي يطلق على فئة من المتدينين أتباع النبي محمد بل الإسلام بمعنى التسليم، والمقصود أن متبع المرسَل الإلهي كان من كان إن اتبعه بصدق وإخلاص كاملين فهو مسلم، بمعنى أنه أسلم نفسه لمن بعث هذا النبي، وسلّم بصحة ما جاء به من تعاليم والتزمها غاية الالتزام موقنا بمصدرها الإلهي، ونفذها بقدر ما يطيق وانسحب من كل إرادة وأنانية، وأصبح وكأنه جارحةٌ من جوارح الله ينفذ به ما يشاء من مشيئاته؛ فهو المسلم الذي يريده الله من وراء خلق هذا الكون بما فيه، وهو الغاية من بعث المبعوثين وإنزال الشرائع والتعاليم، ومن هنا كان كل نبي مرسلا بالإسلام، وقد صرحوا هم أنفسهم بذلك مراتٍ ومرات، وقد سجل القرآن الكريم تصريحاتهم تلك، ومنها ما جاء أمرا لأبي الأنبياء إبراهيم أن يُسلم، فما كان منه إلا أن أسلم لرب العالمين، ولم يكن المقصود أن يدين بشريعة الإسلام الذي نزل على محمد ، بل المقصود أن الله سيجعله إماما لقومه، وعليه أن يكون على استعداد تام بالتسليم الكامل، وإلا لن يُفلح في مهمته لعِظمها، ولن يُفلح في تضحياته لجسامتها، وقد بيَّن الله له ذلك عندما أمره أن يُسلِم، وقد فهم إبراهيم المراد، وما كان له أن يتردد في التسليم والقبول،
كذلك وصى يعقوب بنيه بالإسلام لله،
فهذه الوصية كانت ضرورية ليعقوب لأن أولاده كانوا قد تعثروا من قبل، والآباء يهتمون بأولادهم إذا تعثروا من قبل فينصحونهم قبل الوفاة، لذلك كان هذا الأمر منطقيا وفطريا لا يُنكر.(7)
ومن هذا المنطلق قال كل نبي من الأنبياء السابقين عن نفسه أنه مسلم، ودعا أتباعه أن يكونوا مسلمين، لا يريدون أنهم من أتباع خاتم النبيين محمد كما يقول بعض غير المتحققين، بل يعلنون أنهم في غاية التسليم والانقياد لأوامر الله مهما خالفت هوى أنفسهم؛ ولن تخالفه، لانسجام إراداتهم مع إرادة الله انسجاما كاملا، وكذلك يأمرون أتباعهم أن يكونوا كذلك إن أرادوا أن يفوزوا ذلك الفوز العظيم، وعلى هذا المعنى جاء على لسان نوح :
وعلى لسان موسى :
أي إن كنتم منقادين له حق الانقياد ومسلّمين غاية التسليم وقد انسلختم من هوى أنفسكم فلم تكن لكم إرادة بعد إرادته.
إسلام الوجه للمنعم، لا للنعمة!
طالما سمعنا بقصة ملكة سبأ إذ شاهدت الآيات البينات على ثبوت الألوهية لخالق الشمس وسائر الموجودات من خلال الصرح الممرد من قوارير، ذلك الذي حسبته لقِصر نظرها لُجةً وكشفت عن ساقيها، فسجَّل القرآن ما قالته بلسانها:
وقد أدركت أنها حين كانت تُسلِم وجهها للشمس كانت تعبد ربًّا زائفا، وأن للعالمين ربَّا حقيقيا يحفظ ويرعى ويهيمن، لكنه خفيٌّ خلف الأسباب، ذلك لأنها قد رأت الماء ولم ترَ الزجاج الذي أظهره، فأدركت بفطنتها خطأها، عــندما كلّ فهمها عــــن إدراك خالق الشمس، فعبـدتها من دونه.
