- ما هي الازدواجية الوجدانية التي يعيشها المسلم مع مطلع كل عام هجري؟
- كيف وظفت القوى المعادية للإسلام الصراعات الأيديولوجية والمذهبية القديمة كوقود لحروب الهيمنة الحالية؟
- من هم الأطراف المسؤولون عن الواقع التعيس الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم؟
- ما هو المفهوم الحقيقي لنظام الخلافة الذي تطرحه الجماعة الإسلامية الأحمدية كبديل لأطماع الهيمنة الدنيوية؟
____
تتجدد الذكرى، ويتجدد الألم، ومع هذا لا ينعدم الأمل! إنها الذكرى الثامنة والأربعون بعد القرن الرابع عشر في التقويم الهجري، ذكرى يُفْتَرَض أن تكون سعيدة، كونها فاتحة عام جديد على أمة الإسلام، لولا أن تلطخت صفحتها بدماء مُطهَّرة زكيَّة؛ فقد أصبحنا مع مطلع كل عام هجري جديد، لا ندري، أنبتهج حبورًا بحدث الهجرة المبارك؟! أم نبتئس ألمًا بتذكُّر واحدة من أفدح تبعات الفتنة الكبرى في تاريخ الإسلام.
ويحل علينا العام 1448 الهجري برفقة صيف حار، لم تعد فيه الحرارة مجرد ظاهرة مناخية مرتبطة بهذا الفصل من فصول السنة الأربعة الذي يلفح وجه منطقة الشرق الأوسط، بل أضحت استعارة دالة على حالة الغليان التي تعيشها تلك المنطقة؛ فبين حرارة الشمس اللاهبة وحرارة النزاع العسكري المحتدم، يجد الإنسان العربي والمسلم نفسه محاصرًا بنيران لا تُبْقِي ولا تَذَر. إن ما شهدناه من تصعيد عسكري وسيـاسي ليس مجرد صراع على حدود أو موارد، بل هو صراع هيمنة تتجلّى فيه مأساة الصراعات الأيديولوجية والمذهبية الشِّيــسُنِّيَّةِ القديمة، والتي على الرغم من قِدَمِهَا، لا يدخر أعداء الإسلام جهدًا في إذكاء جذوتها التي لم تكد تنطفئ، فينفخون فيها بين الفينة والفينة، ويوظفون في سبيل هذا المسعى الخبيث الحمقى المنتسبين إلى كلا المذهبين الكبيرين اللذَيْنِ يكادان يمثلان شطري تعداد المسلمين، إذا نظرنا إلى المسألة من منظور عددي بحت. ومهمة هؤلاء وهؤلاء تتمثل في استدعاء مآسي الماضي ونكباته لتبرير دماء الحاضر وأطماعه! مع أن استغلال الاختلافات الفقهية والمذهبية والتاريخية، وتحويلها إلى وقود لحروب عسكرية، لهو الانحراف الأخلاقي بعينه، الذي فَتَّ في عضد الأمة وأضاع بوصلتها، فصيَّرها فريسة للتمزق الداخلي، في وقت تتقاذفها فيه أمواج الفوضى السياسية العالمية. إذن، فغير المسلمين هم سبب واقع الأمة التعيس وأكثر أزماتها وأعقدها، غير أن المسلمين أنفسهم أسهموا أيضا في صنع ذلك الواقع.(1)
فبمناسبة حلول العام 1448 الهجري، وانطلاقًا من الواقع المرير الذي تشهده الأمة في الوقت الراهن، ندعو المسلمين كافة، على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم، ليستقلوا سفينة النجاة التي أكدت تجارب القرون بما لا يدع للشك مجالا أنها هي السفينة الوحيدة التي صُنِعت على عين الله ، وناجٍ من استقلَّها، ونادم من تركها، وحينها لا ينفع الندم.
وفي خضم هذه المآسي والنكبات ينتصب نظام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة كمنارة روحية، طالما أسيء عبر العصور فهم إشاراتها الوامضة، وبات ذلك المشروع الإلهي المقدس محصورًا بين مطرقة الطمع الدنيوي والتشويه التاريخي. إن الخلافة، في جوهرها الذي تكشفه الجماعة الإسلامية الأحمدية، ليست نظام حكم مشحونا بالرغبة في الهيمنة، بل هي مشروع إلهي يمثل السبب الممدود بين السماء والأرض، والضرورة القصوى لصون إيمان الفرد ووحدة الأمة، وكان من مظاهر عنايتها بالأمة وسط هذا البحر الخضم من الصراعات، أن ألقى أمير المؤمنين حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) الخليفة الخامس للمسيح الموعود منذ شهرين خطبته عن الاضطراب العالمي والحاجة الملحة إلى وحدة المسلمين، تعليقًا على أحداث الساعة.
فبالعودة مكررًا إلى ما يمكن استخلاصه من درس الفتنة الكبرى القاسي، نخلص لا محالة إلى أن أمة بلا قيادة روحية لن تعدو كونها جسدًا بلا روح، وعرضة للتلاشي أمام أول ريح عاصفة. وإذا كانت القيادات الدنيوية تُبنى على مصالح آنية، سرعان ما تزول بزوال شخوصها، فإن نظام الخلافة الروحية هو الكفيل بتبديل الخوف بالأمن كما نص على هذا الوعد الرباني في سورة النور:
لقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة أن من يتغطى بأعداء دينه وأمته فهو عريان؛ إذ طالما استغلت القوى المعادية للإسلام ما بين المسلمين من خلافات يمكن تجاوزها، في بث الفتن والقلاقل بدعوى أنهم قادرون على حمايتهم، حتى إذا ما حمي الوطيس اختفوا من الميدان، وأعلنوا أنهم يؤثرون السلام، ليتكرر المشهد الذي يحكيه التنزيل الحكيم:
فبمناسبة حلول العام 1448 الهجري، وانطلاقًا من الواقع المرير الذي تشهده الأمة في الوقت الراهن، ندعو المسلمين كافة، على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم، ليستقلوا سفينة النجاة التي أكدت تجارب القرون بما لا يدع للشك مجالا أنها هي السفينة الوحيدة التي صُنِعت على عين الله ، وناجٍ من استقلَّها، ونادم من تركها، وحينها لا ينفع الندم.
ندعو الله أن يجعل هذا العام الهجري الجديد مفتتحًا للأمن والأمان، وأن يُبَرِّد حرارة النزاعات ببرد السكينة والاطمئنان، وأن يبارك لنا في نظام الخلافة الرباني الذي صُنِع على عين الله وبيد قدرته .
الهوامش:
- راجع: مرزا مسرور أحمد، الاضطراب العالمي والحاجة الملحة إلى وحدة المسلمين، خطبة الجمعة الموافق 6 مارس 6202م، والمنشورة بصورة كتيب على موقع مجلة التقوى
- (النور: 56)
- (الحشر: 17)