إملك زمام شهيتك
  • فما هو مرض “الأناروكسيا” وكيف يختلف في طبيعته عن مجرد فقدان الشهية العادي؟
  • ولماذا تعتبر فتياتنا في سن المراهقة الفئة الأكثر عرضة لهذا الاضطراب؟
  • ثم كيف يساهم العلاج السلوكي المعرفي والتحليلي في تغيير الأفكار المشوهة عن الجسد؟
  • وكيف استشهد المقال بالفلسفة الإسلامية في التعامل مع هذا الاضطراب؟

____

هل تخيلت يومًا أنك قد تلقي بنفسك إلى التهلكة دون أن تشعر؟! لا لفقدانك الرغبة في الحياة، بل لإصرارك أحيانا على فكرة معينة لصيقة بذهنك، كأن تُحافظ على وزنك مثلا! يبدو هذا السبب محمودًا، لكن في الواقع هناك أشخاص يفعلون ذلك لمعاناتهم من حالة مرضية تُعرف بـ «الأناروكسيا Anorexia» وبالعربية تُعرف بالقَهَامِ العصبي، أو فقدان الشهية العصبي.. فهذا المقال رحلة استطلاعية لاستكشاف سر هذا المرض للحيلولة دون تمكنه من حياتك مستقبلا.

يتصور البعض أن التقليل من كميات الطعام أو حتى الامتناع عنه إلى حين هو من مقتضيات الصحة العامة، وهذا أمر ثبتت فاعليته ولا شك، ولكنه يجري وفق مبدأ أساسي أجمله القرآن الحكيم في قول الله :

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(1)

والإسراف كما أنه يتجه إلى حد الكثرة أحيانا، فقد يتجه إلى حد القلة والحرمان أحيانا أخرى، وكلتا المنقصتين منهي عنهما في شريعة الإسلام، حيث يقول الله  أيضًا:

وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا.(2)،

فأنْ يحرِم المرء نفسه من المقدار المستحق من الغذاء ليقيم أوده، ظنا أنه أمر يستجلب الصحة، لن يأتي بخير على الإطلاق، لا سيما إذا بلغ الأمر حدود مرض فقدان الشهية العصبي. فما طبيعة ذلك المرض يا ترى؟!

قاتل متسلل

يُعرَف اضطراب الشهية العصبي بأنه أحد أشكال اضطرابات التغذية، ويتميَّز بالسعي الدؤوب للوصول إلى النحافة، والنظرة المشوهَة لشكل الجسد والخوف المُبالَغ فيه من الإصابة بالسمنة، والتقليل الشديد لكميات الطعام المستهلكَة، مما يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في وزن الجسم.(3) ويبدأ اضطرابُ فقد الشَّهية العصبي في الظهور خلال فترة المراهقة عادة، وهو أكثر شُيُوعًا لدى الإناث مقارنةً بالذكور(4) المريض بهذا لاضطراب، وعلى عكس ما يُتوهَّم من اسم ذلك المرض، لا يفقد شهيته بالمعنى المفهوم، بل على العكس تماما، تكون لديه الشهية الطبيعية للأكل، وعنده الرغبة في تناول الطعام، إلا أنه يرفض تناوله، لتوهمه أنه يعاني من زيادة الوزن وأنه بحاجة إلى خسارته. إن من يعاني من هذا المرض يحاول بشتى الطرق خسارة وزنه، فيلجأ إلى ممارسة الرياضات العنيفة، ويتقيأ الأكل في حال إجباره على تناوله، رغم أنه في الواقع لا يعاني من البدانة وليس بحاجة إلى خسارة الوزن من الأساس، فهو من ناحية ينهك جسده ويُدْئِبُهُ، ومن ناحية أخرى يجيعه معرضا إياه إلى كارثتين تستنزفان طاقته وعمر خلاياه.

فتياتنا الضحية الأولى!

لقد اتفق المتخصصون في الطب النفسي على أن فقدان الشهية العصبي يزداد حدوثه في جانب الإناث بدرجة أكبر، خاصة في الفترة العمرية من 15 إلى 25 عامًا، لحرص الإناث في هذه السن بوجه خاص على مظهرهن، حيث إن هذه الفترة العمرية تبدأ بسني المراهقة وتمتد حتى سن الزواج في المجتمعات الشرقية التي تسود فيها عادة التبكير في سن تزويج الفتيات.