لطيفة بلاغية في معنى إسلام الأنبياء
ويمكننا أن نقول أيضا أن كل المرسلين جاؤوا بالإسلام بمعنى أن كل واحد منهم قد أرسله الله بتعاليم من شأنها أن تجعل أتباعه يخشعون لله ويطيعونه حتى يصلوا إلى درجة التسليم الكامل، وهنا يصيرون مسلمين، وأن ما جاء به كل واحد من هؤلاء المرسلين كان نقطة من بحر دين الإسلام الذي جاء به محمد بصورته الكاملة عندما أصبحت البشرية جاهزة لتلقي هذه التعاليم الثقيلة:
ولأن كل واحدٍ من هؤلاء المرسلين قد أتى بجانب ولو بسيط من الإسلام على قدر طاقة قومه فصح أن نقول أنه مسلم، وأن أتباعه مسلمون، من باب إطلاق معنى الكل على الجزء، كإطلاق الإصبع على الأنملة، كما في قوله تعالى:
فظل كل نبيٍّ يزرع في الضمائر البشرية جزءا من دين الإسلام تتوارثه أجيالٌ من أجيال حتى أصبحت البشرية مهيأةً لقبول الكل الكامل في زمن محمد ، لذلك قال تعالى:
بمعنى أن كل ما جاء به الأنبياء من وصايا وشرائع دين واحد في الحقيقة، وهو دين الإسلام، ولم يُسمِّ الله ما جاء به كل نبي دينا، ولم يسمِّ كتبهم أيضا، وحول هذا المعنى يقول سيدنا المصلح الموعود :
ومن جانب آخر فالديانات الصحيحة كلها كانت حقًّا إسلامًا بشكل أو بآخر، والمستمسكون بتلك الديانات كانوا مسلمين بالمعنى الحرفي للكلمة؛ ولكن عندما اكتمل الدين من كل جوانبه لم تعد تلك الديانات تُدعى إسلامًا، ذلك الاسم الذي اختصّت به الديانة الكاملة التي جاء بها القرآن المجيد»(15). ومن هنا قال رسول الله :
«الإسلام دين الأنبياء جميعا، ونحن معشر الأنبياء ديننا واحد، الأنبياء جميعا إخوة لعَلات»(16)،
لذلك فلم يكن لأي دين شعار كشعار دين الإسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله. هذه الشهادة ليست لأحد إلا لمحمد ، فلم يكن مطلوبا من اليهودي مثلا ليكون يهوديا أن يقول: لا إله إلا الله موسى رسول الله، لأنه لم يكن مقدّرا لما جاء به موسى ولا غيره أن يبقى للأبد، مما يدل على أن الأديان كلها كان كل منها جزءا يسيرا من الإسلام، ولم تكن الشهادة الكاملة إلا للنبي الكامل الذي يحوز كمالات الدين كله، فصح له أن يسمَّى ما جاء به دينا، وذلك ما لم يصح لأيٍّ ممن كانوا قبله، لذلك قال تعالى ردا على اليهود والنصارى:
بمعنى أنه لم يكن هناك دين يسمى اليهودية ولا النصرانية، ولكن الدين كله واحد وهو دين الإسلام.
الهوامش:
1 – (الأنبياء: 31)
2 – (الأنعام: 104)
3 – (الزخرف:33)
4 – (الأحزاب: 41)
5 – (البقرة: 132)
6 – (البقرة: 134)
7 – مرزا بشير الدين محمود أحمد، التفسير الكبير، تفسير سورة البقرة، الآية 134
8 – (يونس 73)
9 – (يونس 85)
10 – (النمل 45)
11 – (المزمل 6)
12 – (نوح 8)
13 – (آل عمران 20)
14 – مرزا بشير الدين محمود أحمد، التفسير الكبير، سورة البقرة، الآية 134
15 – مرزا بشير الدين محمود أحمد، التفسير الوسيط، تفسير سورة آل عمران، الآية 19
16 – صحيح البخاري، رقم 3442
17 – صحيح البخاري، كتاب المناقب
18 – (آل عمران 68)