وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (68)

شرح الكلمات:

الأعناب: جمعُ العنب وهو: ثمرُ الكَرْم وهو طريٌّ، فإذا يبس فهو الزبيب (الأقرب).سَكَرًا: السكَر: الخمرُ؛ نبيذٌ يُتّخذ من التمر والكُشوث؛ كلُّ ما يُسكِر؛ الخَلُّ؛ الطعام (الأقرب).

التفســير:

لقد عانى المفسرون كثيرًا في تفسير هذه الآية. فمنهم من فسر كلمة سَكَرًا بمعنى الخمر. ولكنه لما واجه مشكلة أخرى – وهي أن الله تعالى يتحدث هنا عن نعمه ولكن الخمر حرام – أجاب عليها قائلاً: إن الآية نزلت قبل تحريم الخمر وهي منسوخة! (تفسير القرطبي) ومنهم من فسر سَكَرًا بمعنى الطعام تجنبًا للمعضلة المذكورة أعلاه. ولكن اعترض عليه الآخرون وقالوا: هذا سيؤدي إلى التكرار عبثًا، لأن الطعام قد سبق ذكره في قوله تعالى ورزقًا حسنًا ؟ فقيل في الجواب إن كلمة سَكَرًا تشير إلى ما في هذه الأشياء من قوة، بينما يشير قوله تعالى ورزقًا حسنًا إلى ما فيها من غذاء! (تفسير البغوي)الواقع أن المفسرين قد واجهوا هذه الصعاب لأنهم حاولوا بهذه الآية الاستدلالَ على جواز تناوُلِ ما هو (سَكَر) أو عدم جوازه؛ مع أن الله تعالى إنما يريد أن يبين هنا أنكم كثيرًا ما تتصرفون في طيباتنا فتفسدونها، فالشيء الذي يكون طيبًا في حالته الأصلية يصير بتدخلكم نجسًا فاسدًا.

ثم قال الله إن في ذلك لآيةً لقوم يعقلون .. أي أن العاقلين يدركون أن استخدام الشيء في غير ما خُلق من أجله لا يأتي بطائل بل يؤدي إلى الفساد. فلا الإنسان بقادر على تقديم منهج روحاني، كما لا يحق له التصرف في التعليم الرباني ليصرفه عن الهدف الذي نزل من أجله، وإلا فلا بد من أن يفسد ويخرب.

وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (69)

التفسـير:

لقد ضرب الله هنا مثالاً ثالثًا للتأكيد على ضرورة الوحي، وهو أَوضَحُ من المثالين السابقين؛ فبيّن أنه أنزل إلى النحل الوحيَ الذي يناسبها، فأمرها أن تتخذ بيوتها في الجبال والشجر والعرائش. وهذا الوحي عبارة عن الغريزة المودعة في النحل. وقد أكد الله بذلك أن كل الأشياء في مصنع هذا الكون تدور بفضل الوحي، فبعضها يدور بوحي خفيّ وبعضها بوحي جليّ.. بمعنى أن كل شيء إنما يؤدي الغرض من خلقه بالسير وفق ما أودع الله فيه من قوًى وميول، ولو أنه انحرف عنها قليلاً لما حقق الهدف من وجوده كما ينبغي.

