فتح العراق والأحواز،ومشاهد من أمانة المسلمين وعدالتهم
- كيف تحققت نبوءات النبي ﷺ بفتح فارس خلال حفر الخندق؟
- ما هو المشهد العجيب الذي رآه سعد بن أبي وقاص في المنام وأدى لفتح المدائن؟
- لماذا بكى عمر بن الخطاب عندما رأى غنائم القصور البيضاء بدلاً من الفرح؟
- ما هي قصة إسلام الهرمزان وكيف تحول من عدو لدود إلى مستشار للفاروق؟
____
فتح المدائن، وتحقق نبوءة الخندق
كان الحديث عن سيدنا عمر وعن الحروب في زمنه جاريا. يقول مرزا بشير أحمد في كتابه «سيرة خاتم النبيين» عن فتح المدائن: لقد أنبأ عنه النبي في حياته بعلم من الله تعالى. فيقول مرزا بشير أحمد في بيان ذلك: عرضت في أثناء حفر الخندق صخرة لم تنكسر. كان الصحابة متعبين جدا بسبب الجوع منذ ثلاثة أيام، فجاؤوا إلى رسول الله مضطرين وقالوا له إن هناك صخرة لا تنكسر. كان النبي أيضا قد ربط حجرا على بطنه بسبب الجوع، ولكنه جاء إلى الصخرة فورا، وأخذ المعول وضرب به الصخرة باسم الله، فانقدح الشرر بضرب الحديد على الصخرة، فكبّر النبي بصوت عال وقال: لقد أُعطيتُ مفاتيح مملكة الشام، ووالله إن قصور الشام الحمراء ماثلة أمام عينيّ. انكسرت الصخرة قليلا بتلك الضربة. ثم ضرب مرة ثانية باسم الله الصخرة بالمعول، وتصاعد الشرر منها هذه المرة أيضا وكبّر رسول الله للمرة الثانية وقال: لقد أُعطيتُ هذه المرة مفاتيح فارس، وأرى قصور المدائن البيضاء. وهذه المرة انكسرت الصخرة أكثر قليلا. ثم ضرب رسول الله الصخرة للمرة الثالثة بالمعول وتطاير الشرر للمرة الثالثة فكبّر هذه المرة أيضا وقال: لقد أُعطيتُ مفاتيح اليمن، ووالله أُريتُ أبواب صنعاء. عند الضربة الثالثة انكسرت الصخرة كليا وتحطمت.
وفي رواية أن النبي كان يكبّر بصوت عال كل مرة، ثم ذكر الكشوف المذكورة كلها عند سؤال الصحابة. وانصرف المسلمون إلى عملهم بعد إزالة هذا العائق، أي بعد كسر الصخرة استأنفوا حفر الخندق.
المشاهد التي بيّنها رسول الله كانت من قبيل الكشوف، وبواسطتها خلق الله تعالى في قلوب المسلمين أملا ونضارة في وقت العسرة هذا بإراءة مشاهد الفتوحات والسعة المستقبلية. إن ذلك الزمن كان زمن الضيق والمعاناة في الظاهر بحيث استهزأ المنافقون في المدينة بالمسلمين بسماع هذه الوعود وقالوا ما معناه: إنهم لا يجدون موطئ قدم في الخارج ويحلمون بمملكة قيصر وكسرى. ولكن الله تعالى كان قد قدّر كل هذه النعم للمسلمين. فقد تحققت تلك الوعود في مواعيدها أي تحققت بعضها في الفترة الأخيرة من حياة النبي ومعظمها تحققت في عصر خلفائه وكانت سببا لتقوية إيمان المسلمين وسكينة قلوبهم.
