مع الإدريسي، جغرافية العالم في نزهة

مع الإدريسي، جغرافية العالم في نزهة

د. منى محمد

  • فمن هو الإدريسي؟ وماذا عن جذوره ونشأته؟
  • وكيف تمكن من وضع أول تصميم كروي دقيق لخريطة العالم؟
  • وما المنهجية العلمية الثلاثية التي اعتمدها في تأليف كتاب “نزهة المشتاق”؟
  • وما هي الأقاليم السبعة التي قسم إليها الربع المعمور من الأرض؟
  • وما قيمة الإدريسي العلمية المشهود لها في الأوساط العالمية؟

___

كان الإدريسي أحد أشهر الرحالة المسلمين في القرن السادس الهجري، الذين خرجوا في رحلات استكشافية علمية شملت جل العالم القديم بقاراته الثلاث، آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبمقتضى أنه تفرَّد بجهوده العلمية، وسَبَقَ الذين قبله بآرائه وأفكاره ومؤلفاته فقد اعتبر أحد أهم أقطاب علم الجغرافيا وأبرز مؤسسيه على أسس حديثة.

ولد أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحموي الحسني، سنة 494هـ /1100م، في مدينة سبتة، التي تخضع الآن لسيطرة الاحتلال الإسباني، وعرف عالمنا  بألقاب عدة، فهو «الشريف الإدريسي»، نسبة للحكام الأدارسة العلويين الذين أسسوا دولة الأدارسة بالمغرب فهو من نسلهم، كما لقب بـ»الصقلي» لاستقراره بصقلية ردحا من الزمن، ويعرف كذلك بـ”القرطبي” لقضائه معظم سني دراسته بقرطبة بالأندلس، كما يُعرف بـ «السبتي» نسبة لمسقط رأسه «سبتة».

بدأ الإدريسي دراسته في سبتة وفاس، ثم انتقل إلى قرطبة قبلة العلم والحضارة آنذاك، ومكث بها سنوات عدة أتقن خلالها الجغرافيا والفلك والرياضيات والطب والصيدلة وخواص النباتات، ثم يمم لطلب العلم صوب المشرق، فطاف ببلاد الإسلام في رحلة زار خلالها الحجاز وتهامة ومصر، ومنها سافر إلى القسطنطينية وسواحل آسيا الصغرى ليبدأ في الرجوع ناحية المغرب مرة أخرى، ويصل سواحل فرنسا وإنكلترا، وقيل إن عمره حين زار آسيا لم يكن قد تجاوز بعدُ السادسة عشرة.

أسفاره

كان الإدريسي يتمتع بشخصية جذابة، موهوبة، وعقلية علمية نهمة للمعرفة والاستكشاف، وقد اتخذ من السفر والترحال وسيلة لإشباع نهمه ذاك، فخرج في رحلات علمية كثيرة كان لها أكبر الأثر في تكوين معلوماته الجغرافية والتاريخية، حيث صقلته وشحذته علميا وفكريا. ولله در محمد بن إدريس الشافعي إذ عدد للسفر فوائد بقوله:

تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا

وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ

.

تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ

وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ

.

وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ

وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ

.

فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ

بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ

لقد تم للشريف الإدريسي فوائد السفر كافة، إذ مهدت له أسفاره وضع مؤلفاته، فقد انطلق في رحلته إلى شبه الجزيرة الأيبيرية وجنوبي إيطاليا والبرتغال. كما وصل إلى شواطئ فرنسا وجنوبي إنكلترا وتجول بمدنها، ثم عبر البحر إلى شمال أفريقيا وجاب المغرب الأقصى شمالا وجنوبا، ومكث إذَّاك حينا في مراكش، ثم انتقل من المغرب الأقصى إلى المغرب الأوسط (الجزائر حاليا)، فمكث في قسنطينة، ثم رحل إلى المشرق وتجول في آسيا الصغرى، وانتهى به المطاف في جزيرة صقلية، وهناك استقبله ملكها روجر الثاني النورماندي في بلاطه وأغدق عليه وكفله بالرعاية، وكان زملاؤه في بلاد الملك روجر الثاني يتهمون الملك باعتناقه الإسلام

وذلك وفقاً لما وجدوا فيه من إعجاب شديد بغزارة علوم الإدريسي وثقافاته المتنوعة، ولا سيما علم الجغرافيا، وخير دليل على ذلك أن الشريف الادريسي كان «يرأس  الدائرة الجغرافية   في بلرم، ويشرف على جهودها وينظمها.» (1)

