هل اقتربنا من الالتقاء بغرباء من خارج الكوكب؟!

هل اقتربنا من الالتقاء بغرباء من خارج الكوكب؟!

محمد العاني

  • فماذا يقول العلم الحديث عن احتمالات وجود حياة خارج كوكبنا؟
  • وكيف تسبق الحقائق القرآنية خيال الإنسان وما ترصده تلسكوبات ناسا اليوم؟
  • وما هو الفرق الجوهري بين التصور السائد للكون قبل الإسلام والرؤية التي قدمها القرآن؟
  • ثم كيف بيَّن الخليفة الرابع وجود حياة عاقلة خارج كوكب الأرض، انطلاقا من القرآن الكريم؟
  • وما هي دلالة الرقم “سبعة” في القرآن عند الحديث عن “سبع سماوات ومن الأرض مثلهن”؟
  • وأخيرا، كيف يدعم الجدل العلمي المعاصر بين المؤيدين والمعارضين إعجاز القرآن في هذا المجال؟

_____

ولِع الإنسان منذ فجر التاريخ باستطلاع المجهول في الأرض وخارجها، إذ يقول زميل الجمعية الفلكية الملكية البريطانية آرثر تشارلز كلارك: «ثمة احتمالان اثنان فقط لا ثالث لهما، فإما أننا وحدنا في الكون، أو أننا لسنا كذلك، وكلا الاحتمالين مرعب بالقدر نفسه على أية حال!».

إن ما أمكننا رصده من الكون حتى الآن، يحتوي على سبعين كوينتليون كوكب، أي الرقم سبعة متبوعا بعشرين صفرًا، وتحتوي مجرتنا «درب التبانة» وحدها على ستة مليارات كوكب ذات ظروف مشابهة لظروف كوكب الأرض، ما يدفع بكثير من العلماء والمفكرين إلى ترجيح احتمالية وجود صور من الحياة على بعض تلك الكواكب.

التصور السائد عن الكون قبل نزول القرآن

من المُدهش أن كتابًا نزل منذ نحو أربعة عشر قرنا قد عالج موضوع وجود الحياة في أنحاء الكون، فمن ناحية يقول القرآن بوجود عوالم أخرى كعالمنا ومنظومات كمنظومتنا الشمسية وكواكب ككوكبنا، وذلك في قوله :

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ…(1)،

ومن ناحية أخرى ينبئ بوجود حياة عاقلة على تلك الكواكب، وليست مسألة التقائنا بها سوى مسألة وقت(2)، كما يقول :

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ.(3)

وقبل أن نتعمق في الرؤية القرآنية للموضوع، يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة على التصورات السائدة عن الكون قبل نزول القرآن، وذلك لنستطيع فهم عمق الاختلاف الجوهري الذي يقدمه كتاب الله عما سواه من أقوال المتقدمين والمتأخرين. لقد كان يُعتقد أن السماوات تتكون من طبقة فوق طبقة من مادة شفافة كالبلاستيك، وأنها مرصعة بأجرام لامعة منيرة هي النجوم، وأن الأرض تتكون من كتلةٍ ثابتةٍ من التراب والصخور والماء والهواء والمعادن يكاد حجمها أن يكون محدودًا، لا تدور حول نفسها ولا حول أي من الأجرام السماوية، وأنها كانت تشغل موقعًا فريدًا في هذا الكون إذ إنها ظلت ثابتة ساكنة في مرساها بينما تدور السماوات حولها في حركة مستمرة دائبة. هذا هو التصور الذي ساد قرونًا، ولم يكن أمام الإنسان لفكره وعلمه وقتها متسع ليتصور غير ذلك.

فرضية رواد الفضاء القدماء، ومحاولة لتفسير المجهول

من المثير للاهتمام أن الفكر البشري الحديث قد حاول أيضًا تفسير المجهول من خلال الإتيان بفرضية مثيرة، فإذا ما فكّرنا في التفوق المذهل الذي حققته الحضارات القديمة وسُجّل في لفائف البردي وعلى ألواح الطين وجدران المعابد، نجد أنه تفوق لم نجد له تفسيرًا يقينيًا إلى الآن. وقد نشأت لدى المعاصرين فرضية مفادها قدوم كائنات فضائية إلى الأرض في الأزمنة السحيقة وحدوث اتصالات بينها وبين البشر القدماء. في كتاب له بعنوان «أبناء حزقيال: الفضائيون، الأجسام الغامضة، أزمة الذرية، ومجيء الزمن الأخير» يتحدث مايكل ليب عن هذه الفرضية بصفته واحدًا من أنصارها، مشيرًا إلى أن هذه الاتصالات كان لها كبير الأثر في تطور الحضارات القديمة وما بلغته من تفوق تقني يظهر في أساليب العمارة وغيرها(4). وقد شاعت هذه الفرضية، لا سيما في النصف الأخير من القرن العشرين، لدى كتاب ومفكرين مثل إريك فون دانكن وجورجيو تسوكاليس، وحتى لدى بعض الكتاب العرب كأنيس منصور، والذي نشر كتابين حملا عنواني «الذين هبطوا من السماء» و«الذين عادوا إلى السماء». ولكن في الأوساط الأكاديمية لا تؤخذ هذه الفرضية على محمل الجد، ولا يشار إليها كمرجع علمي في الأبحاث والنشرات المُحَكَّمة. هذه الفرضية، على جمالها، تظل مجرد اجتهاد بشري، ولكن ماذا عن الكتاب الذي يعتقد المؤمنون أنه كلام خالق الكون نفسه؟!

