وَسَائِلُ التَّبَاعُدِ الاِجْتِمَاعِيِّ

التحرير

  • كيف تحولت كثير من نواتج التقدم العلمي عبر العصور من وسائل رفاهية للإنسانية إلى أسلحة تدمير شامل لها؟!
  • كيف تورطت الآلة الإعلامية الغربية العصرية في جريمة توسيع الفجوة والتباعد بين الحضارات بدلا من تكريسها للتعارف بين الشعوب؟!

من العجيب أن الشيء الذي اخترعته يد الإنسان بات يأتي بعكس ما وضع من أجله، ألم تُستحدث مخترعات كثيرة لرفاهية البشرية، ثم كانت تلك الرفاهيات ذاتها أداة جناية البشرية على نفسها؟! لقد توصل الإنسان إلى صهر المعادن، فلم يلبث أن صنع سيوفا ورماحا لم يستخدمها في صيد ما يأكل بقدر ما استخدمها في القتل والعدوان على أخيه الإنسان. كذلك ابتكر الديناميت لأول مرة تيسيرا لعمليات الحفر والتنقيب في المناجم، ثم لم يلبث أن وجد الديناميت طريقه إلى استخدام آخر، وهو القتل بالجملة. وقائمة المستحدثات التي أنتجتها يد التقدم العلمي في هذا العصر تطول، بحيث نحتاج لحصرها إلى تسويد العديد والعديد من الصفحات، وأغلب تلك المستحدثات أساء الإنسان استخدامها أيما إساءة، بقصد أو بدون قصد، والنتيجة واحدة، هي سير البشرية بخطى متسارعة نحو الهاوية.
ونظرا إلى الطول المفرط في قائمة المستحدثات العصرية التي أسيء استخدامها بحيث باتت تأتي بمردود عكسي على غير المتوقع منها، ننتقي وسائل التواصل الاجتماعي من آلات كالحواسيب بأنواعها، وهواتف لوحية ومحمولة، وما إلى ذلك من برامج وتطبيقات تعد بالمئات، إن لم نقل بالآلاف، وكلها تؤدي إلى نفس النتيجة والمآل.
الغريب في أمر وسائل التواصل الاجتماعي، التي بات اسمها هذا على غير مسمى، أن أغلبها، تم إنتاجه لغايات خبيثة، سواء بمبادرة أفراد، أو برعاية مؤسسات وحكومات، فمن منا لا يعلم يقينا أن تطبيق facebook تم إطلاقه للتجسس؟! وهو الذي بسببه نشبت أشد الفتن السياسية في الشرق الأوسط، فيما يسمى كذبا بالربيع العربي. لقد اعترف صاحب هذا التطبيق ومطوره بالأغراض الخبيثة التي دُشن لأجلها، والشريحة العظمى من مستخدميه على علم تام بخطورة استخدامه والعكوف عليه طويلا، ومع ذلك تراهم يردونه كل يوم ينهلون منه نهلا، بحيث لا يمكنك أن تجد وصفا أبلغ من أنهم شَارِبُونَ مِنَ الْحَمِيمِ، فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.. نعم، لقد أدركوا مضار الأمر، وعلى الرغم من هذا هاموا فيه وشغفوا به حتى لا يملكون منه فكاكا. كل ذلك يدفعنا دفعا للتساؤل عن السر الخفي وراء تغيُّر مسار الابتكارات والمخترعات البشرية العظيمة، وكيف تحولت عبر الزمان من وسائل تيسير للحياة البشرية إلى سُمٍّ زعاف كاف لتدميرها والقضاء عليها! لا بد لنا إذًا من القول بأن كثيرا من المستحدثات والرفاهيات عبر العصور إنما تحولت إلى معاول هدم، وابتعدت عن أداء وظيفتها التي وُضِعت لأجلها، نظرا إلى ابتعاد البشرية (على إطلاقها) عن الغاية التي من أجلها خُلِقت. فإن يتساءل البعض عن حبوط الأعمال، فإنه عين ما أشارت إليه آيات الذكر الحكيم:

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا (الكهف: 104-106).

كل ذلك يدفعنا دفعا للتساؤل عن السر الخفي وراء تغيُّر مسار الابتكارات والمخترعات الإنسانية العظيمة، وكيف تحولت عبر الزمان من وسائل تيسير للحياة الإنسانية إلى سُمٍّ زعاف كاف لتدميرها والقضاء عليها! لا بد لنا إذًا من القول بأن كثيرا من المستحدثات والرفاهيات عبر العصور إنما تحولت إلى معاول هدم، وابتعدت عن أداء وظيفتها التي وُضِعت لأجلها، نظرا إلى ابتعاد الإنسانية (على إطلاقها) عن الغاية التي من أجلها خُلِقت.

في عدد مجلة التقوى لهذا الشهر نُفْرِدُ للحديث عن أدوات ووسائل التواصل الاجتماعي متسعا خاصا، وهذا لسببين: الأول أن حضرة خليفة المسيح الخامس (أيده الله تعالى بنصره العزيز) أَفْرَدَ لهذا الموضوع بالذات مساحة واسعة، حين خصص خطابه التربوي في ثاني أيام الجلسة السنوية الـ 52 للجماعة الإسلامية الأحمدية في المملكة المتحدة هذا العام، خصصه للحديث عن خطر يهدد الأسرة والمجتمع ككل بالتفكيك، وبالتالي تدمير الإنسان، بمحو صفة المواساة بينه وبين أخيه وذويه، تلك الصفة التي لو هجرها الإنسان لأمسى وحشا بالتدريج.
كذلك نتناول مسألة التواصل الاجتماعي في بعد جديد، وهو البعد الحضاري، وتحديدا ما نعاصره اليوم من قضية الصراع الحضاري بين الغرب والإسلام، وكيف أن الآلة الإعلامية العالمية، كمظهر لوسائل التواصل الاجتماعي أيضا، باتت طرفا متورطا في إحداث الفجوة والتباعد بين الشعوب والحضارات الإنسانية، وذلك فيما بات يسمى بـ «الإسلاموفوبيا»، بالرغم من أن تلك الشعوب كان من المفترض لها أن تتعارف وتتحد في سبيل الوصول إلى الله الواحد (سبحانه وتعالى).. وإلى جانب هذا الموضوع المحوري في هذا العدد، نقدم إلى القارئ العزيز باقة ملونة من المواضيع والمقالات والأبواب الثابتة، لا بهدف الإقناع فحسب، وإنما الإمتاع أيضا. سائلين المولى عز وجل أن يجعل كل كلمة من كلامنا تصدر ابتغاء مرضاته، ويجنبنا حبوط الأعمال.. آمين.