سيرة المهدي - الجزء 1 الحلقة 37
  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثتني والدتي: كان حضرته يقول: لما كنت طفلا قال لي بعض الأطفال: اذهب إلى بيتك واجلب سكرًا. فجئت البيت وملأت جيوبي بالسكر الموجود في أحد الأواني دون أن أسأل أحدًا، وبينما كنت في الطريق إليهم سفَفْتُ حفنة منه فحُبِسَ نفسي وعانيت كثيرًا، وعرفت فيما بعد أن الذي اعتبرته سكرًا أبيض وملأت به جيوبي لم يكن إلا ملحًا مسحوقًا.

أقول: تذكرت أنه خُبِز في البيت مرة خبزٌ حلوٌ لأن حضرته كان يحب أكل الخبز الحلو، فلما شرع حضرته يأكله شعر بتغيير في مذاقه إلا أنه لم يُبْدِ ذلك، فلما أكل أكثر وجد المرارة فيه فسأل والدتي: يبدو أن الخبز مرٌّ فما الأمر؟ سألت الوالدةُ المرأةَ التي خبزت الخبز، فقالت لم أضع فيه إلا السكر، سألتها الوالدة: من أين أخذتِ السكر؟ اجلبي إليَّ ذلك الإناء الذي أخذت منه السكر. فذهبت وجاءت بعلبة من قصدير، وبعد الفحص عُلم أن هذه العلبة كانت تحتوي على الكينين ووضعته هذه المرأة خطأ في الخبز بدلا من السكر. ولقد حدثت هذه الطرفة في البيت ذلك اليوم.

  1. بسم الله الرحمن الرحيم.حدثتني والدتي قالت: أخبرتني بعض العجائز أن حضرته طلب في صغره مرة من والدته ما يأكله مع الخبز، فقالت له أن يأكل معه السكر الخام، قال حضرته: لا أريد، فذكرت له شيئا آخر، فردّ عليها حضرته بالرد الأول. كانت والدته منزعجة في ذلك الوقت لأمر آخر فردّت عليه بشدة قائلة: فاذهب إذًا وكُلْه مع الرماد. فوضع حضرته رمادًا على الخبز وجلس لأكله، وكانت هذه طرفة حدثت في البيت. وحدث ذلك في أوائل صغره.

أقول: قالت والدتي بعد ذكر هذه الحادثة: كان حضرته جالسًا عندي لما أخبرتني تلك العجوز عن هذا الحادث، فظل ساكتًا.

  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني المولوي ذو الفقار علي خان وقال: لما كانت قضية كرم دين مرفوعة في محكمة غورداسبور خرج حضرته يومًا للتوجه إلى المحكمة، فقصد وفق عادته الغرفة التي خصصها سلفا للدعاء، وبقيت أنا والمولوي محمد علي ننتظره خارجها. كان المولوي محمد علي يحمل عصا حضرته، فلما خرج حضرته بعد الدعاء سلّم له المولوي محمد علي عصاه. فلما تناولها حضرته أخذ ينظر إليها ثم قال: لمن هذه العصا؟ قيل له: إنها لحضرتك، وأنت تأخذها دومًا في يدك. قال حضرته: ظننت أنها ليست لي.

يقول ذوالفقار علي خان: كانت هذه العصا قد ظلّت في يد حضرته منذ مدة طويلة إلا أنه كان مستغرقًا في أفكاره لدرجة أنه لم ينظر إليها بإمعان ليعرفها.

يقول ذو الفقار علي خان: أتيت قاديان مرة ووجدت حضرته يودّع أحد الأفغان وسط درج المسجد. لاحظت أن حضرته لم يكن سعيدًا لأن ذلك الشخص كان يخاف من أن يبلغ دعوة حضرته في أفغانستان. على أية حال، التقيت بحضرته فصافحني ثم ذهب إلى بيته. جئت إلى غرفتي وبكيت كثيرًا لأن حضرته لم يلقني ببشاشة فلعله رأى مني شيئًا. ثم لما ذهبت إلى المسجد وقت الصلاة ذكر أحد لحضرته أن “ذو الفقار علي خان” وصل. سأل حضرته بكل شوق: متى وصل مفوض المديرية؟ فتقدّمت فورًا وقلت: سيدي لقد التقيت بك قرب الدرج لما كنتَ تودّع أحد الأفغان. قال حضرته: حسنا، ولكنني لم أنتبه، ثم تكلم معي كالمعتاد بكل سرور وبشاشة.

أقول: كان حضرته يفرح بقدوم الضيوف ويحزن عند مغادرتهم. فلما جاء بعض الضيوف إلى قاديان بمناسبة حفل “آمين” * لمرزا بشير الدين محمود أحمد، قال حضرته في أبيات شعرية كتبها في هذه المناسبة ما معناها:

لقد أَريتَنا يا ربّ هذه الأيام التي جاء فيها الأحبة كلُّهم، وإن كرمك يا حبيبي قد دعا هؤلاء اللطفاء والرحماء. لقد طلع علينا هذا اليومُ المبارك الذي تحققت فيه مقاصدنا، اللهم بارك لنا هذا اليوم، يا سبحان من يراني.