لقد أوضحت هذه الآية أن نطاق الوحي الإلهي واسعٌ جدًّا. يظن البعض أن لا وحيَ مطلَقًا بعد رسول الله (ختم النبوة والحركة الأحمدية ص 74)، ولكن هذه الآية تؤكد أنه حتى الحشرات تتلقى الوحي من الله تعالى. والمراد من وحي هذه الحيوانات ما جبلها الله عليه من غرائز وميول طبيعية. وهذا النوع من الوحي ينـزل بشكل متقطع حتى على البشر العاديين، حيث تخطر بقلب المرء فجأةً فكرةٌ نافعة لـه جدًّا. إن جميع المخترعين تقريبًا يقولون إن معظم ما اخترعوه قد أُلقيتْ فكرته في قلوبهم فجأةً، أو أنهم فكّروا في بعض المخترعات من أجل بحثهم العلمي، ولكنهم وجدوا حلولاً لكثير من المشاكل التي كانت تعترض طريقهم نتيجة موجة تولدت في وجدانهم فجأة. فهذا أديسون مثلاً – أكبر مخترِع عرفه التاريخ البشري – يعترف بذلك صراحة حيث يقول: لقد اخترعت حوالي ألف مخترَع، وكانت أكبر هذه المخترعات نتيجة فكرة أُلقيت في رُوعي فجأةً. والحق أن هذه هي الحالة التي يطلق عليها الصوفية الإلهام.أما الحشرات فقد قام العلماء بخصوص النحل والنمل ببحوث مستفيضة، تؤكد أن النمل تعيش بحسب نظام رائع مذهل؛ فهي تتحاور بالأيدي، وتحافظ كالإنسان على موتاها، وتدّخر الغلال، وتجهّز لها مساكن مختلفة تلائم الطقس؛ فللشتاء مسكن وللصيف مسكن آخر، كما تبني الغرف بأكثر من طابق. وهناك دودة من نوع خاص تسيل منها مادة تستخدمها النمل كاللبن، وهي حريصة على ادّخار هذه الديدان في بيوتها وتعتني بتغذيتها باستمرار لدرجة أنها في أيام قلة الغذاء تُطعم هذه الديدان أولاً، ثم تأكل ما يتبقى من الغذاء. كما أن النمل تتحارب فيما بينها، وتتصالح أيضًا.(The Book Of Knowledge, Word: Aunt)

فهناك نظام واسع محكم تعيش النمل بموجبه. وكل هذا نتيجة للوحي الذي يسمى الوحي الخفي. والنحل أيضًا تعيش بحسب نظام رائع حتى إن بعض العلماء يقولون إن نظام خلية النحل أفضل من نُظم الإنسان، وأنها أرهف منه حسًّا في بعض المجالات. توجد في كل خلية ملِكةٌ تطيعها النحلُ كلها. وأجيال النحل المختلفة لا تعيش كالبشر معًا، بل يعيش كل منها منفصلاً دون اختلاط مع من ليس من جيله. عندما تولَد ملِكةٌ جديدة يسعى الجيل القديم للقضاء عليها، ولكن الجيل الشاب كله يهبّ لحراستها ويدافع عنها، وعندما تكبر الملِكة الجديدة فإنها تشن مع جيلها الهجومَ على الجيل القديم وتطرده من الخلية لتستقل بها هي، أو تنهزم وتطير بجيلها لتصنع لها خلية جديدة مستقلة. وهناك تفاصيل مذهلة أخرى عن نظام النحل ولكن لا مجال لذكرها هنا (المرجع السابق ص 416 – 421).

ولقد اختار الله مثال النحل ليوجّه نظر الإنسان إلى الذي منح النحلَ هذا العلمَ وجعل لها هذا النظام المذهل الذي لا يمكن أن يكون وليدَ تفكيرها. وهناك سبب آخر لاختيار مثال النحل وهو أن نظامها ينكشف للعيان بأدنى تدبر، وأيضًا لأن النحل تهيئ غذاء قد اعتبره الإنسان مِن أفضل الأغذية وأجودها. إن وجود النظام في حياتها يدل على أنها تتمتع بالعقل، ولكن عيشها بنمط واحد باستمرار من دون تطوُّر يدل على أن هناك قوة خارجية أخرى وضعتْ للنحل هذا النظام الذي ليس مِن وَضْعِها هي أبدًا.

كما أن الله تعالى قد أخبر هنا أن النحل أنواع، فمنها ما تتخذ بيوتها في الجبال، ومنها ما تبنيها في شجر السهول، ومنها ما تصنعها في مساكن الناس أو عرائش الكَرْم وغيرها. ولقد لَفَتَ بذلك الأنظارَ إلى أن الذين يتلقون الوحي أيضًا صنوف.. أي يحتلون درجات متفاوتة؛ فمنهم من مقامه الجبال، ومنهم من مقامه الشجر، ومنهم من مقامه العريش. وكأن الله تعالى قد أومأ هنا إلى ما صرّح به في موضع آخر من القرآن الكريم بقوله: تلك الرسل فضّلْنا بعضَهم على بعض (البقرة: 254)

ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (70)

شرح الكلمات:

فَاسْلُكي: سلَك المكانَ سَلْكًا: دخَل فيه، وكذا سلَك الطريقَ أي دخَله وسارَ فيه متّبِعًا إياه (الأقرب). للمزيد راجع شرح الآية رقم 13 من سورة الحِجر. ذُلُلاً: جمعُ ذَلول. ذلَّ البعيرُ: ضدُّ صَعُبَ، يقال: ذلّتْ له القوافي: سهُلتْ، فهو ذَلول (الأقرب). وقال فَاسـْلُكِي سـبلَ ربك ذُلُلاً أي منقادةً غيرَ متصعبة (المفردات).ألوان: راجع شرح الآية رقم 14.

التفسـير:

في هذه الآية مزيد من وصف النحل، حيث قال الله تعالى: إن مما نوحيه إلى النحل أن تتغذى على رحيق الأزهار لتحوِّله إلى عسل، مستعينةً بما خلقنا في جسمها من أجهزة، ومتبعةً أوامرَنا.

ثم بيّن الله تعالى أن عسلها يخرج ألوانًا وأنواعًا، ولكن هناك قاسِمٌ مشترَك بين كل لون ونوع منه، وهو أن فيه شفاءً للناس. وقد نبّه الله بذلك إلى أن ما أنزلناه على البشر من وحي فهو أيضًا نزل في أوقات مختلفة وبألوان شتى، حيث كان تعليم نبي مختلفًا في بعض الأحيان عن تعليم نبي آخر في بعض النواحي، ومع ذلك صار تعليم كل نبي شفاءً لمن نـزل من أجلهم. ولقد أشار الله بقوله فَاسْلُكي سبلَ ربك ذُلُلاً إلى أن تلقي الوحي ممكن لكل إنسان، شريطةَ أن يسلك الطريقَ الذي رسمه الله له في طاعة كاملة، وأن لا يلوّثَ فطرتَه النقية. فلو عاش عاملاً بالوحي الخفي الذي ينـزل على البشر كلهم بل على كـل مخلوق، لشَرَّفَه الله بوحي يكون كالعسـل في نقائه وشفائـه للنـاس.. أي بوحي يزيـل ضعفَـهم البشـري ويجعلهـم كامـلين في الروحانـية.

ثم نبّه بقوله إن في ذلك لآيةً لقوم يتفكّرون إلى أنه من المستحيل أن يتم أي أمر في الدنيا بدون الوحي، فمن ظن أنه سينال الهدى بجهوده فهو على خطأ. ولقد ركّز سيدنا المسيح الموعود على هذا المعنى خاصةً حيث قال: إن ما يبذله المرء في أمور دنياه من جهود فهو بمنـزلة الدعاء، وما يخطر بـباله بعد ذلك من تدبـير فهو بمثابة الوحي من عند الله تعالى (بركات الدعاء، الخزائن الروحانية ج 4 ص 230).

إذن فقد نبّهنا الله تعالى بضرب مثال النحل إلى أن الحياة الناجحة مستحيلة من دون الوحي، حتى إن الحيوانات أيضًا ليست في غِنًى عن الوحي، فهي الأخرى تتلقى نوعًا من الوحي، والنحل أوضح مثال لك. وما دام الله تعالى قد أنزل الوحي لرقي المخلوقات الأخرى بأسرها، مع أنها أقصرُ حياةً وأقل شعورًا من الإنسان.. فكيف يمكن لنظامِ حياة الإنـسان الدنيوية التي لها تأثـيرها على حـياته الأخـروية أن يدار بدون نور الوحي.

هذا، وقد وصف الله القرآن الكريم في مواضع عديدة منه بما وصف به العسل، مما يعني أن في القرآن نفس الميزة التي هي في العسل، أعني ميزة الشفاء، فقال الله تعالى: وننـزّلُ مِن القرآن ما هو شِفاءٌ ورحمةٌ للمؤمِنين (الإسراء: 83)، وقال تعالى: يا أيّها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربِّكم وشِفاءٌ لِما في الصـدور (يونـس:58)، وقال تعالى: قُلْ هـو لِلَّذِين آمَنوا هُدًى وشِـفاءٌ (فُصِّلتْ: 45).

Share via