القرآن والإقرار بوجود أحياء غيرنا، وطرح إمكانية لقاء مستقبلي

ما مدى تفرُّد كوكب الأرض واستئثاره بالحياة في الكون؟! هنا يأتي دور حضرة الخليفة الرابع في شرح الموقف القرآني. فقد أوضح حضرته (رحمه الله) أن كتاب الله لم يعترف بفكرة تفرُّد الأرض في وضعها في الكون ولا في حجمها وسكونها. بل صرَّح أن عدد الأرضين في الكون هو «سبع» وفق منطوق آية (الطلاق: 13)، علمًا أن الرقم «سبعة» له استعمال ومعنى خاص في القرآن الكريم، إذ إنه يدل على الكثرة غير المحدودة بعدد معين. وعلى هذا، تعني الآية أن الكون يحتوي على عدد غير محدود من السماوات، وكل منها ينقسم إلى مجموعات من «سبعة»، أي العدد الكامل، لكل منها أرضٌ واحدة على الأقل، يدعمها النظام السماوي، أي الجرم، الذي تنتمي إليه. وفي إشارة إلى هذا التركيب العام، يُشير صدر الآية (الشورى: 30) إلى فكرة انتشار مظاهر للحياة في مواضع شتى من الكون، في قول الله :

ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة….

ونوَّه حضرته إلى أن كلمة «دابة» في اللغة العربية تشمل كل حيوان يزحف أو يمشي على سطح الأرض، ولا تنطبق على الطيور التي تطير في الهواء أو السوابح التي تسبح في الماء، وهي يقينًا لا تنطبق على الحياة الروحية، فلا يُطلق لفظ «دابة» أبدًا على الأشباح ولا على الملائكة. بهذا، يقدم القرآن حقيقة علمية غيبية مفادها وجود كائنات حية «تدب» على كواكب أخرى في هذا الكون. ثم أردف حضرته أننا نرى إعجازًا فوق إعجاز حين نقرأ أن الله تعالى سوف يجمع بين الحياة على الأرض والحياة التي في جنبات الكون حينما يشاء ذلك، حيث يُشير عَجُز الآية (الشورى: 30) إلى هذا الأمر بوضوح بقول الله :

…وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ..

فشرحَ حضرته أن كلمة «جَمعِهم» لفظٌ عربي يتحدث تحديدًا عن اجتماع الحياة العاقلة على الأرض مع نظيرتها الموجودة في الكون، وليس مذكورًا ما إذا كان هذا الاجتماع سيحدث هنا على الأرض أو في مكان آخر، ويمكن أن يعني ذلك الاجتماعَ الماديَّ أو الاجتماعَ عن طريق الاتصال، غير أن أمرًا واحدًا ذكر بكل تأكيد: هذا الاجتماع سيحدث يقينًا حين يشاء الله تعالى ذلك.

العلم بين المؤيد والمعارض: الجدل يخدم الإعجاز

بعد عرض هذا التفسير القرآني، من المنطقي أن ننظر إلى ما يقوله العلم الحديث والباحثون المختصون في هذا المجال، ومنهم البروفيسور أرشيبولد روي من جامعة غلاسكو، والمنشغل بحماس في البحث عن إمكانية وجود شكل من أشكال الحياة تتسمُ بالذكاء في الأجرام السماوية، والذي يقول: «في العديد من المؤتمرات الدولية التي عقدت حول مسألة وجود الحياة في الكون، تم بحث الموضوع، وصار من الواضح أنه ليس هناك احتمال في التعرف على إشارة نابعة من مصدر ذي ذكاء فحسب، بل إنه سوف يكون من الممكن إجراء اتصال مع مظاهر من الحياة المذكورة وتبادل المعلومات معها». ويبدو أن حُلم الدكتور روي قد اقترب من التحقق، ولو جزئيًا على الأقل، إذ وافقت الحكومة الأمريكية على قيام ناسا بمشروع لإجراء بحث ضخم عن وجود حياة ذات ذكاء في الكون.(5)

وفي المقابل، هناك أصوات متشككة مثل الدكتور فرانك تيبلر من جامعة تولين في نيوأورليَنز، والذي يستند في شكوكه على الإحصاءات الحسابية، فهو يَعُدُّ ظهورَ حياة تتمتع بالذكاء في مكان آخر من الكون خلال عملية النشوء المادي للحياة متعارضًا مع قانون الأعداد الكبيرة، إذ يقول: «إن وجود ذكاء في الكون أمرٌ غير وارد، وما علينا إلا أن نقبل هذه الحقيقة… الكون يتطور والأشعة الكونية تدلنا على أنه كان هناك وقت من الأوقات لم توجد فيه حياة لأن الجو كان ساخنًا جدًا، وعلى هذا فإن مكاننا في الكون كان فريدًا من حيث الوقت، وأيضًا لا بد أن تكون هناك الحضارة الأولى وقد تصادف أن تكون هي حضارتنا الإنسانية.” (6)