لقد جاء الضيوف بلطف وبألفِ محبةٍ فبمجيئهم أصابت قلوبنا الفرحة وأرواحَنا الراحةُ، ولكن الحزن يعتصر فؤادي عندما أتذكر لحظة فراقهم، اللهم بارك لنا هذا اليوم، يا سبحان من يراني.

إن الدنيا نُزُلٌ، يفارق فيه الواصل لا محالة، ولا بد أن ينفصل أخيرًا ولو ظل واصلا مائة عام. لا مجال لأي شكوى إذ لا بقاء لهذه الدار فانية. اللهم بارك لنا هذا اليوم، يا سبحان من يراني.

  1. بسم الله الرحمن الرحيم. أقول: كلما التقى المسيح الموعود عليه السلام بأحد لقيه بوجه مبتسم وبما يكشف عنه جميع همومه. كان جميع الأحمديين يشعرون بأن غمومهم وهمومهم تزول بحضورهم مجلسه إذ كلما وقعت نظرة أحد على وجهه المبتسم سرى تيار المسرة في سائر جسده. ومِن دأبِه أنه كان يستمع بكل إصغاء للجميع ويردّ عليهم بكل محبة مهما كان الشخص عاديًّا وبسيطًا. كل واحد كان يظنّ أن حضرته يحبّه أكثر من الجميع. كان يأتيه أحيانًا قرويون جاهلون بآداب مجلس نبي الله فيظلون يسردون عليه قصصهم التافهة، وكان حضرته يجلس معهم ويستمع إليهم بكل إصغاء، وما قال لأحدهم قط: كفى الآن. كان حضرته يجلس في المسجد بعد الصلوات وفي أوقات أخرى أيضا، فيحيطه الأحباء ويجتمعون حوله ثم تبدأ الأحاديث حول مواضيع شتى وهكذا كان درس التعليم والتربية يجري هناك، كان الجالسون في مجلسه يشعرون وكأن ينبوعًا من العلم والمعرفة يتدفق، وكل واحد منهم كان يغترف منه بحسب استطاعته. لم يكن هناك قانون محدّد يُفرَض على أتباعه في مجلسه، بل كل واحد كان يجلس حيثما يجد مكانًا، ثم إذا أراد أحد أن يسأل فكان يطرح سؤاله بكل بساطة، وكان حضرته أحيانًا يلقي خطابًا ردًّا على بعض الأسئلة؛ وإذا ذُكر أحد المعارضين تكلم عنه حضرته أو ذَكَرَ وحيًا جديدًا تلقاه وذكر ما يتعلق به، إذا ذُكرت مصيبةٌ تعرض لها أحدٌ أو فرعُ الجماعة جرى الكلام حول هذا الموضوع. باختصار، كان الحديث يجري حول مواضيع شتى في مجلسه، وكان الجميع يتمتعون بحرية الكلام فيما يشاءون. كلما تكلم حضرته استمع إليه الحضور بكل إصغاء. كان من دأبه -سواء أثناء خطابه في الناس أو خلال الحديث في المجلس- أن يبدأ بصوت منخفض، ثم يأخذ صوته يعلو ويعلو لدرجة يستطيع أن يسمعه بكل سهولة أبعد شخص في مجلسه، وكان صوته يتميز بلوعة وألم خاص.
  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني المولوي شير علي أن المولوي فضل دين مِن لاهور كان محاميًا لحضرته في قضية “مارتن كلارك”، لم يكن هذا الرجل أحمديًّا ولعله لا يزال على قيد الحياة ولا يزال غير أحمدي. لما مَثُلَ المولوي محمد حسين البطالوي أمام المحكمة للإدلاء بشهادةٍ ضد حضرته سأل المولوي فضل دين حضرتَه: إذا سمحت لي سألتُ المولوي محمد حسين في المحكمة عن نسبه؟ فمنعه حضرته بشدة وقال: لا أسمح لك بذلك، ثم قال: لَا يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوءِ (النساء: 149)

قال المولوي شير علي: لقد ذكر لنا المولوي فضل دين هذه الواقعة بنفسه بعد خروجه من المحكمة، وكان متأثرًا بموقف حضرته، فكان يقول: إن “مرزا صاحب” ذو أخلاق عجيبة. يمثل أحد أعدائه الألداء للإدلاء بشهادة ضد حضرته في قضية اتهامه بارتكاب قتل أحد، وكنت سأجعل شهادته تافهة وضعيفة لا يؤبه لها من خلال توجيهي له بعض الأسئلة عن نسبه، ولم تكن مسئولية توجيه مثل هذه الأسئلة تقع على “مرزا صاحب” بل كنتُ سأتولى ذلك، إلا أنني لما استأذنته بذلك منعني بشدة قائلا: لا أسمح لك بتوجيه مثل هذه الأسئلة لأن الله تعالى لا يحب مثل هذا الطريق.

