• من يقعون تحت وطأة التقاليد والأوهام يسيئون إلى سبوحية الله وقدسيته.
  • قدرة الله وعظمته تتجلى، وتمحى دور الصدفة.
  • الوحي الإلهي هبة من الله لعباده الغافلين.
  • الإعجاز العلمي في الترتيب اللفظي القرآني.

وَضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (النحل: 77)

شرح الكلمات:
أبكمُ: بكِم يبكَم بَكْمًا: خرَس، فهو أبكَمُ (الأقرب).
كَلٌّ: الـكَلُّ: المصيبةُ؛ الثقيلُ لا خير فيه؛ العَـيِّلُ والعيال؛ الثِقلُ؛ الضعيفُ. ويُطلَق الكَلُّ على الواحد وغيره (الأقرب).
مولى: المولى: المالكُ؛ المعتِقُ؛ الصاحبُ؛ الحليفُ؛ الوليُّ؛ الربُّ؛ المنعمُ؛ المحبُّ (الأقرب).
يوجِّهه: وجَّهه إليه في حاجة: أرسله فوجَّه إليه أي ذهَب.. لازمٌ ومتعدٍّ (الأقرب).
صراط: الصراط: الطريق (الأقرب).

التفسـير:
لقد بيّن الله تعالى من قبل بضرب المثال السالف أن الذي يتمتع بكفاءات وقدرات، ولا يقدر على استغلالها لكونه تحت سلطة الآخرين، فوجوده أو عدمه سواء؛ والآن قد زاد الله هذا المعنى إيضاحًا بضرب مثال آخر لعبدين: أحدهما أخرس لا خير فيه، إذ ليس هو بقادر على فعل أي خير حتى ينفع الآخرين بيده، كما لا يستطيع الكلام أيضًا حتى ينفعهم بلسانه بالوعظ والنصح على الأقل، وبالتالي صار عبئًا ثقيلاً على سيده، لأنه لا يأمره بشيء إلا وهو يفشل في إنجازه؛ وعلى النقيض هناك عبد آخر لدى هذا السيد يأمر الناسَ بالعدل وفق أوامر سيده، كما يسرّه بإنجاز كل مهمة يعهدها إليه، فلا شك أن هذا العبد أفضل من الأول بكثير، وبينهما بون شاسع، ولا يمكن أن يعاملهما سيدهما معاملة واحدة.
هذه الآية أيضًا تعقد مقارنة بين النبي وبين طائفة من الكفار، حيث يقول الله لهم: لقد صرتم بُكمًا لأن المعاصي بكل أنواعها كانت ولا تزال تُرتكب أمام أعينكم، فكان القوم يشركون بالله تعالى، ويعرضون صفاته عرضًا مشوَّهًا، ومع ذلك لزمتم الصمت، ولم ينبرِ منكم أحد لينهى هؤلاء عن الشرك والإساءة إلى الله مولاهم الحق؛ ولم يتصدَّ لهم منكم أحد بقول الحق دفاعًا عن سيده سبحانه وتعالى إلا محمد . فإذا كنتم قد فشلتم في أمر الناس بالمعروف والعدل فكان من واجبكم أن تتمسكوا بأنفسكم بالخير والعدل على الأقل، وتعلنوا من خلال أعمالكم الحسنة عن سبوحية الله وبراءته من العيوب. وإذا كنتم غير قادرين على نهي الآخرين عن الشرك فكان من واجبكم أن تنتهوا عنه بأنفسكم، ولكنكم لم تفعلوا ذلك أيضًا. ولنَدَعْ أمرَ الدين جانبًا، فيا ليتكم تقدمتم في المجال الدنيوي بشكل ملحوظ طالما كنتم مهتمين فقط بمتاع الحياة الدنيا؛ ولكنكم بدلاً من أن تكونوا عونًا للآخرين أصبحتم عبئًا ثقيلاً عليهم؛ ولكن محمدًا – على النقيض – يأمر الناس بالعدل والمعروف، كما هو بنفسه سائر على الصراط المستقيم.. أي أنه كامل من جميع النواحي. فهلا أخبرتموني مَن أحقُّ بنصرتنا، أنتم أم هو؟
والخلاصة أن الله تعالى قد عقد في هاتين الآيتين مقارنةً بين النبي وطائفتين من الكفار؛ فالطائفة الأولى منهم كانوا عبيدًا للتقاليد والأوهام.. كانوا يريدون القيام بأعمال الخير ولكنهم لم يفعلوها خوفًا من القوم. أما الطائفة الأخرى منهم فإنها كانت أسيرة في قبضة التقاليد والأوهام، كما كانت كفاءاتهم الطبيعية لفعل الخير قد صارت ممسوخة مطموسة لدرجة أنهم لن يفعلوا الخير ولو تحرروا من قيود التقاليد والأوهام. لقد صاروا عبئًا على الله تعالى، إذ يسبب وجودُهم الإساءةَ إلى سبوحية الله وقدوسيته.
ولكن محمدًا ليس عبدًا لأحد غير الله تعالى، كما أنه قد سخّر كلَّ ما أُوتيَ من قدرات وكفاءات في نفع الإنسانية، ثم إنه مزوَّد بملكات روحانية خارقة تساعده على التحلي بمكارم الأخلاق، كما يدعو الآخرين إلى الهدى. فهل، يا تُرى، سيقع الخيار الإلهي على الذي عنده الكفاءة والاستعداد، والذي يعمل جاهدًا لنصرة دين الله، أم على الذي يملك هذه القدرات، ولكنه يهدرها سدًى لأنه غير قادر على استغلالها في سبيل الله، إذ لا يستطيع الصمود أمام تقاليد القوم، أو أنه لا يملك أي كفاءة أصلاً، ولا هو حر من قيود التقاليد والطقوس.

وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (النحل: 78)

شرح الكلمات:
الساعة: راجع شرح الآية رقم 62.
لـَمْح البصر: لَـمَحَ البصرُ يلمَح لـَمْحًا: امتدّ إلى الشيء. لمَح الرجلُ الشيءَ: أبصره بنظر خفيف أو اختلس النظرَ. ولمَح الشيءَ بالبصر: صوَّبه إليه (الأقرب).
شيء: مصدرُ شاء. شاءه يشاء شيئًا: أراده. وشاء الله الشيءَ: قدَّره. الشيءُ: ما يصح أن يُعلَم ويُخبَر عنه. وهو مذكَّر يُطلَق على المذكر والمؤنث، ويقع على الواجب الممكن. جمعُه أشياء (الأقرب).

التفســير:
يقول الله تعالى هنا: لقد عرفتم أيها الكافرون أن أهل السوء لا يمكن أن يعامَلوا بمثل ما يعامَل به أهل الصلاح، والآن نكشف لكم – نحن الذين نعلم أسرار السماوات والأرض- سرًّا آخر ينبغي أن تستوعبوه جيدًا ألا وهو أن ساعة هلاكهم قريبة، بل ستحل بكم في لمح البصر أو أقرب من ذلك.
ولما كان من الممكن القول أن معرفة الغيب لا تعني بالضرورة أن صاحِبَ الغيب قادرٌ على أن يأتي بالنتائج كما يريد، لذلك ختم الله الآية بقوله إن الله على كل شيء قدير .. أي أننا لا نعلم الغيب فحسب، بل نملك القدرة كلها على صياغة أحداث المستقبل كما نريد.
هذا، وفي الآية إيماءة إلى أنه سيأتي على الناس زمان سيزعم فيه البعض بأن هلاك أعداء محمد لم يكن إلا صدفةً أو نتيجةً طبيعية للظروف السائدة حينئذ، وذلك لكي يقللوا من عظمة هذا الحادث. وبالفعل فإن الكتّاب المسيحيين في العصر الحديث يرددون كثيرًا بأن هلاك مناهضي محمد كان أمرًا طبيعيًّا عاديًّا وليس بمعجزة. فانظرْ كيف أن عالم الغيب الذي أنزل القرآن قد رد عليهم هنا سلفًا حيث بدأ الآية بإعلانه أن منـزّلها هو عالم الغيب، ثم نبّأ باقتراب هلاك الكفار، ثم ختم الآية مؤكدًا أن دمارهم لن يكون صدفةً، بل نحن الذين سوف نفعل هذا بقدرتنا الغالبة وبما يفوق طاقات البشر.
علمًا أن هذا النبأ قد أُدليَ به حين كان تعذيب أهل مكة للمسلمين على أشده، وكان المسلمون لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلاً إلا أن يهاجروا. فانظر كيف أن أهل المدينة – الذين لم يُسلِم منهم قبل نزول هذا النبأ إلا بضعة أفراد – دخلوا في الإسلام أجمعين؛ ثم انظرْ كيف أن الكفار أرغموا محمدًا رسول الله على الهجرة إلى المدينة، في حين أنه لم يكن يرغب في أن يغادر مكة، وما تركها إلا بعد أن قرر الكفار اغتياله، بل لقد خرج منها في الليلة والساعة اللتين حاصروا فيهما بيته؛ وكأنه قد أقام بذلك الحجة على الكفار بأنني لا أريد الخروج من هذا البلد، ولكنكم لم تتركوا لي مناصًا إلا أن أتركها، فها إني أخرج منها رغم أنفي. ثم انظر كيف أن الكفار لم يألوا جهدًا في كسر شوكة النبي بالمدينة، ولكنه ازداد قوة إلى قوته بسرعة مذهلة إلى أن دمِّر الكفار نهائيًّا.
من ذا الذي يمكن أن يسمي هذا صدفةً، أو نتيجةً طبيعية للظروف السائدة حينئذ، ولا سيما بعد أن تم التنبؤ عن هلاكهم؟ يمكن للكتّاب المسيحيين أن يُثبتوا بأن أتباع محمد حين هاجموا كسرى الفُرسِ أو قيصرَ الرومِ كانت إمبراطورية كل منهما في زوال وانحطاط، وكان نجم دولة المسلمين في صعود وارتفاع؛ ولكن ليس السؤال هنا: كيف كانت حالة الحكومة الإيرانية أو الرومية إزاء المسلمين حين هجم عليهما أتباع محمد، وإنما السؤال: أي قوة كان يملكها محمد رسول الله وهو في مكة حين نبّأ بانتصاره وهزيمة مناهضيه؟ وإذا كان الله تعالى هو الذي منحه القوة التي قلبت حكم الجزيرة العربية لصالحه من جهة، وأطاحت بعروش كسرى وقيصر من جهة أخرى، أفليس هذا بمعجزة؟ وإذا لم يكن هذا معجزة فما الذي يسمَّى معجزة إذن؟!
وليكن معلومًا أن هذا النبأ قد أُدلي به في أواخر الفترة المكية، وأن أول انتصار حققه المسلمون كان في معركة بدر.. أي بعد حوالي سنتين ونصف السنة أو ثلاث، وقد فُتحت مكة بعد هذا النبأ بعشر سنين، ولكن كلمات النبأ تقول إن الفتح سيتم في لمح البصر أو هو أقرب؛ مما يوضّح أن مثل هذه التعابير لا تؤخذ بحرفيتها، لأن القرآن الكريم لا يقصد بها إلا المستقبل القريب فحسب.
ولقد لفتُّ النظر إلى هذا الأمر لأن البعض يبدأون بالطعن في بعض الأنباء عند قراءة مثل هذه الكلمات فيها، متجاهلين أساليب لغة الوحي كهذه.