لقد تحقق وعد فتح المدائن على يد سعد في عهد خلافة سيدنا عمر كما أُريَ رسول الله تماما. بعد فتح المدائن فتح جيش المسلمين بابل، وهي مدينة عراقية قديمة. بعد فتح بابل وصل الجيش الإسلامي إلى منطقة قديمة أخرى اسمها كوثى وتقع قرب مدينة بابل. في هذا الموضع سجَنَ النمرودُ إبراهيمَ ، وكان مكان السجن محفوظا إلى ذلك الحين. وبعد الوصول إلى هناك شاهد سعدٌ السجن، وتلا قول الله تعالى:
بعد كوثى قدم الجيش إلى مكان اسمه بهرسير، وهو اسم جزء من المدينة العراقية المدائن، وتقع على الشاطئ الغربي لنهر دجلة. وكان هناك أسد لكسرى قد ربَّاه للصيد. عندما اقترب جيش سعد بالمكان أطلق العدو هذا الوحش على الجيش فهاجم الأسدُ الجيشَ مزمجرا. كان هاشمُ بن أبي وقاص أخو سعد قائدَ طليعة الجيش، فتقدم نحو الأسد وضربه ضربة قاضية وقتله. ثم وقعت معركة المدائن أيضا بعد ذلك. المدائن تقع في العراق على مسافة قليلة إلى الجنوب على شاطئ نهر دجلة. ولما عُمرت هناك عدة مدن واحدة بعد الأخرى أطلق عليها العرب اسم «المدائن» أي مجموعة المدن.
كانت المدائن عاصمة كسرى وكانت فيها قصوره البيضاء. كان نهر دجلة حائلا دون اقتحام المسلمين المدائن، فدمَّر الفُرس جميع الجسور على النهر.
وقد جاء في تاريخ الطبري ما مفاده أن سعدا بحث عن السفن لعبور النهر، ولكن تبين له أن العدو مستول عليها. كان سعد يريد أن يعبر المسلمون النهر، فأخبره بعض أهل القرى بمكان حيث يمكنه اجتياز النهر بسهولة. ولكن سعدا لم يعمل بمشورتهم. وفي هذه الأثناء أصبح ماء النهر هائجا ومائجا. ثم أُري سعدٌ في المنام ذات ليلة أن المسلمين قد خاضوا النهر بأحصنتهم وعبروه مع أن النهر كان مائجا. فعقد سعدٌ العزم على اجتيازه سباحة تحقيقا للرؤيا، فقال للجيش ما مفاده: أيها المسلمون لقد اتخذ العدو النهرَ ملاذا له فتعالوا نعبره سابحين. قال ذلك وخاض النهر بحصانه ففعل الجنود أيضا ذلك اتباعًا لقائدهم، ونزل جيش المسلمين في الجانب الآخر من النهر. فلما رأى جيش الخصم هذا المشهد صاحوا مذعورين «ديوان آمد، ديوان آمد»، وفرّوا. فاستولى المسلمون على المدينة وقصور كسرى. وكان كسرى قد نقل عائلته من هناك قبل وصول المسلمين. فتمكّن المسلمون من فتح المدينة بسهولة. وبذلك تحققت نبوءة رسول الله التي أنبأ بها يوم الأحزاب عند حفر الخندق عند ضربه الصخرة بالمعول، وقال: قد أُريتُ قصور المدائن البيضاء. بالنظر إلى هذه القصور خاوية على عروشها تلا سعد آيات من سورة الدخان:
أمانة المسلمين وتعففهم
ثم أمر سعدٌ أن يُجمع الكنـز الملكي والمجوهرات النادرة في مكان واحد. كان الكنـز يتضمن تذكارات الملوك التي يبلغ عددها الآلاف بما فيها الدروع والسيوف والخناجر والتيجان والألبسة الملكية، وحصان ذهبي عليه سرج فضي، ومرصع صدره باليواقيت والزمرد. كذلك كانت ضمن الأشياء ناقة فضية عليها سرج ذهبي. وكان زمامها مرصّعا باليواقيت الثمينة جدا. كان في الغنائم فرش يسمى عند الفرس «بهار»، كانت أرضيته من الذهب، وعليه شجرة فواكه من الفضة والجواهر الثمينة. جمع الجيش هذا الأثاث كله ولكن كان الجنود المسلمون صادقين وأمناء جدا، فجاؤوا بكل ما وجدوه إلى قائدهم ووضعوه أمامه. عندما رُصَّت كل هذه الأشياء لمعت الأرض إلى بُعد شاسع. استغرب سعدٌ لهذا المشهد وقال: الذين لم يأخذوا من هذه الأشياء الثمينة شيئا فإنهم أمناء إلى أقصى الحدود دون أدنى شك. قُسمت الغنائم بحسب القانون وأُرسل خُمسها إلى الخليفة. لقد أُرسل الفرش والأشياء القديمة بأسلوب ليرى العرب مشهد جاه الفُرس وهيبتهم وفتوح الإسلام وازدهارهم. عندما وُضعت هذه الأشياء أمام عمر استغرب أيضا من أمانة الجند واستغنائهم، وقال مستغربا ما مفاده: كم هم أمناء هؤلاء الجنود! كان في المدينة شخص اسمه «محلّم» وكان جميل الصورة طويل القامة، فأمر سيدنا عمر أن يُلبس هو لباس كسرى. كانت حالة الألبسة من نوعية وحالة مختلفة، فأُلبس محلّم تلك الثياب واحدا بعد الآخر، وأُعجب الناس بجمالها كثيرا. كذلك وُزّع الفرش «بهار» أيضا.