أقول: كان في نسب المولوي محمد حسين البطالوي أمورٌ معيبة- والله أعلم- وهي التي أراد المحامي إبرازها من خلال أسئلته، غير أن حضرته منعه من ذلك. الحقيقة أن حضرته لم يكن يهدف إلى ذلة أي عدوٍّ له، أما إذا هيِّئتْ من الله أسبابُ ذلة أحد فكانت تلك آية من الله فكان حضرته يظهرها ويبرزها.

  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني المولوي شير علي أنه لما مثُل المولوي محمد حسين البطالوي ليدلي بشهادة ضد حضرته في قضية اتهامه بالقتل، دخل الغرفة، ولما رأى حضرتَه يجلس بكل كرامة على الكرسي عند القاضي دوغلاس أصيب بقلق شديد حسدا، فسأل الحاكم كرسيًا، وحيث إنه كان واقفًا وكان بينه وبين الحاكم مروحة، فلم يكن يرى وجه الحاكم، وبالتالي خاطبه في كلامه بانحنائه عند المروحة، فأجابه دوغلاس: ليست لديّ قائمة تذكر اسمك فيمن يُمنح لهم الكراسي في المحكمة. فلما أصر على طلبه استشاط الحاكم غيظًا وقال مغاضبًا: اخسأْ ولا تتكلمْ، وتأخّرْ وقِفْ معتدلا.

أقول: لقد وردت في بعض كتابات المسيح الموعود عليه السلام كلمات: “وقِفْ معتدلا”، ولم نكن نعرف المراد منها، واتضح الآن من هذه الرواية أن المولوي محمد حسين كان يتكلم مع الحاكم منحنيًا ليرى وجهه الذي كان يختفي وراء المروحة إذا وقف معتدلا، ولأجل ذلك قال له الحاكم: “قفْ معتدلا”.

أقول: يمكن للمرء أن يتصور كم كان قلبه مكلومًا ويحترق كمدًا عند ذلك، لعله كان يتذكر من ناحية قولته الشهيرة عن حضرته: “أنا الذي رفعتُه وأنا الذي سأُسقِطه الآن”، ومن ناحية أخرى لا بد أن يكون ماثلا أمام عينيه الوحي التالي لحضرته: “إني مهين من أراد إهانتك.” فالله أكبر!

  1.  بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني المولوي شير علي أن حضرته لما قال أمام القاضي دوغلاس في قضية اتهامه بالقتل: أُلصقت بي تهمة القتل.. وأراد أن يكمل حديثه، إلا أن دوغلاس قال فورًا: لا أتهمك بالقتل. فلما أصدر قراره قال: مرزا صاحب، أبارك لك بأنه قد بُرِّئت ساحتك.

أقول: كان دوغلاس نائب مفوض المحافظة في تلك الأيام، وكان “كابتن” أي نقيب في الجيش، ثم أخذ يترقى ويترقى حتى صار الحاكم الأول لجزر إنديمان، وقد تقاعد الآن عن رتبة عقيد وعاد إلى بريطانيا. إنه إنسان متفهم ونبيل وغير متعصب. لقد قابله داعيتنا المولوي مبارك علي البنغالي في 28 يوليو 1922 فذكر له دوغلاس من تلقائه مجريات تلك القضية وقال: كنت أعرف غلام أحمد (المسيح الموعود) وكنت على يقين أنه صالح ونبيل وأنه لا يعلّم الناس إلا بما يؤمن به، ولكنني لم أكن أحب نبوءاته عن موت الآخرين لأنها كانت تثير مشاكل كثيرة.

ثم ذكر وقائع القضية وقال: كان ذلك الشاب “نظام دين” (أقول: لقد نسي دوغلاس أن اسم الشاب كان عبد الحميد) يتخذ كل يوم موقفًا جديدًا، وبالتالي كانت حكايته تكتمل رويدًا رويدًا بصورة أقوى وأشمل. شككت في الأمر وسألت عن مكان سكنه. فقيل لي أنه يقيم عند المبشرين المسيحيين وهم الذين يلقّنونه يوميًا، فأمرت أن يُخرج من رعاية المبشرين ويُدخل في رعاية الشرطة وحراستها. وهكذا تحقق هدفي حيث اعترف نظام دين (أي عبد الحميد) بخطئه وسقط على قدميّ، واعترف بأن الحكاية كلها افتراء ليس إلا.

ثم أظهر دوغلاس عجبه تجاه ازدهار الجماعة المحيّر وقال: لم أكن أتوقع أن هذه الجماعة التي أسسها مرزا غلام أحمد ستحقق مثل هذا الرقي. أقول: لله در القائل ما معناه:

هذه هي بدايات العشق فحذار أن تبدأ بالبكاء من الآن، لأنك سترى عجبًا كلما تقدمت شيئا فشيئا.

كما أقول: لقد أرسل المولوي مبارك علي من لندن مجريات لقائه مع دوغلاس، وجرى الحديث في اللقاء باللغة الإنجليزية، ونقلنا هنا ترجمته بالأردية.

Share via
تابعونا على الفايس بوك