ولكن من الخطأ حصر ضحايا هذا المرض النفسي في الفتيات وحسب، إنما ما نعنيه أن الفتيات هن الأكثر عرضة له واستعدادا للإصابة به. وبشكل عام، فإن من يعاني منه، سواء كان ذكرا أم أنثى، كبيرا أم صغيرا، فإنه يكون لديه خلل في الأفكار، أي أن تصوره عن جسمه يكون مشوها، فمن الممكن أن يكون نحيفًا، إلا أنه يرى نفسه بدينًا، وبالتالي يحاول خسارة وزنه بأي طريقة كانت ويمكن أن يلجأ إلى طرق كيميائية لخسارة الوزن، كأن يتناول أدوية تُقهِي المعدة (تصدُّ أو تسدُّ الشهية)، وهناك من يتناولون تناول أدوية مدرة للبول لذات الغرض.

على حافة الموت

إن المحاولات المستميتة التي يبذلها المريض بفقدان الشهية العصبي من أجل خسارة الوزن غالبا ما تكلل بالنجاح، نعم، إنه ينجح غالبا في السير قدما على طريق الانتحار، وليته يدرك هذا.. فإنه بالفعل يُنقص من وزنه، لكن بصورة مبالغ فيها، فإن الاستمرار في رفض تناول الطعام إلى فترة، ينتج عنه تقلص حجم المعدة ويصاحب ذلك التقلص فقدان كبير للشهية، ومن ثم يأخذ الوزن في النقصان حتى يصل إلى النحافة الزائدة بحيث تبرز العظام من وراء الجلد، ويؤدي ذلك إلى مضاعفات كثيرة، منها تكسير البروتينات الموجودة بالجسم في حالة تناول أدوية مدرة للبول، ويدخل المريض مرحلة جديدة تتمثل في فقدان العناصر المعدنية الأساسية، كنقص البوتاسيوم والصوديوم، ما يؤدي إلى ضعف عضلي عام قد يودي بالشخص إلى الشلل لا سمح الله، وإذا لم يخضع من يعاني من فقدان الشهية العصبي للعلاج في وقت مناسب فقد يكون عُرضة للموت المحقق.

النفس كَالطّفلِ

لله درُّ البوصيري صاحب البردة، إذ قال في بردته الشهيرة:

والنَّفسُ كَالطّفلِ إِنْ تُهمِلْه ُشَبَّ عَلَى

حُبِّ الرّضَاع وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنفَطِمِ.(5)

قد صدق البوصيري وأصاب كبد الحقيقة والمغزى من هذه الفلسفة العميقة، نعم، إن نفس الإنسان كالطفل المدلل، والذي قد يطلب الطعام ليأكل بِنَهَمٍ أحيانا، وأحيانا أخرى قد يعزف عن الطعام وينبذه مفضلا اللهو واللعب، ففي كلتا الحالين لا يحسن بنا مجاراته دوما، وإلا فإننا نجاريه في الإضرار بصحته، فينبغي ألا يترك القياد للنفس في كل الأحوال لتفرط في تناول الطعام أو تفرط في الإمساك عنه، فإنها حقا مثل الطّفلِ، إِنْ تُهمِلْه ُشَبَّ عَلَى حُبِّ الرّضَاع، وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنفَطِــمِ! ومن الجانب النفسي لهذه الظاهرة المَرضيَّة، نجد أن من يعاني منها غالبًا ما يتصف بالحساسية المفرطة، وأغلب المرضى بفقدان الشهية العصبي سبق لهم التعرض لانتقادات جارحة لمظهرهم العام في فترة من حياتهم، ولربما كان مثل هؤلاء يعانون من البدانة شيئا ما بالفعل من قبل. وقد تكون البداية رغبة عادية في إنقاص الوزن، بهدف الحصول على القوام الرشيق واللياقة البدنية ثم تتطور الأمور بصورة وَسْوَاسِيَّة تدفع الشخص إلى رفض تناول الطعام.

حزمة العلاجات النفسية

لأن مرض فقدان الشهية العصبي مرض نفسي في المقام الأول، فمن العبث البحث عن علاج ناجع له خارج الإطار النفسي، وقد أدرك المختصون هذه الحقيقة بالفعل، لذا فقد حددوا للمرض عدة طرق للعلاج، وكلها في الإطار النفسي، ولكن بأساليب مختلفة بحيث يتناسب كل أسلوب مع فئة معينة من ضحايا المرض، وتتلخص أساليب العلاج النفسي لمرض فقدان الشهية العصبي في حزمة من ثلاثة علاجات نفسية مُجرَّبة، هي العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج النفسي التحليلي، والعلاج النفسي الجمعي.