ثم وقعت معركة جلولاء في 16 من الهجرة. فبعد فتح المدائن اجتمع الفُرس في جلولاء وبدأوا بالاستعداد للمواجهة. فأرسل سعدٌ بأمر من عمر هاشم بن عتبة مع جيش قوامه 12000 جندي لمواجهة جيش الفُرس. وجلولاء مدينة عراقية تقع في الطريق بين بغداد وخراسان، فاندلعت هناك معركة بين المسلمين والفُرس. عندما وصل المسلمون جلولاء كان الفرس قد تحصنوا بها، فحاصرها المسلمون وامتد حصارها إلى عدة أشهر، وكان الفُرس يخرجون بين حين وآخر من القلعة ليهاجموا المسلمين. وهكذا وقعت ثمانون معركة حتى تحقق الفتح. وكتبوا إلى عمر بالفتح وبنزول القعقاع إلى حلوان واستأذنوه في اتباعهم، فأبى وقال: لوددت أن بين السواد وبين الجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال.
في رواية أن سعدا أرسل مع قضامي آنية ذهبية وفضية وأقمشة، وأرسل الأسرى مع أبي مفزر الأسود، وفي رواية أخرى أنه بعث الأخماس مع قضامي وأبي مفزّر، والحساب مع زياد ابن أبي سفيان، و كان الذي يكتب للناس ويدوّن لهم، فلما قدموا على عمر كلّم زياد عمر فيما جاء به، ووصف له، فقال عمر: هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به؟ فقال: والله ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك! فقام بالناس بما أصابوا وبما صنعوا، وبما يستأذنون فيه من الانسياح في البلاد. فقال عمر: هذا الخطيب المصقع. وقال زياد إن انتصارات جنودنا قد أطلقت ألسنتنا.
وفي رواية: لما عُرض على عمر خمس الغنائم، قال: والله لا يُجنُّه سقفُ بيتٍ حتى أقسمه. فباتَ عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في المسجد. (أي جاءت أموال الغنائم ووضعت في فناء المسجد وقام هذان الصحابيان بحراستها) فلما أصبح عمر جاء مع الناس إلى المسجد فكشف عن المال، ولما نظر إلى ياقوته وزبرجده ولؤلؤه وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين، والله إن هذا لموطنُ شكرٍ. فقال عمر: واللّه ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى اللّه هذا قومًا إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم فيما بينهم(3). (أي أن هذه الثروة التي تأتيكم أخاف أن تخلق بينكم الحسد والبغضاء بدلاً من التآخي والمحبة، وهذه الفكرة هي التي تبكيني، لأنه إذا وقع التحاسد بين قوم بدأت الحرب الأهلية بينهم. إن هذا القول يتطلب من التأمل والانتباه والاستغفار كثيرا، لأن ما حذر منه سيدنا عمر هو ما نراه على أرض الواقع، فمنذ أن ازداد المسلمون مالا وثراء، بدأ التحاسد والتباغض يدب فيما بينهم أيضا، وهذا المرض يوجد عند المسلمين سواء في الدول التي تمتلك ثروة النفط، أو الأفراد الذين يمتلكون الأموال، حيث يفتقرون إلى التقوى والسداد).
في أثناء معركة المدائن ترك يزدجردُ ملكُ الفرس عاصمته المدائن وسار بأهله وحاشيته إلى حلوان. ولما بلغتْه هزيمةُ أهلِ جلولاء خرج من حلوان سائرًا نحو الري، وخلف بحلوان خيلاً عليها خسْرَوْ شُنُوم أحدُ قادته العظام. وظل سعد مقيما في جلولاء، وأرسل القعقاع إلى حلوان. فأقبل القعقاع حتى إذا كان بقصر شيرين على رأس فرسخ (ثلاثة أميال) من حلوان خرج إليه خُسْرَوْ شُنُوم، لكنه هرب منهزما. ووصل القعقاع إلى حلوان وأقام هناك ونادى في الناس بالأمان. فبدأ زعماء الفرس يأتونه ويقبلون الجزية ويعلنون تأييدهم للإسلام.
