آيات من السماء وحمايات من حضرة الكبرياء

آيات من السماء وحمايات من حضرة الكبرياء

الأستاذ المرحوم مصطفى ثابت

السيرة المطهرة (25)

تحت سلسلة السيرة المطهرة يتناول الكاتب سيرة حضرة ميرزا غلام أحمد الإمام المهدي والمسيح الموعود مبرزًا الوقائع والأحداث الهامة من حياة حضرته المطهرة

“ذكرنا في العدد الماضي الكتاب الذي نشره الإمام المهدي وهو الجزء الثاني من كتاب “نور الحق”، وقد نقلنا للقارئ منه فقرات كثيرة تناول فيها الإمام المهدي الاعتراضات التي أثارها خصومه على حديث رسول الله الخاص بوقوع آيتا الخسوف والكسوف في شهر رمضان المبارك تصديقا لظهور الإمام المهدي”.

ولعل البعض يتصور أن الخسوف والكسوف ليس سوى ظاهرة طبيعية فلكية تحدث من حين لآخر. وهذا صحيح، ولكن الله تعالى يجعل من هذه الظواهر الطبيعية معجزات خارقة. إن من طبيعة العنكبوت أن تبني لها بيتا في أي مكان، ومن طبيعة الحمام أن يضع بيضه في العش الذي يبنيه في المكان الذي يأمن فيه، فهذه كلها ظواهر طبيعية وأمور عادية، ولكن الله تعالى يجعل من هذه الظواهر العادية معجزات خارقة للعادة، حين يشاء سبحانه أن تقع تلك الأمور العادية في ظروف غير عادية، مثلما وقعت حين دخل رسول الله الغار مع صاحبه أبي بكر أثناء هجرتهما من مكة إلى المدينة. فلحق بهما الكفار إلى أن وصلوا إلى باب الغار، ولكن لما رأى الكفار أن العنكبوت قد بنت بيتها على باب الغار، وأن الحمامة قد باضت هي الأخرى، انصرف ذهنهم عن النظر داخل الغار وغادروا المكان. وهكذا جعل الله تلك الأمور العادية.. أي بيت العنكبوت وبيض الحمامة.. معجزة خالدة لنجاة رسوله الحبيب .

كذلك الحال مع الكسوف والخسوف.. إن كلا منهما ظاهرة فلكية.. تقع من حين لآخر في هذا المكان أو ذاك، ولكن هذا الكسوف بالذات يتميّز بارتباطه بظهور رجل يُعلن على الملأ أنه مبعوث من عند الله، وأنه هو الإمام المهدي المنتظر، فرسول الله يقول: “إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق السماوات والأرض…”، أي أن هاتين الآيتين لم تقعا تصديقا لأحد منذ خلق السماوات والأرض. وليس مقصوده أن الخسوف والكسوف لم يقعا بالشكل الذي جاء في الحديث، ولو كان الأمر يتعلّق بالخسوف والكسوف فقط، لذكرهما رسول الله بصيغة المذكر وقال “لم يكونا”، أي أن الخسوف والكسوف لم يكونا منذ خلق السماوات والأرض، ولكنه قال: “لم يكونا”، والضمير في هذه الصيغة المؤنثة لا يمكن أن يعود إلى الكسوف والخسوف وإنما يعود إلى كونهما آيتين للإمام المهدي.

وهناك أيضا ملاحظة أخرى جديرة بالاهتمام في الحديث المذكور، يشير إليها قول رسول الله: “إن لمهدينا…”. فإن رسول الله لا ينسب إلى نفسه وإلى أمته إلاّ كل ما هو عظيم، فإن من شيمة العظيم ألاّ ينتسب ولا ينسب إلى نفسه إلاّ كل عظيم، فقوله: “إن لمهدينا..” يدل قطعا على عِظَم شأن ذلك الإمام المهدي، وعلى عُلوّ مقامه. كذلك فإن هذا التعبير يدل على تفرّده واختصاصه بشخص معين. فإن المعنى العام لكلمة ’مهدي‘، يمكن أن ينطبق على كل إنسان يهديه الله تعالى إلى سبيل الرشاد فيكون مهديّا. ولكن.. لكي يؤكد رسول الله على اختصاص فرد معين من الأمّة بهذا الوصف، فقد نسب ذلك الإمام المهدي إلى نفسه، إشارة إلى أنه ليس من عامة الناس الذين يهديهم الله تعالى، وإنما هو على مقام عظيم، وشأن رفيع، ودرجة عالية، لا ينالها أحد إلاّ ذلك الإمام المهدي بالذات الذي يقصده رسول الله. كذلك فإن انتساب الإمام المهدي إلى رسول الله ، يدل على قرب ذلك الإمام من الرسول وحبه الشديد له، كما يشير إلى الرابطة القوية التي تربط بينهما، فقوله: “مهدينا” إنما هو تعبير عن رابطة المحبّة والمودّة التي يُعبّر عنها رسول الله نحو الإمام المهدي .

وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإن قوله : “إن لمهدينا آيتين..” يشير كذلك إلى أن الإمام المهدي سوف يظهر في زمن يتواجد فيه بعض المتنبئين، الذين يدّعون كذبا أنهم ذلك الإمام المهدي المنتظر، ولكن وقوع الآيتين اللتين ذكرهما رسول الله لن يحدث لأي من أولئك المدّعين الكذبة، بل سوف يحدث لتصديق الإمام المهدي الحق، الذي يقصده رسول الله ونسبه لنفسه بقوله: “إن لمهدينا آيتين.” وهو لم يقل: إن للمهدي آيتين، إذ لو كان اكتفى بقوله إن للمهدي آيتين لما فُهم بالضرورة من كلامه أنه سيكون هناك مدّعون كذبة يدّعون أنهم ذلك المهدي المنتظر. وعلى هذا فمن شروط صدق الإمام المهدي الحق، أن يسبق ظهوره مدّعون كذبة، يدّعي كل منهم أنه الإمام المنتظر.

إن الوضّاعين ومخترعي القصص والأحاديث، لا يمكن أن يخترعوا نبأ يكون من المستحيل ضمان وقوعه بهذا الشكل الذي جاء فيه هذا النبأ. وبدراسة الحديث دراسة وافية، نجد أن هناك الكثير من الشروط التي لا بد من تحققها، فهذا الحديث ليس مجرد نبأ عن كسوفٍ للشمس وخسوف للقمر، وإنما تميز ذلك الحديث بالذات بأن اجتمعت فيه كل العوامل الآتية:

أولا: إن عددا من الناس سوف يدّعون بأنهم الإمام المهدي، ولكن كسوف الشمس وخسوف القمر لن يحدث إلاّ بعد أن يرحل المدّعون الكذبة جميعا عن مسرح الحياة، ولا يبقى سوى الإمام المهدي الصادق، فتقع هذه المعجزة الفلكية في حياته تصديقا له.

وقد حدث في عام 1844 أن قام رجل في إيران اسمه علي محمد، وادّعى أنه المهدي المنتظر وأنه الباب الذي يدخل منه السالك إلى حضرة الله تعالى. وكان هذا أول الكذابين الذين أشار إليهم رسول الله، وقد قُتل ذلك المهدي الكذاب عام 1850. ثم تبعه مهدي آخر عُرف باسم محمد أحمد المهدي، الذي ظهر في السودان وادّعى أنه المهدي المنتظر عام 1879، ولكنه هلك أيضا عام 1885، ويُقال إنه قتل بأيدي الإنجليز الذين كان يحاربهم، ويقال إنه مات نتيجة تأثره بجروح أصيب بها في إحدى المعارك. ثم كان هناك بهاء الله، وكان من أتباع مهدي إيران، ثم انفصل واستقل عنه وقال إنه مظهر الله، ومع أنه لم يدّع النبوة ولم يقل إنه المهدي المنتظر، إلاّ أنه قضى حياته سجينا في سجن عكا بفلسطين حتى مات أخيرا عام 1892.

ثم كان سيدنا أحمد الذي أعلن في أوائل الثمانينيات أنه المجدد للقرن الرابع عشر الهجري، ثم أعلن في 1890 أنه الإمام المهدي المنتظر وأنه المسيح الموعود، وبعد بضع سنوات من إعلانه عن نفسه، وبعد أن كذبه الناس، وبعد أن سبقه أثناء حياته ثلاثة آخرون من المدّعين كانوا كذبة، فغادروا جميعا مسرح الحياة. حين خلت الدنيا من كل أولئك الذين ادّعوا كذبا أنهم المهدي المنتظر، ولم يبق سوى سيدنا أحمد، وقعت تلك المعجزة الفلكية، وتحققت نبوءة رسول الله .