فأولها، العلاج السلوكي المعرفي، وهو نوع شائع من العلاج النفسي، وفي العلاج السلوكي المعرفي، ستتعامل مع مستشار صحة عقلية (معالج نفسي أو اختصاصي معالجة) بطريقة منظمة، مع حضور عدد محدود من الجلسات. يساعدك العلاج السلوكي المعرفي في إدراك التفكير غير الدقيق أو السلبي، بحيث يمكن أن ترى المواقف الصعبة بوضوح أكبر، وتتعامل معها بطريقة أكثر فعالية.

يُستخدم العلاج السلوكي المعرفي لعلاج نطاق واسع من المشكلات، إنه النوع المفضل غالبًا من العلاج النفسي لأنه يمكن أن يساعدك بسرعة على تحديد التحديات المعينة، والتعامل معها، كما أنه يتطلب القليل من الجلسات، مقارنة بأنواع أخرى من العلاج، ويتم بطريقة منظمة. وفي بعض الحالات، يكون العلاج السلوكي المعرفي هو الأكثر فعالية عندما يجتمع مع طرق علاج أخرى، مثل مضادات الاكتئاب، أو أدوية أخرى. وبهذا يكون هذا النمط من العلاجات من أنجع الوسائل في التعامل مع مرض فقدان الشهية العصبي وعلاجه، إذ قد يتطلب علاج المريض بفقدان الشهية العصبي استعمل بعض الأدوية كمضادات الاكتئاب وسواها، الأمر الذي يستدعي تدخل العلاج المعرفي السلوكي للحد من الآثار الجانبية السلبية لمضادات الاكتئاب كذلك، إذ إن العلاج المعرفي السلوكي في المقام الأول على تغيير الأفكار المشوهة التي تدفع المريض إلى رفض تناول الطعام. وتكمن المشكلة الأساسية في علاج مرض فقدان الشهية العصبي في رفض الشخص المصاب به للعلاج، لذلك يحتاج إلى فترة طويلة لإقناعه وتغيير أفكاره، وهنا تظهر أهمية دور العلاج السلوكي المعرفي، وتظل هذه الأهمية باقية حتى يتعافى المريض بإذن الله الشافي.

وثاني العلاجات النفسية لاضطراب فقدان الشهية العصبي هو العلاج النفسي التحليلي، وهو نمط علاجي يعتمد على سرد المريض للمواقف والأحداث التي تعرض لها في حياته وأثرت فيه، وكيف ينظر إلى ذاته هو، ويضع هذا النمط العلاجي المريض في موقف المشخص لمرض نفسه بنفسه، فيمكنه في كثير من الأحيان من فرصة البدء والمبادرة.

أما العلاج النفسي الثالث فهو العلاج النفسي الجمعي، ويشبه العلاج النفسي التحليلي، إذ يعتمد على سرد المريض للمواقف والأحداث التي تعرض لها في حياته وأثرت فيه كذلك، تماما كما يحدث في جلسات العلاج النفسي التحليلي، غير أن العلاج الجمعي يعتمد على علاج عدد من الأشخاص ممن يعانون من نفس المرض مجتمعين معًا، لكن بشرط أن يكون هناك تفاوت في حالتهم الصحية، بحيث يمثل الذي يصل إلى مرحلة النقاهة نموذجا يحتذى بالنسبة لزملائه الذين ما زالوا في منتصف الطريق، فالعلاج الجمعي يعتمد على الاستفادة من خبرات الآخرين.

وأخيرا، فإن التمتع بصحة جيدة لهو أكثر من مجرد السلامة من مرض أُصبنا به. فنمط الحياة الصحي يساعد على الشعور بالرضا والحيوية والحفاظ على نظرة إيجابية للحياة فيساهم في سلامتنا البدنية والعقلية والنفسية والاجتماعية. فصحتنا النفسية على قدم المساواة مع صحتنا البدنية كلتاهما تتعلقان ببعضهما البعض من منطلق تأثير النفس في الجسد والعكس.

الهوامش:

  1. (الأَعراف: 32)
  2. (الفرقان: 68)
  3. فقدان الشهية أو القُهام العصبي
  4. نفس المصدر السابق
  5. البوصيري، الكواكب الدرية في مدح خير البرية (قصيدة البردة)
  6. 31%D9%82%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8F%D9%87%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B5%D8%A8%D9%8A-anorexia-nervosa
  7. نفس المصدر السابق
  8. البوصيري، الكواكب الدرية في مدح خير البرية (قصيدة البردة)
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via