أما كيف كان فتح ماسبذان، فقد ورد أن هاشم بن عتبة، قائدَ الجيش المسلم في معركة جلولاء، رجع إلى المدائن حيث كان سعد وبلّغه أن آذين بن الهرمزان قد جمع جمعًا من الفرس وخرج بهم إلى السهل للقاء المسلمين. فكتب سعد بذلك إلى عمر (رضي الله عنهما)، فكتب إليه عمر: ابعثْ إليهم ضرار بن الخطاب في جيش، واجعل على مقدّمته ابن الهذيل، وعلى مجنّبتيه عبد الله بن وهب الراسبيّ والمضارب بن فلان العجليّ. فخرج العسكر الإسلامي للقاء العسكر الفارسي حتى انتهى إلى سهلِ ماسبذان، وتقاتلا بمكان يدعى بهندف. فانهزم الفرس وتقدم المسلمون واستولوا على مدينة ماسبذان. فلجأ أهلها في الجبال، فدعاهم ضرار بن الخطاب ليرجعوا ويقيموا بالمدينة بأمان وسلام. فاستجابوا له وأقاموا في بيوتهم.
وقد ذكر البلاذري روايات مختلفة عن فتح ماسبذان، منها أن أبا موسى الأشعري فتحها بدون قتال بعد عودته من معركة نهاوند.
فتح الأحواز، وقصة الهرمزان
أما ذكر فتح خوزستان، وهي إحدى ولايات إيران، فكان الهرمزان واليا عليها قبل إسلامه. وتسمى هذه المنطقة وأهلها «الخوز» ، وتقع بالقرب من الأهواز بين سلسلة جبال تقع ما بين خليج الفارس والبصرة وأصفهان.
في السنة الرابعة عشرة الهجرية فتح سيدنا عمر في العراق جبهة صغيرة أخرى للقتال تحقيقا لأهداف حربية، فبعث جيشا صغيرا إلى هذه المنطقة تحت إمرة عتبة بن غزوان، فبنى هناك معسكرا لهذا الجيش فصار فيما بعد معسكر مدينة البصرة. ولم يكن هذا الجيش يقوم بفتح المناطق المجاورة فقط، بل كان يخدم خدمة قتالية أخرى حيث صار سدًّا منيعا بين المدد الذي كان قادة الفرس في تلك المنطقة يريدون إرساله لأصحابهم بعد سماع أخبار هزائمهم المتكررة على شتى الجبهات القتالية. يبدو أن هذا كان هو الهدف الأكبر من إسكان الجيش الإسلامي على هذه الجبهة، أي الاستيلاء على هذا الطريق لكي لا يتمكن الفرس من إرسال المدد إلى قواتهم، ومن ثم يفقدوا القدرة على مهاجمة المسلمين. 
ورجع أمير هذا الجيش إلى الحجاز للحج ولقاء عمر ، وفي غيابه جعل عمرُ المغيرة بن شعبة أميرا على الجيش. وبعد أن اتُّهم المغيرة بن شعبة بتهمة أخلاقية عزله عمر ودعاه إلى المدينة لتحري أمر التهمة التي رُمي بها، وجعل أبا موسى الأشعري أميرا على الجيش. وبعد التحقيق تبين بطلان التهمة التي ألصقت بالمغيرة .
واختلفت الروايات فيما إذا كانت هذه المعركة قد وقعت في السنة السادسة عشرة أو السابعة عشرة من الهجرة. وظل الجيش المسلم نشطا في منطقة خوزستان واتسع مجال القتال فيها أيضا، حتى استولى المسلمون على مدينتها الشهيرة الأحواز.
لقد ذكر الطبري فتح الأحواز في أحداث السنة السابعة عشرة الهجرية، ولكنه قال أيضا أنه يبدو من بعض الروايات أنه كان في السنة السادسة عشرة الهجرية، وكتب الطبري أن هذا الفتح تم على يد أمير الجيش عتبة بن غزوان، لكن البلاذري كتب أن فتح الأحواز وما يليه من الفتوحات تمت بعد عودة عتبة بن غزوان وتحت قيادة المغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري (رضي الله عنهما). وورد أن المغيرة بن شعبة هو الذي فتح الأحواز حيث حاربه بهروز زعيمُ الأحواز أولَ الأمر ثم تصالح مع المسلمين. ثم بعد فترة نكث بهروز العهد وتمرد عندما صار أبو موسى الأشعري أمير الجيش المسلم بعد المغيرة ، فخرج أبو موسى الأشعري لمحاربته، وفتح المدينة بعد القتال. وكان ذلك في العام السابع عشر من الهجرة.