وغني عن البيان القول بأن تحقق هذا الشرط يدل بدلالة قاطعة على أن هذا النبأ العظيم عن الكسوف والخسوف لا يمكن أن يكون من وضع الوضّاعين، فمن غير المعقول أن يجمح الخيال بإنسان إلى درجة أنه يشترط لتحقق نبأ ما أن يسبق تحققه وجود المدّعين الكذبة.

ثانيا: لكي يرى الناس هذه الظاهرة الفلكية، لا بد أن يكون الجو صحوا غير عاصف ولا متراكم السحب، في كل من اليومين اللذين يقع فيهما الكسوف والخسوف. ولكم وقعت مثل هذه الظواهر الفلكية في الأزمنة الماضية دون أن يفطن إليها الناس بسبب تراكم السحب. أما أثناء وقوع هاتين الآيتين في زمن سيدنا أحمد فلم يكن هناك أي حائل يمنع رؤية خسوف القمر أو كسوف الشمس.

ثالثا: إن الإمام المهدي الذي أقامه الله تعالى وأنبأ عنه رسوله سوف يُعلن أولا عن نفسه، ويدعو الناس إلى الإسلام الصحيح، ويجدد الدين، ويطهره من العقائد الفاسدة الدخيلة عليه، ومن الإسرائيليات التي تسرّبت إلى أفهام أتباعه، وبعد أن يُكذبه عامة الناس، تقع المعجزة الفلكية تصديقًا له، وتحقيقا لوعد رسول الله .

وهذا ما حدث بالفعل، إذ أعلن سيدنا أحمد أنه الإمام المهدي والمسيح الموعود عام 1890، وأعلن أن عيسى بن مريم قد مات مثل بقية الرسل، وأنه كان بشرا مثل بقية البشر، وأنه لم يصعد إلى السماء كما كان شائعا بين الناس في ذلك الوقت، وأن هذه العقيدة من أكبر الأكاذيب، ومن الإسرائيليات التي تسربت إلى أفهام وعقائد المسلمين.

رابعا: إن القمر سوف ينخسف في أول ليلة من ليالي خسوف القمر، أي في الليلة الثالثة عشرة من الشهر العربي، وهذا ما حدث بالضبط.

خامسا: إن لفظ “لأول ليلة” يشير أيضا إلى أن خسوف القمر سوف يتم أول الليلة التي يقع فيها ذلك الكسوف، أي أنه لا يحدث في منتصف الليل ولا في آخر الليل. وقد وقع خسوف القمر في الساعة السابعة واستمر حتى الساعة التاسعة من مساء ليلة الثالث عشر من رمضان.

سادسا: إن الشمس سوف تنكسف في اليوم المنصّف لأيام كسوف الشمس، وهو اليوم الثامن والعشرين من الشهر العربي، وهذا هو ما حدث تماما.

سابعا: إن لفظ “في النصف” يشير أيضا إلى أن كسوف الشمس سوف يتم قبيل منتصف النهار الذي يقع فيه ذلك الكسوف. وقد بدأ كسوف الشمس في الساعة التاسعة والنصف وانتهى في الساعة الحادية عشرة قبيل ظهر ذلك اليوم.

ثامنا: إن كلا من كسوف الشمس وخسوف القمر سوف يقعان في شهر رمضان المبارك. وهو ما حدث تماما.

تاسعا: إن اجتماع الكسوف والخسوف في شهر رمضان يجب أن يحدث في نفس العام، وليس في رمضانين متفرّقين، وذلك تحقيقا لما ذكره القرآن الكريم تأييدا لحديث رسول الله عن اجتماع الكسوف والخسوف. يقول تعالى:

يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ $ فإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ $ وَخَسَفَ الْقَمَرُ $ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ $ يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (القيامة: 8-11)

فقوله تعالى: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يدل على اجتماعهما في نفس الشهر لا في رمضانين مختلفين أو متعاقبين. وهذا ما حدث تماما.

عاشرا: إن اجتماع الكسوف والخسوف في الأوقات المحددة، وفي الأيام المحددة، وفي الشهر المحدد، يجب أن يحدث ويُشاهَد في المكان الذي ظهر فيه الإمام المهدي. وقد تم ذلك في الهند عام 1894 الموافق عام 1311 الهجري.