مشروعه في صقلية

في ذلك الحين، كان علم الجغرافيا  من العلوم الإسلامية، وكذلك كان من العلوم  النادرة والقليلة، المعدودة على الأصابع، ففي صقلية بدأ الإدريسي عمله العلمي الكبير بوضع تصميم كروي لخريطة العالم ظل هو الأفضل والأكثر دقة إلى وقت قريب، وأغدق الملك روجر عليه المال، وطلب منه أن يضع كتابا شاملا في الجغرافيا لوصف طبيعة البلدان، وثقافاتها وجبالها وأنهارها وسهولها وأوديتها، فوضع كتابه الأشهر على الإطلاق «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» واعتمد في وضع هذا الكتاب العظيم على حصيلة مشاهداته في سائر رحلاته التي جاب خلالها البلدان والأقاليم المختلفة طيلة حياته منذ كان شابا يافعا، ولم يكتف بهذا وحسب، بل اعتمد كذلك على التقارير الموثوقة التي وصلته من الوفود التي أرسلها إلى مناطق أخرى لم يزرها بنفسه، وهى تقارير تتضمن معلومات جغرافية، ثم كان اعتماده في المقام الثالث على المراجع الجغرافية التي اطمأن إليها ووثق بمعلوماتها، كمؤلفات بطليموس، وابن حوقل، والمسعودي. واستغرق وضع كتابه «نزهة المشتاق» خمسة عشر عاما تقريبا، حتى فرغ من تأليفه في عام 548هـ /1123م، وفى أعقاب وفاة الملك روجر في عام 1154م، خلفه غليوم الأول، الذي كلف الإدريسي بوضع كتاب آخر، فأجابه بتأليف كتاب «روضة الأنس ونزهة النفس»، الذي اشتهر باسم آخر فيما بعد، وهو «كتاب المسالك والممالك». كما وضع مؤلفات علمية عديدة تفصح عن علمه الواسع بعلوم الأرض والنبات والأعشاب والأدوية منها كتاب «الأدوية المفردة»، وكتاب «الصيدلة»، وكتاب «الجامع لصفات أشتات النبات».

 

نزهة المشتاق

على الرغم من تعدد مؤلفات الإدريسي وتغطيتها عددا لا بأس به من فروع المعرفة العلمية، من جغرافيا وتاريخ وصيدلة ونبات وغيرها، إلا أنه حين يُذكر اسمه يتبادر إلى أذهان الكثيرين عمله الأشهر «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، والذي ذكر فيه كافة الأسفار التي قام بها والبلدان التي زارها. كما احتوى أوصاف البلاد والأقطار والمواقع والتضاريس والبحار والأنهار والأودية والسهول، وكذلك غلات البلاد وتجاراتها سواء ما يَصْدُرُ منها أو ما يَرِدُ إليها، والعجائب التي تنسب إليها، وأحوال أهلها وهيئاتهم ومذاهبهم وأزيائهم ولغاتهم وما يذكر عنها من العجائب والغرائب، وغيرها من المعارف العمرانية والحضارية، وكذلك مواقعها في الأقاليم السبعة، والأقاليم السبعة تعبير جغرافي قديم يشير إلى تقسيم أهل الهيئة في ذلك الزمان للربع المعمور من الأرض إلى سبعة أقاليم، بالنظر إلى أسمائها سيبدو لنا أنه تقسيم سياسي أكثر منه مناخي أو تضاريسي، وتلك الأقاليم السبعة هي:

* الإقليم الأول: بلاد الهند

* الإقليم الثاني: إقليم الحجاز

* الإقليم الثالث: إقليم مصر

* الإقليم الرابع: إقليم بابل

*  الإقليم الخامس: بلاد الروم والشام

* الإقليم السادس: بلاد الترك

* الإقليم السابع: بلاد الصين

حرص الإدريسي على دعم كتابه «نزهة المشتاق» بسبعين خريطة تفصيلية للعالم المعروف في زمانه، اشتملت على تحديد المواقع لـ 356 مدينة أفريقية، و740 مدينة أوروبية، و959 مدينة آسيوية. فكان بحق أعظم أطلس جغرافي بمقاييس زمانه، وليس من باب المبالغة إذا قلنا حتى بمقاييس هذا الزمان إذ اهتمت الدوائر العلمية في العالم بهذا الكتاب وصنّفته على أنه إنجاز غير مسبوق في مجاله، كما اعتبرت الإدريسي بهذا الكتاب أول جغرافي يقوم بمشروع علمي امتد ليغطي جميع أقطار المعمورة، في الوقت الذي كانت فيه أعمال الجغرافيين والرحالة العرب تهتم بالعالم الإسلامي فقط. وقد طبع كتاب «نزهة المشتاق» للمرة الأولى في فلورنسا بإيطاليا في عام 1592م،  وهي أقدم طبعة بالحروف العربية، وبعد ذلك وضعت له ترجمات ومختصرات بلغات أوروبية مختلفة. وقالت عنه دائرة المعارف الفرنسية: «إن كتاب الإدريسي هو أوفى كتاب جغرافي تركه لنا العرب، وإن ما يحتويه من تحديد للمسافات ووصف دقيق يجعله أعظم وثيقة علمية جغرافية في القرون الوسطى».

الهوامش:

  1. د. إحسان عباس ( ت : 1424 هـ) العرب في صقلية، دار الثقافة، بيروت _  لبنان، ط1، 1975، ص: 160

وبَلَرْمُ : بفتح أوله وثانيه، وسكون الراء، وميم، معناه بكلام الروم المدينة: وهي أعظم مدينة في جزيرة صقلية في بحر المغرب على شاطئ البحر. يُنظر ( ياقوت الحموي ( ت : 626 هـ ) معجم البلدان، دار صادر، بيروت، ط2، 1995 م، عدد الأجزاء ( 7 )، (1/ 483)

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via