وأسر الجيش المسلم كثيرا من العدو في معركة الأحواز وجعلوهم عبيدا، ولكن سيدنا عمر أمر بإطلاق سراحهم جميعا. فأُطلقوا كلهم ولم يبق منهم عبد.
وورد في تاريخ الطبري: كان الفرس يغيرون على جنود المسلمين مرة بعد أخرى عبر طريقين، وكان لهم مركزان للإغارة في نهر تيري ومناذر، فاستولى المسلمون على المكانين.
نجد في معظم الوقائع أن الفرس كانوا يضايقون المسلمين ويغيرون عليهم مرارا، فرد عليهم المسلمون الهجوم وأخذوا منهم هذه المناطق. وورد في البلاذري أن أبا موسى الأشعري فتح نهر تيري مع فتح الأهواز، ثم بعد ذلك تقدم نحو ما يسمى مناذر، فحاصر المدينة واشتد القتال. وخلال المحاصرة خرج ذات يوم مهاجرُ بن زياد أحدُ مقاتلي المسلمين الشجعان لقتال العدو صائما لكي ينذر نفسه في سبيل الله صائما، فأخبر أخوه ربيعُ أميرَ الجيش أبا موسى الأشعري بذلك، فأعلن أبو موسى بين القوم أن من صام فليفطر أو لا يخرج إلى ساحة القتال. فلما سمع مهاجر هذا الإعلان أفطر بجرعة ماء وقال: أفطر طاعة للأمير وما بي عطش. ثم حمل سلاحه وقاتل العدو حتى استشهد. فحز أهل المدينة رأسه وعلقوه فوق القصر. وطال الحصار فترك أبو موسى الأشعري -وغالبا بأمر سيدنا عمر – جزءًا من الجيش هناك تحت إمرة ربيع أخي مهاجر الشهيد لمواصلة الحصار، وسار بباقي الجيش إلى شوشان. واستمر ربيع في قتال العدو حتى فتح المدينة وأسر كثيرين من أهلها، ولكن أُطلقَ سراحهم جميعا بأمر من سيدنا عمر . ووصل أبو موسى الأشعري إلى شوشان، فتصدى له أهل المدينة في أول الأمر، ثم احتموا بأسوار المدينة، وبعد حصار طال لمدة استسلموا من قلة الطعام.
ولقد قدم السيد مير محمود أحمد في مقالٍ بحثه وتعليقه على تفاصيل هذه الواقعات والفتوحات حيث قال: لقد اختلف الطبري والبلاذري اختلافات عديدة حول هذه الواقعات، وسببها -على الأغلب- أن زعماء الفرس كانوا ينكثون بعهودهم بعد الفتوحات الأولى للمسلمين، مما كان يدفعهم للتحرك إلى الفرس المتمردين وقمع ثورتهم ثانية، فاختلطت واقعات الفتوحات الأولى مع أحداث قمع التمرد وتوطيد الأمن والسلام. على كل حال، هذه وجهة نظر الأستاذ سيد محمود.
فلما وُضع إناء الماء في يده سأله عمر هل أنا في أمن حتى أشرب، فقال له عمر نعم، فألقى الإناء وطلب منه الوفاء بوعده، فقال له عمر أعطيك مهلة، لأرى كيف تعمل. ثم حين أبعد عنه السيف قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. عندها سأله عمرُ لم لم تؤمن من قبل؟ فقال يا أمير المؤمنين خشيت أن يقال إني آمنت خوفا من السيف، لأن السيف كان على رأسي. بعد ذلك كان سيدنا عمر يستشيره في الهجوم على إيران، وكان يعمل بحسب رأيه، فصار مستشارا لسيدنا عمر .
