القرآن الكريم وتصحيح المغالطات التاريخية

القرآن الكريم وتصحيح المغالطات التاريخية

التحرير

__

التاريخ  الإنساني حافل بالمعطيات والمراجع التي تُشخص للبشرية ملامح الماضي من خلال أحداث ووقائع. وثمة سؤال يطرحه كل باحث في هذا المجال وهو يُنقب عن الحقيقة بين كمٍّ كبير من الكتب والدراسات، متسائلا عن مدى وثوق كل صغيرة وكبيرة وردت في هذه المراجع وما تحتويه من اختلافات وتناقضات، ليصل به فكره إلى إشكالية مدى أمانة المؤرخين ونزاهتهم في عملية التأريخ والتدوين؟!

ولا خلاف في أن التأريخ ساهم في إثراء الحقل المعرفي من خلال معطيات أفادت الثقافة الإنسانية عبر أجيال، فأصبحت شاهد عصر لحقبة زمنية متباعدة تناساها الزمن وأسدل عليها غبار الدهر. ولكن هل يمكننا أن نصدق كل ما خطَّتهُ أقلام المؤخين؟؟ وهل هم على شاكلة واحدة من حيث رجاحة الرأي والتقوى في نقل وتحليل مجريات زمانهم؟ أم علينا أن نضع في حسباننا ونصب أعيننا بالبداهة أن التاريخ لم يُكتب كله بأياد أمينة بل ساهمت في خطّه بعض الأيادي في ظل تأثيرات وميولات ومصالح ومواقف!!

إن غياب وازع الأمانة والنـزاهة في فكر الإنسان وأخلاقياته أنتج أضرارًا بالغة سرى مفعولها عبر الزمن وتوارثها الخلف عن السلف. وكم هي دلائل شواهد التاريخ شاخصة ومتجسدة لهذه الحقيقة خصوصا لدى إلقاء نظرة على تاريخ الديانات السماوية وأصولها التوحيدية وما آلت إليه من شرك وخرافة وجهالة نتيجة انعدام أمانة رجال الدين الذين حرَّفوا الكلم عن مواضعه لتحصيل مآرب ومطامع تتنافى مع قدسية النص السماوي.

ولقد أزال القرآن الكريم الشبهات التي علقت بحقائق تاريخية عديدة مخاطبا النبي الكريم

  نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ… (يوسف 4).

أي أن القَصص التي دونها القرآن الكريم مُوثَّقة حيث اصطبغت بصبغة الوحي الذى لم تـُحرف أيادي المفسدين نصه وفحواه. وهكذا أرسى كتاب الله الكامل  مقياسا جديدا للمعطيات التاريخية الغابرة وأدخلها تحت مظلة عالم الغيب. ومن هذا المنطلق نؤمن أن الغيب لا يغطي الوقائع والأحداث التي ستحصل في المستقبل فحسب ولكن غطى الماضي المندثر أيضا. ويؤكد الكتاب الذي لا ريب فيه هذا الأمر في موضع آخر

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (آل عمران 45)

ولا شك أن رسالة القرآن الكريم هي أعظم ثورة تصحيحية للفكر الإنساني الذي خالطت سجلاته التاريخية مغالطات الأيادي غير الأمينة والاجتهادات غير الدقيقة. ومن هنا تكمن حاجة البشرية إلى القرآن الكريم مصدرًا أمينا مُنزَّها من الشك، متكاملا من كل النواحي الروحية والمادية والفكرية، وهذا ما ثبت بشهادة العديد من الباحثين مستشرقين وغيرهم!

صحيح أن القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ أو فلك أو فلسفة لكنه مع كونه كتاب تشريع شمل موضوعات كونية وعلمية وغيبية بشكل إعجازي لم يَسَعْ المنصفين إلا أن انحنوا له إجلالا وإقرارًا بحقائقه التي لم يكن لفكر بشري من سبيل أن يلامس ملامحه وأسراره قبل ما يزيد على أربعة عشر قرنا بين قوم غلبت عليهم سمة الأمية والقَبلية!!

أما تاريخ الإسلام المعاصر الذي تتصدر أهم أحداثه الجماعة الإسلامية الأحمدية فلم يهمشة الكتاب الكامل بل أشار إليه بالبنان والتبيان. فمنذ فجر تأسيسها لم تحظ الجماعة بحقوقها المشروعة بل عُرضت عقائدها بطريقة مشوهة، ودُفنت خدماتها المنقطعة النظير للعالم الإسلامي بالذات في مقابر النسيان. ولم يتوقف الأمر إلى هذا الحد بل فُرض عليها تعتيم إعلامي واسع النطاق. وسُنَّت ضدها قوانين غاشمة تحرم أبناءها من حقوقهم الدينية والمدنية. وسلسلة الاعتداءات طويلة ولسنا هنا في محل عرضها. والحقيقة التي غابت عن كل من خطط ونفذ هذه الجرائم أنه لا يمكن لهم حرمان العالم من نور الإسلام الذي كلف الله عز وجل الجماعة لنشره في هذا الزمن. ولا شك أنهم مثل الذي يغطي نور الشمس بغربال!!

ولقد بين الله عز جل في سورة التكوير ملامح الدنيا وهي تطل على فجر غلبة دين المصطفى وأشار:

وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ .

ولقد شهدت الدنيا قاطبة أنه في عصرنا الحالي انتشرت المواد العلمية والدينية والثقافية انتشارا منقطع النظير. ولم تقتصر الصحف على المطبوعات الورقية ولكنها غطت المجال الالكتروني فأصبح لدينا صحفا مقروءة ومسموعة ومرئية. وشاء قدر الله وكسر كل الجدران وحطم الحواجز التي وُضعت لإخفاء صوت الجماعة. فها هي اليوم تدخل كل بيت على وجه المعمورة عبر قنواتها الفضائية ومواقعها الإلكترونية. وأصبح الناس أينما كانوا يتفاعلون مع علوم كلامها ويستفسرون مباشرة من أبنائها عن عقائدها. وهكذا ظهرت الصورة الصحيحة للجماعة للقاصي والداني وأصبح بإمكان كل ذي رأي أن يحكم بنفسه بناء على ما يسمعه ويراه ويقرأه مباشرة وبدون وسيط.

فكما بيَّنا آنفا فإن خدمات الجماعة قد وُئدت في الماضي ولكن بعد أن انتشرت الصحف استرجعت هذه الخدمات الموءودة حقوقها وبرزت للدنيا مرة أخرى. وها هي الجماعة كعادتها تتألق في ميدان خدمة الإنسانية غير طامعة في جزاء ولا شكور. وما قام به مؤخرا إمام جماعتنا حضرة مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز لهو أحسن شاهد على ما نقول؛ فقد دق حضرته جرس الخطر المحيط بالإنسانية حاليا حيث إن الأوضاع الخطيرة التي تشهدها الساحة العالمية يمكن أن تقود إلى حرب عالمية ثالثة. ولم يتأخر حضرته في توجيه النصح لرؤساء وملوك الأطراف المتناحرة ولمن لديهم قدرة تغيير القرارات عبر رسائل هامة سيفخر التاريخ الإسلامي لضمها بين دفتيه.

عزيزي القارئ تجد داخل هذا العدد عينة من هذه الرسائل إلى جانب خطاب حضرته التاريخي الذي ألقاه في مؤتمر السلام الذي عقدته الجماعة في المملكة المتحدة مؤخرا.

هدانا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وجنب أمة المصطفى والإنسانية جمعاء المخاطر المحدقة بالعالم.

Share via
تابعونا على الفايس بوك