هذا الجدل العلمي نفسه يدعم الفكرة الأساسية التي نناقشها. فقضية «الحياة خارج الأرض» ليست محسومة علميًا، بل هي ميدان مفتوح للبحث والاحتمالات، وهنا يأتي البعد الغيبي والإعجازي للقرآن الذي يقدم إجابة واضحة وحاسمة منذ أربعة عشر قرنًا.

يسأل حضرته، بعد عرض الرأيين المختلفين: أليس من الغريب أن ما أكده القرآن المجيد وعدَهُ حقيقة منذ نحو أربعة عشر قرنًا يبدو الآن حقيقة ممكنة لعلماء اليوم؟ والأغرب والأعجب، هو أن القرآن الكريم يثبت أن الإنسان سيتمكن يومًا ما من الاتصال بهذه الحياة الموجودة في الكون.

طبيعة النبوءة القرآنية: تتويج فلسفي عميق

وهنا ننتقل إلى مستوى أعمق من التفكر، حيث إن أمارات تحقق هذه النبوءة بشكل كامل بدأت تلوح في الأفق، ما يدلُّ على أن نبوءات القرآن المجيد تسبق التقدم العلمي للإنسان، فكل عصر جديد يشهد تحقق الكثير من النبوءات التي أتى بها الوحي الإلهي.. وبرأي حضرة مرزا طاهر أحمد (رحمه الله) أنْ ليس من الغريب أبدًا أن يحلِّق خيال الإنسان فينطلقَ من واقع الحقائق المعروفة في الطبيعة إلى آفاق الخيال لما سيأتي به قادم الأيام، غير أنه من النادر أن يشهد المستقبلُ تحقق هذه النبوءات التي تحلقُ في آفاق الخيال. فكل الأعمال المتعلقة بالخيال العلمي تستندُ إلى الاحتمالات التي تتلخص فيها المعرفة والمعلومات المتاحة في العصر. وحينما يكشفُ المستقبل عن خياله وأسراره، نجد أنه لا يتبع ما أملَتْه وفرضَتْه خيالاتهم، ما يدفعُنا إلى الإقرار بأن تحقق خيالات الإنسان فيما يتعلق بالمجهول له حدوده ونطاقه المحصور. أما المعرفةُ المحتواةُ في ثنايا الصحف المقدسة، فيصفها حضرته بأنها غير منحصرةٍ في المعلومات السائدة في عصرِها ولا في أية فترة أخرى أو مجال معين. ويُبيّنُ أن ليس لعاملِ الصدفة دخلًا في تحقُّقها.

وفي نفس الإطار، أجاب سيدنا أمير المؤمنين حضرة مرزا مسرور أحمد (نصره الله) أحد السائلين بأنه «لا شك في وجود حياة على كواكب أخرى». إن القرآن مليء بالبيانات العلمية الرائعة، غير أنه من المحزن أن منتقديه يسارعون إلى محاولة العثور على اعتراضات بدلًا من النظر في الحجج بأمانة(7) ، وأن من واجب المسلمين بذل قصارى الجهد لدرء كل انتقاد موجه إلى هذا الدين الحنيف، متسلحين بأحد أقوى الأسلحة، وهو اتفاق القرآن وكافة مستجدات العلم الحديث، ذلك لأنه رسالة العليم الخبير إلى الإنسانية جمعاء.

خاتمة: نظرة أمل إلى مستقبل مجيد

إن الإنسانية جمعاء تتطلع بعين الأمل إلى المستقبل، على أنه ينبغي أن يكون ذلك الأمر منطلقا من أساس متين من العلم والفكر واليقين، وبالنسبة لنا كمسلمين، علينا أن ندرك أن تحقق النبوءات القرآنية عن التقائنا بأحياء غرباء عن كوكبنا هو أمر في طي الغيب، ويقرره المستقبل، ولعل العمر يمتد بنا فنشهد ذلك اليوم الجميل المجيد الذي تتصلُ فيه الحياة على الأرض بالحياة الموجودة في هذا الكون الرحيب!

الهوامش:

1 – (الطَّلَاق: 13)

2 – انظر: مرزا طاهر أحمد، الوحي والعقلانية والمعرفة والحق، ص 334-335

3 – (الشورى: 30)

4 – Lieb, Michael, “Children of Ezekiel: Aliens, Ufos, the Crisis of Race, and the Advent of End Time”, Page 250, Duke University Press, 1998.

5 – انظر: مرزا طاهر أحمد، الوحي والعقلانية

والمعرفة والحق، ص 337

6 – انظر: المصدر السابق، ص 336

7 – Alex Borthwick,

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via