ذكر معركة رامهرمز وتستر: بعد معركة جلولاء كان يزدجرد ملكُ الفرس قد انتقل إلى اصطخر مرورا بالري، ولم يقبل الهزيمة، فكان يحرض الفرس على قتال المسلمين، ويسعى جاهدا لإرسال المدد لرجاله في منطقة خوزستان التي نتحدث عن فتوحات المسلمين فيها. وكان السبب الآخر لتأجج نار الحرب في تلك المنطقة هو قتال الهرمزان أحدِ كبار زعماء الفرس فيها. كان الهرمزان قد شارك في معركة القادسية، وهرب منها إلى وطنه بعد الهزيمة، وكان يشن الغارات على المسلمين بدون انقطاع. وبعد انتصار المسلمين في معركة جلولاء تجمع الفرس في رامهرمز تحت قيادة الهرمزان. (رامهرمز مدينة شهيرة في منطقة خوزستان). فأرسل سعد بن أبي وقاص بأمر من سيدنا عمر (رضي الله عنهما) جيشًا تحت إمرة النعمان بن مقرن من منطقة الكوفة، وأرسل أبا موسى الأشعري من منطقة البصرة وقال لهما: إذا اجتمع هذان الجيشان فسيقودهما أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ. ولما بلغ الهرمزان خبر جيش النعمان بن مقرن خرج للتصدي له، وبعد قتال مرير انهزم الهرمزان ولاذ بالفرار ناحية تستر. (وتستر أيضا مدينة كبيرة على مسافة يوم من خوزستان) واحتمى الهرمزان بأسوار المدينة، فحاصرها الجيش المسلم تحت قيادة أبو سبرة حصارا استمر شهورا عديدة. كان الفرس يخرجون من المدينة ويغيرون على المسلمين مرة بعد أخرى، ثم يرجعون إلى المدينة ويغلقون أبوابها، ووقعت بين الطرفين 80 معركة، وفي المعركة الأخيرة شن المسلمون هجوما شديدا. لما اشتد حصار المسلمين للمدينة أخبرهم اثنان من الفرس أنه يمكن فتحها باقتحامها عبر طريق الماء، فدخلها المسلمون عبر طريق الماء.
وعن ذلك كتب أبو حنيفة الدينوري مؤلف كتاب «الأخبار الطوال»، أن حصار المسلمين طال ذات ليلة فأتى أبا موسى رجل من أشراف أهل المدينة فقال تؤمنني على نفسي وأهلي وولدي ومالي وضياعي حتى أعمل في أخذك المدينة، فأمنه أبو موسى الأشعري. وفي فتوح البلدان أنه قد أسلم.
قال الرجل ابعثْ معي رجلا من أصحابك لأُخبره أي أطلعه على الطريق إلى دخول القلعة. فبعث معه أبو موسى رجلا من بني شيبان اسمه الأشرس بن عوف، فمضى حتى خاض به دُجيلا، ثم أخرجه من سَرَبٍ حتى انتهى به إلى داره، ثم أخرجه من داره، وألقى عليه رداء، وقال: امش ورائي كأنك من خدمي. فجعل يمر به في أقطار المدينة طولا وعرضا، حتى انتهى به إلى الأحراس الذين يحرسون أبواب المدينة، ثم انطلق حتى مر به على الهرمزان، وهو على باب قصره، ومعه ناس من مرازبته. وبعد أن أراه كل شيء انصرف عائدا وأخرجه من ذلك السرب، فأخبر الأشرس أبا موسى بجميع ما رأى، وقال: وجِّه معي مائتي باسل حتى أقصد بهم الحرس، فأقتلهم، وأفتح لك الباب، ووافِنا أنت بجميع الناس.
فدخل الأشرس بن عوف مع أصحابه المدينة من الطريق السرّي، فقتلوا الحراس وفتحوا الأبواب، فدخل الجيش المسلم المدينة وهم يكبرون الله، وبعد أن سمع الهرمزان التكبيرات هرب إلى الحصن الذي في جوف المدينة، وحاصر المسلمون المدينة.