حادي عشر: إن شهر رمضان بالذات هو الشهر الذي قد تختلف بدايته من بلد إلى بلد، وعلى ذلك فإن المنطقة التي ظهر فيها الإمام المهدي يجب أن تكون هي النقطة المركزية التي يتحدد فيها ابتداء الشهر، وبالتالي تتحدد أيام الكسوف والخسوف حسب نبوءة رسول الله . فمن الممكن أن يُرى الخسوف والكسوف في مكان آخر غير الهند، ولكن بداية رمضان فيه تختلف عن بدايته في المنطقة التي كان فيها سيدنا أحمد ، وبالتالي فإن الكسوف والخسوف بالنسبة للآخرين، لن يكون في الأيام التي حددها رسول الله. وقد وقع الخسوف والكسوف في منطقة البنجاب، وهي المنطقة التي تقع بها قاديان، قرية الإمام المهدي ، في نفس الأيام التي حدّدها رسول الله في النبوءة.

ثاني عشر: حيث إن نبوءة رسول الله عن الإمام المهدي هي نبوءة للعالم أجمع، وحيث إن الإمام المهدي مبعوث للعالم أجمع، وحيث إن مهمّة الإمام المهدي هي نشر الإسلام وإعلاء رايته في العالم أجمع، فإن هذه النبوءة يجب أن تتحقق بشكل يعطيها صبغة عالمية، بمعنى أنها يجب أن تتحقق في الشرق وفي الغرب، حتى تكون آية لسكان العالم أجمع. وقد تم هذا في العام التالي مباشرة أي في عام 1895 الموافق 1312 الهجري في نفس شهر رمضان، وفي نفس الأيام المحددة في النبوءة، باعتبار أن النقطة المركزية هي البلد الذي ظهر فيه الإمام المهدي وهي الهند.

ثالث عشر: إن هذه المعجزة الفلكية ستكون بمثابة إنذار وتحذير من الله تعالى للناس، ودعوة لهم كي يتوجّهوا إليه بالدعاء والاستغفار، وإلاّ فإن عذابا سوف يعم العالم أجمع، بشكل لم تشهده البشرية من قبل في تاريخها الطويل. وقد أشار الإمام المهدي إلى ذلك في قوله المذكور آنفا للمخالفين والمكذّبين بأن العذاب: “قد تقرر وأُكد من الله لأهل العدوان”. وسوف نتحدّث عن ذلك الموضوع بإسهاب فيما بعد.

رابع عشر: تشير هذه الآية إلى أنها علامة رحمة ونصر للمظلومين والمستضعفين، كما ذكر هذا الإمام المهدي . وليس المقصود هنا بالمظلومين والمستضعفين هم أفراد جماعته فقط، فهؤلاء تشير إليهم الفقرة التالية، وإنما المقصود هو أن المظلومين والمستضعفين في العالم عامة، سوف ينالون الكثير من الحقوق التي كانوا محرومين منها.

وتكفي نظرة واحدة على ما حدث في العالم بعد ذلك لنرى صدق هذه الكلمات، إذ بدأ العمال ينظمون أنفسهم في نقابات طالبت أصحاب الأعمال بحقوقهم المهضومة، ولم يكن هذا يحدث من قبل. كذلك مُنعت تجارة الرقيق من العالم، وتوقّفت عمليات الإغارة على أهل أفريقيا واختطافهم ليعملوا سخرة وعبيدا في العالم الجديد. وهبّت الشعوب التي كانت تحت الاحتلال تطالب باستقلالها وحريتها، وثار الفلاحون والعمال المضطهدون في روسيا ضد مظالم القيصر، وأطلق كارل ماركس ولينين دعوتهما إلى عمال العالم ليتحدوا تحت لواء الشيوعية التي كان من المفروض أن تكون إنصافا للمظلومين، وحفاظا على حقوق العمال المطحونين. ووُضع في بلاد كثيرة قوانين ودساتير تقرر وتحمي حقوق المواطنين، ولم يعد الحكم فيها حكما مطلقا في يد فرد أو عائلة معيّنة.

ولا شك أن وجود المظلومين والمستضعفين لم ينته تماما من العالم بعد، ولكن عند مقارنة عالم اليوم بعالم ما قبل الخسوف والكسوف، يتبين الفرق الشاسع بين أحوال وحجم ومدى انتشار المظلومين والمستضعفين آنذاك، وبين أحوالهم وأحجامهم ومدى انتشارهم اليوم.

