الإرهاب الفكري..دراسة تحليلية

التحرير

تطالعنا وسائل الإعلام بمصطلحات عديدة غالبا ما تُنسب للمواطن المسلم أينما كان في بلاد العالم، منها الإرهاب الجسدي والإرهاب الاقتصادي والإرهاب الفكري الذي سنلامس بعض ملامحه عبر هذه السطور، والذي إن بسطنا تعريفه.. فهو كل نشاط يتم من خلاله فرض رأي محدد، أو جبر الآخرين على سلوك يُوهمون أنه الصواب.
وفي واقع الأمر إن إلإرهاب الفكري هو ظاهرة عالمية موجودة في كل المجتمعات بنسب متفاوتة. كما أنها ليست حديثة العهد ولكنها وُجدت منذ قديم الزمن. وتتفاقم خطورته حيث إنه يعمل على تكميم الأفواه، وتجميد العقول وتعطيل ملكة تفكيرها بالإضافة إلى أنه يفرض عليها عدم قبول الآراء المعارضة. ويرى ممارسُ هذا النوع من الإرهاب أن معارضيهم لهم أعداء الحق يجب محاربتهم وقتلهم. فهم لا يسمحون بتعدد الآراء فحسب بل يصادرون الحريات.
ولا شك أن الإرهاب الفكري هو نتيجة مباشرة للتطرف والغلو في الدين، حيث يتمسك من يتبنوه بقشر وظاهر الشرع بطريقة حرفية ويَقْفون آثار وتفاسير واجتهادات علماء عصور الظلمات.. عصور الجمود على متون النصوص. ويتفادون التحري في مقاصدها وغاياتها والبحث عن حكمها ومغازيها التي تحقق المصلحة العامة لجميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية.
ولسان حال هؤلاء المغالين في الدين الذين لا يقبلون رأيًا مخالفاً لهم.. ’’من ليس معنا فهو ضدنا‘‘، وهذا هو الداء الفتاك أو بعبارة أخرى ’’الإرهاب الفكري‘‘ والذي عندما يمزج بالتشدد والغلو في الدين يؤدي في نهاية المطاف إلى الإرهاب الجسدي وما يصب به على الإنسانية من تخريب وتخويف للأبرياء وقتل وتدمير..
ويا ليتهم وهم متمسكون بكتب السلف وأدبياتهم أن يتمعنوا في ما قاله الإمام الشافعي -رحمه الله- ’’رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب‘‘!!
وفي حال فشل الإرهابيين في التأثير على صاحب الرأي المخالف وتحويله إلى ببغاء يردد ما يُقال له من أفكار تافهة سخيفة لا تتماشى مع روح الدين السمحاء يُتهم: إما بعميل لأمريكا أو لأوروبا أو لإسرائيل، وبالتالي فهو كافر ويُهدر دمه. وهكذا يُفرغ من كل مضامينه وقد يضطر إلى التراجع دفاعاً عن وطنيته وعقائده وإيمانه والانضمام إلى القطيع الفاسد الفاسق. وهذا تحديدا مع حصل لكثير من الشباب المسلم الذي يقطن في الغرب هاجر للالتحاق بدولة الخلافة الإسلامية المزعومة وبعد أن رأى ما لا يُصدق قرر التراجع والعودة، وهيهات له فالقتل مصيره !!

ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نشير إلى أن الإرهاب الفكري ليس جزءا ثابتا من ثقافة الفيج الأعوج في الأمة فحسب ولكن الإعلام الغربي أيضا ينتهج سبله بطريقة خبيثة حيث يرسخ في ذهن الرأي العام أن الإسلام دين إرهاب.

إن المتأمل في كل إرهاب فكري مر على الأمة سيجد أن مآله التحول لمرحلة الإرهاب الجسدي.. والتاريخ يثبت هذا؛ فإن الفئة الضالة التي خرجت كإرهاب فكري على سيدنا عثمان بن عفان ووصمته بالظلم المالي والوظيفي، ثم ما لبثت أن خرجت عليه وعلى الأمة بإرهاب جسدي فقتلته، واستقطبت غضب الله وقلبت كيان الأمة، وفتحت عليها الفتن، تعد صورة واضحة لموضوع بحثنا. ولم تتوقف هذه الأحداث إلى ذلك الحد بل تكررت مع الزمن وها نحن في عصرنا الحاضر نشهد مظاهر وتداعيات الغلو والتشدد والإرهاب الفكري الذي تحول إلى مرحلة الإرهاب الجسدي؛ فخرج من عباءة جماعات الإرهاب الفكري أفراد وخلايا إرهابية جسدية سمحت لنفسها بقتل وترويع المسلمين وتدمير البنية التحتية لكثير من الدول الإسلامية وهلم جرا من أعمال الخطف والإجرام والاعتداءات على شتى أنواعها.
ويطول الحديث حول تداعيات الإرهاب ومن يُموله ومن المستفيد وهلم جرا ولكن الأمر الأهم الذي يجب الإشارة إليه هو أن معالجة الإرهاب لا تتم إلا بإشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة واحترام الرأي الآخر، والحيلولة دون أي انتهاك لهذه الحريات من قبل الحكام أو التنظيمات أو رجالات الدين. كما لا نستطيع معالجته بمعزل عن مواجهة التشدد الديني، ونشر وتعزيز ثقافة الاختلاف، وتفعيل الحوار البنّاء؛ لتصحيح المفاهيم الخاطئة الفتاكة. والأهم من هذا كله هو الرجوع إلى الله وتعاليمه الصحيحة التي ابتعد عنها الإنسان كل البعد حتى طغى الإلحاد على جوهر نفسه وتفكيره.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نشير إلى أن الإرهاب الفكري ليس جزءا ثابتا من ثقافة الفيج الأعوج في الأمة فحسب ولكن الإعلام الغربي أيضا ينتهج سبله بطريقة خبيثة حيث يرسخ في ذهن الرأي العام أن الإسلام دين إرهاب. وبالرغم من أنهم يدركون البون الشاسع بين سلوك الجماعات المتطرفة وتعاليم الدين الحنيف إلا أنهم يتمادون في هذا المضمار، وفي مناسبات عديدة يكيلون بمكيالين خلال تحليلاتهم ونشراتهم الإخباربة. ولعل ما وقع في العاصمة الفرنسية مؤخرا أبرز هذا الجانب فيهم.
عزيزي القارئ تجد داخل هذا العدد خطبة حضرة أمير المؤمنين أيده الله بنصره العزيز التي وضع من خلالها الخطوط العريضة بين حرية التعبير والتجذيف بالمقدسات التي تُهيئ المناخ لنمو الإرهاب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق كافة سيدنا ومولانا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.