قال الهرمزان من فوق: عندي ثلاثمائة سهم، فما دام عندي واحد منها لا أحد يستطيع أن يمسني، وبعد ذلك إذا اعتُقلت فواها لاعتقالي. فسأله المسلمون ماذا يريد، فقال إنني أستسلم بشرط أن يحكم فيَّ عمر، ثم رمى سلاحه وسلَّم نفسه للمسلمين، فأرسله أبو موسى مع حضرة أنس بن مالك والأحنف بن قيس إلى سيدنا عمر في المدينة. فلما دخل الركب المدينةَ زينوا الهرمزان بقبائه من الحرير وكان قد تم تطريزه بخيوط الذهب، (كان أسيرا ومع ذلك ألبسوه لباسه ذا الشأن العظيم) ثم وضعوا على رأسه تاجا مركبا من الأحجار الكريمة، لكي يراه سيدنا عمر في هيئته الأصلية ويخبروه أنهم هزموا هذا السيد العظيم جدا. ثم سألوا عن سيدنا عمر فقيل: هو في المسجد فلما وصلوا إلى هناك وجدوه في المسجد ينام متوسدًا بُرْنُسَهُ فقال الهرمزان: أين عمر؟ قالوا: هو ذاك النائم. ولم يكن في المسجد آنذاك سواه، فقال الهرمزان: أين حرسه وحجابه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب. قال: ينبغي أن يكون نبيًّا. قالوا: بل يعمل بعمل النبيين. فاستيقظ عمر على جلبة الناس فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم. فنظر سيدنا عمر إليه ولباسه بإمعان وقال أعوذ بالله من النار، وأستعين به . فقال له أصحاب الركب هذا الهرمزان فحدِّثه، فقال كلا، حتى ينزع لباسه البراق وحليه، فنزعوا عنه جميع المجوهرات والقباء الملكي. وبدأ الحديث مع الهرمزان، فقال له عمر: يا هرمزان، كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة الخداع؟ (فالمعركة التي اندلعت كان سببها نقض العهد والخداع) فقال: يا عمر، إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم، فلما كان الآن معكم غلبتمونا.
(هذا كان رده على قول عمر ) فقال له عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرُّقِنا. (أي كان من كبار أسباب ذلك أنكم اجتمعتم ونحن افترقنا) ثم قال له: ما حجتك وما عذرك في انتفاضك مرة بعد أخرى؟ (فكان المسلمون كما قلت سابقا قد حاربوهم بنقض عهودهم لأنهم لم يكونوا يريدون أن يعيشوا كجيران مسالمين) فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك، واستسقى ماء فأتي به في قدح غليظ، فقال: لو متُّ عطشًا فلن أستطع أن أشرب في مثل هذا! فأتي به في إناء يرضاه، بدأت يداه ترتجفان فقال: إني أخاف أن أُقتل وأنا أشرب. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه. فلما سمع ذلك أكفأ الماء، (كان ذكيَّا لذا قال: إذا كان حياتي مضمونة قبل أن أشرب فلن أشرب، لأن المسلمين صادقو الوعد، فألقى الماء) فقال عمر: أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش. (لأنه لنقضه العهود والفتنة ومحاربة المسلمين كان يستحق ذلك) فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به. (فقد أعرب عما كان يريد في الحقيقة). بعد ذلك أسلم الهرمزان واستقر في المدينة، وحدد له سيدنا عمر المعاش ألفين.
لقد ورد في العقد الفريد أنه حين جيء بالهرمزان أسيرا إلى سيدنا عمر دعاه إلى الإسلام فرفض، فأمر عمر بقتله، فقال يا أمير المؤمنين يمكن أن تقدم لي الماء، فأمر حضرته بسقيه الماء، فلما وُضع إناء الماء في يده سأله عمر هل أنا في أمن حتى أشرب، فقال له عمر نعم، فألقى الإناء وطلب منه الوفاء بوعده، فقال له عمر أعطيك مهلة، لأرى كيف تعمل. ثم حين أبعد عنه السيف قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. عندها سأله عمرُ لم لم تؤمن من قبل؟ فقال يا أمير المؤمنين خشيت أن يقال إني آمنت خوفا من السيف، لأن السيف كان على رأسي. بعد ذلك كان سيدنا عمر يستشيره في الهجوم على إيران، وكان يعمل بحسب رأيه، فصار مستشارا لسيدنا عمر .
عدل المسلمين في القصاص للهرمزان
تثار شبهة أن الهرمزان كان له دخل في استشهاد عمر ، لكن المصلح الموعود لم يقبل هذه الشبهة، وبيَّن حجته في تفسيره لآية القصاص، فقد أُتي برجل من المسلمين قد قتل معاهدا من أهل الذمّة فأمر به فضُرب عنقه، وقال : أنا أولى من وفّى بذمته(4). كذلك هناك رواية أوردها الطبراني عن علي أن مسلما قتَل ذميًّا فأمر سيدنا علي بقتله.