وَالله أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (النحل: 79)

التفسـير:
يقول الله تعالى: أيها الناس قد أخرجناكم من بطون أمهاتكم وأنتم لا تعلمون شيئًا، وزوَّدناكم بالسمع والبصر والفؤاد لكي تتعلموا؛ ولكنكم لم تنتفعوا بنعمنا هذه، فلا بالعين رأيتم، ولا بالأذن سمعتم، ولا بالفؤاد فكرتم ووعيتم.
كم هي مفعمةٌ هذه الجملة بمشاعر الشفقة والتأسف! فربنا القادر يتأسف على غفلة العباد التي أدّت بهم إلى العذاب بكلمات تنم عن محبته المتناهية!
هذا، وعلاقة هذه الآية بما قبلها تكمن في أنها تمثّل دليلاً آخر على ضرورة الوحي؛ ذلك لأن الإنسان يولد وهو لا يعلم شيئًا، ولكن الله يزوّده بالأذن والعين والفؤاد التي تساعده على تحصيل العلم والمعرفة. فكل العلوم المادية إنما تتيسر للإنسان عبر هذه الوسائل، وليس بوسع أحد أن يقول: لا حاجة بي إلى هذه الوسائل التي خلقها الله، بل سأنال العلم بوسائل أخلقها بنفسي. فما دام الإنسان لا يقدر على تحصيل العلم المادي إلا بما خلق الله من وسائل، فكيف يسوغ له أن يرفض استخدام الوسائل التي خلقها الله تعالى لتحصيل العلم الروحاني؟
أليس من المستغرب أن كل ما يحققه الإنسان من شرف وكمال إنما يحققه باستخدام الوسائل التي هي عطية من الله سبحانه وتعالى ، من دون أن يرى في استخدامها أي عار، ولكنه عندما يُدعَى إلى استخدام الوسائل المماثلة في المجال الروحاني فيرد على هذه الدعوة بالإنكار قائلاً: ليس بي حاجة إلى هذه الوسائل، لأنني قادر على تحقيق الرقي الروحاني بدونها. مع أن الحقيقة أنه ليس بوسع الإنسان أن يستغني عن الحواس المادية لكسب العلم المادي، كما لا يمكن له لكسب الكمال الروحاني أن يستغني عما خلقه الله بحكمته البالغة من وسائل روحانية.
وقد ختم الله تعالى الآية بقوله لعلكم تشكرون لينبِّه أن الغرض من خلق هذه الحواس فيكم، أيها الناس، أن تقدروا نعم الله تعالى وتشكروه عليها، ولكنكم تأخذكم الكبرياء والغرور نتيجة هذه النعم، وتقولون لا حاجة بنا لأي تعليمات من الخارج!
هذا، وقد ذكر الله تعالى الأُذن أوّلاً ثم العين ثم الفؤاد، وبهذا الترتيب نفسه تساعد هذه الحواس الإنسان على زيادة معرفته؛ فالأُذن هي التي تعمل في المولود قبل كل شيء لكسب المعرفة، ثم العينُ، ثم القلب أي القوة الفكرية. وهذا ما أكدته البحوث العلمية الحديثة أيضًا؛ حيث نجد أن مواليد بعض الحيوانات تفتح عيونها بعد عدة أيام، بينما تعمل آذانها عملها في هذه الفترة. أما طفل الإنسان فتبدو عينه مفتوحة عند الولادة، ولكن الواقع أنها تعمل عملها بعد الأُذن، أما قوته الفكرية فتبدأ عملها بعد مرور فترة من الوقت.
هذا الترتيب الطبيعي يشكل برهانًا ساطعًا آخر على أن القرآن كلام الله تعالى، إذ أخبر هنا بما لم يكن معلومًا لإنسان ذلك العصر.