خامس عشر: تشير آية الخسوف والكسوف إلى أن الذين “أُوذوا وكُفروا ولعنوا من غير حق فينْزل لهم آيات من السماء، وحمايات من حضرة الكبرياء”، وهؤلاء بالطبع هم الإمام المهدي وجماعته، وسوف نرى فيما بعد كيف تحقق هذا الجزء من النبوءة.

سادس عشر: يشير الإمام المهدي أيضا إلى أن من نتائج آية الخسوف والكسوف هو انتشار العلوم الصحيحة. ويكفي أن يُلقي الإنسان نظرة على تاريخ العالم منذ اختراع العجلة حتى نهاية القرن التاسع عشر، ويرى الكم المهول من العلوم التي انتشرت في العالم، حتى إن الاختراعات الحديثة في وسائل المواصلات، ووسائل الاتصال، ووسائل البناء، ووسائل الحصول على المعلومات، وغيرها، قد غيرت وجه العالم الحديث. ولعله لم يجانب الحقيقة من قال إن العالم قد اكتسب من العلوم في العقود السبعة الأولى من القرن العشرين، أضعاف ما اكتسبه من العلوم في السبعة آلاف عام المنصرمة.

وغني عن البيان أن نذكر أن المقصود أيضا بانتشار العلوم الصحيحة، هو انتشار العلوم الدينية الصحيحة، والتي جاء الإمام المهدي ليكون وسيلة نشرها في العالم.

سابع عشر: يذكر الإمام المهدي ، أن من نتائج آية الخسوف والكسوف أن الناس سوف يدخلون في دين الله أفواجا، وسوف يصل أثر المجدد، أي الإمام المهدي، إلى أقصى أنحاء الأرضين. وسوف نرى كيف تحقق هذا الجزء من النبوءة في عهد الإمام المهدي نفسه. ولعله من الجدير بنا أن نشير إلى أن جماعة الإمام المهدي، أي الجماعة الإسلامية الأحمدية، هي أول جماعة إسلامية في العالم يكون لها إذاعة مرئية ومسموعة، تصل إلى جميع أنحاء المعمورة عن طريق الأقمار الصناعية.

ولا شك أن آية الخسوف والكسوف كانت من بركات رسول الله الذي أخبرنا عنها منذ أربعة عشر قرنا، وأنها سوف تكون دليلا على صدق الإمام المهدي ، وقد تحققت هذه الآية في عام 1894. وبعد مرور مائة سنة بالتمام على تحقق هذه النبوءة.. أي في عام 1994، تمت لأول مرة في تاريخ الجماعة البيعة العالمية عن طريق الأقمار الصناعية، ودخل في الجماعة في ذلك العام أكثر من أربعمائة ألف إنسان، يُسَبحون بحمد ربهم رافعين لواء التوحيد، ومستنْزلين البركات على رسول الله . وفي هذا العام الحالي الذي يتم فيه كتابة هذه السطور (1996) دخل في الجماعة بفضل الله تعالى أكثر من مليون وستمائة ألف إنسان، وتمت أيضا البيعة العالمية عن طريق الأقمار الصناعية، وشاهد وقائعها جميع أفراد الجماعة، التي انتشرت في مائة وأربع وخمسين دولة* من دول العالم (حتى كتابة هذه السطور). إن كل هذا لم يكن ليحدث أو يتم، لو كانت هذه الدعوة من الشيطان، كما يدّعي الذين يخالفونها ويعارضونها، فإن الله تعالى لا يؤيد الكذابين والمفترين، بل إنه نور الله تعالى الذي يأبى الله إلا أن يتمه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ولن تنته العجائب ولن تتوقف المعجزات، حتى يلمع ذلك النور في جميع أنحاء الأرض، ولسوف تتحقق تلك الأبيات التي ذكرها الإمام المهدي في نهاية منظومته المذكورة آنفا:

وَإِنِّـي سَـوْفَ يُدْرِكُني إِلَهٌ

عَلِيمٌ قَـادِرٌ كَـهْفِي مَرَامِي

.

أَأَنْتَ تُـكَذِّبَـنْ  آيَاتِ رَبِّي

أَأَنْتَ  تُعَادِيَنْ سُبُـلَ  السَّلاَمِ

.