يقول البعض: ورد في حديث أنه لا يُقتل مسلم بكافر .. ولكن لو قرأنا الحديث بتمامه لزال التعارض. يقول الحديث «لا يُقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده»(5). فالفقرة الثانية توضح المعنى. لو كان المعنى كما يظنون لكانت الفقرة الثانية (ولا ذو عهد بكافر)، ولا يقبل أحد بهذا. فالمراد من الكافر هنا الكافر المحارب. ولذلك قال إن الذمي الكافر أيضا لا يقتل بكافر محارب.
وعندما ننظر إلى عمل الصحابة نجد أن الصحابة أيضا كانوا يقتلون القاتل المسلم بقتيل غير مسلم. فقد جاءت رواية القماذبان بن الهرمزان يذكر حادث قتل أبيه الهرمزان، الذي كان من كبار الفرس والمجوس، وكان موضع مظنةَ الاشتراك في قتل سيدنا عمر . فثار عبيد الله بن عمر على الرجل بناء على هذه الشُبهة فقتله. يقول القماذبان: كانت العجم في المدينة يَسْتَرْوِح بعضهم إلى بعض (يتزاورون)، كما هو معروف أن الوطنية تتجلى في بلد آخر، فمر فيروز قاتلُ عمر بأبي ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه وقال: ماذا تصنع بهذا في هذه البلاد ذات الأمن والسلام؟ فما الحاجة إلى هذا السلاح، قال: أبُسُّ به ..(أي أستخدمه لحث الإبل)، فحين كانا يتكلمان رآهما رجل. فلما استشهد عمر، قال رأيت الهرمزان نفسه يسلِّم الخنجر لفيروز. فأقبل عبيد الله فقتله. فلما وُلِّي عثمان دعاني فأمكنني منه. ثم قال: يا بني، هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله. فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي ولم يتصد لي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه أن أتركه. فقلت لهم: ألي قتلُه؟ قالوا: نعم، وسبُّوا عبيد الله على فعله المنكر. فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبّوه على أنه قتل أبي بلا إثبات. فتركته لله ولهم. حين تمت الشهادات وأُقيمت الحجة تركتُه لله ولهؤلاء الناس، فاحتملوني فرحا. فوالله، ما بلغتُ المنـزل إلا على رؤوس الرجال وأكفِّهم. ولم يدَعوني أضَع قدمي على الأرض(6).
هذه الحادثة تؤكد أن الصحابة كانوا يقتلون القاتل المسلم بغير المسلم، كما تؤكد أنهم كانوا لا يفرقون بين سلاح وآخر، وأن الحكومة هي التي تقبض على القاتل وتحاكمه وتعاقبه. (هنا كان القاتل قد أسلم فيما بعد ولكنه حتى لو كان القاتل غير مسلم لعُومِل كما يُعامَل قاتل مسلم كما يتبين مما سبق وخاصة إذا كان ذا عهد. ويثبت من هذه الرواية أن الحكومة هي التي تقبض على القاتل وتعاقبه وليس كل شخص) فقد رأينا في الرواية أن الخليفة سيدنا عثمان هو الذي أمر بالقبض على عبيد الله وسلمه إلى ابن الهرمزان، وليس أن ورثة الهرمزان هم الذين أخذوه وحاكموه.
قال المصلح الموعود : هنا سؤال ينبغي الجواب عليه: هل يسلَّم القاتل إلى ورثة القتيل لينـزلوا به العقاب كما فعل سيدنا عثمان . أم أن الحكومة هي التي تتولى عقابه؟ فاعلموا أن هذه المسألة نسبية وهامشية، وتركَها الإسلام مفتوحة ليعمل الناس بحسب مقتضى عصرهم، ويختاروا أي الطريقين بحسب حضارتهم وأحوالهم. ولا شك أن كل طريقة تفيد في أحوال خاصة.(7) هذا الذكر سوف يستمر.
الهوامش:
- (آل عمران: 141)
- (الدخان: 26-28)
- ابن كثير، البداية والنهاية، الجزء السابع، وقعة جلولاء
- الطحاوي، شرح معاني الآثار، الجنايات
- ابن ماجة، كتاب الديات
- الطبري، تاريخ الأمم والملوك، أحداث السنة 24
- مرزا بشير الدين محمود أحمد، التفسير الكبير، ج2