لَنَا مِنْ رَبِّـنَـا نُـورٌ عَظِيمٌ

نُرِيكَ كَمَا يُرَى  بَرْقُ  الْحُسَامِ

بقي أن نشير إلى الفقرة الثالثة عشرة والخامسة عشرة المذكورتين آنفا، وكما سبق ذكره أعلاه قال الإمام المهدي :

“… ثم اعلم أن الله نفث في روعي أن هذا الخسوف والكسوف في رمضان آيتان مُخَوِّفَتَان، لقوم اتّبعوا الشيطان، وآثروا الظلم والطغيان، وهيّجوا الفتن وأحبّوا الافتنان، وما كانوا منتهين. فخَوَّفَهُم الله بهما وكل من تبع هواه وخان، وترك الصدق ومان، وعصى الله الرحمن. فيتأذّن الله لئن استغفروا ليغفرنّ لهم وَيُرِي المنّ والإحسان، ولئن أبوا فإن العذاب قد حان، وفيها إنذارٌ للذين اختصموا من غير الحق وما اتّقوا الرب الديّان، وتهديدٌ للذي أبى واستكبر وما ترك الحران، فاتقوا الله ولا تعثوا في الأرض مُفسدين.”

وقد أكّد رسول الله ، في حديثه الذي ذكره البخاري (باب الكسوف والخسوف)، على أن الله يخوّف عباده بهذه الظاهرة الفلكية. ولذلك فقد حثّ عند رؤيتها إلى أن يفزع الإنسان إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره، واستن لذلك سُنّة صلاة الكسوف. ووقوع تلك الظاهرة الفلكية آية لتصديق الإمام المهدي، لا يترك للمخالفين والمعارضين حجة يستندون إليها، ولا عذرا يتمحّكون فيه، ولذلك فهي آية من السماء، تقيم الحجة على المنكرين. إذ ليس في مقدور أحد أن يتحكم في حدوثها، ولا أن يتسبب في وقوعها، ولا أن يمنع تحققها بهذا الشكل. وتحقق الشروط السبعة عشر المرتبطة بها بهذه الدقة.. لا يترك المجال لمن آتاه الله العقل والحكمة، إلاّ أن يرى صدق الإمام المهدي واضحا كالشمس في رابعة النهار.

ولكن.. كان هناك الكثير من علماء السوء الذين فسدت ضمائرهم، وخلبت الدنيا ومغانمها عقولهم، وهؤلاء كانوا يضللون عامة الناس. ثم هناك المبشرون المسيحيون الذين لا يتورعون عن الكذب والدجل، لصرف الناس عن الإسلام، وإبعادهم بكل وسيلة عن الإمام المهدي . وعامة الناس ينقسمون عادة إلى طائفتين: أولئك الذين نالوا قسطا معقولا من العلوم، فهم المتعلمون والمثقفون، وأكثر هؤلاء جذبتهم أمور الدنيا، وشغلتهم الفلسفات والأفكار الغربية الجديدة عن الاهتمام بأمور الدين. والطائفة الأخرى، وهي الأغلبية الساحقة من عامة الناس، هم من لم ينالوا قسطا وافرا من التعليم، وليس أمامهم سوى اتباع غيرهم من القادة العميان، ويظنّون أن الأمان والنجاة في اتّباع السادة والكبراء من رجال الدين، باعتبار أنهم هم الخبراء والعارفون بأمور الدين. ولكن الله تعالى يُدين الانسياق الأعمى وراء السادة والكبراء، ويحكي لنا عن مصير هؤلاء الذي ينتهي بهم إلى جهنم فيقول:

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فيِ النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا $ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا $ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (الأحزاب:67-69)

ومن الناس من يظن أنّ الأمان والنجاة في اتّباع السلف الصالح من الآباء والأجداد، ويرفضون سماع أي أمر يختلف عمّا سمعوه من آبائهم، حتى ولو كان آباؤهم قد أخطأوا في بعض الأمور، فهم لا يرون هذا الخطأ ولا يعترفون بوجوده، وهؤلاء أيضا يدينهم القرآن الكريم فيقول:

قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُّهْتَدُونَ $ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلَكَ فيِ قَرْيَةٍ مِّنْ نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُّقْتَدُونَ $ قُلْ أَوَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ $ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (الزخرف:23-26)

ومن الناس من يستنكر الدعوة الجديدة لأنه لم يسمع بها من قبل، فيقولون:

مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فيِ الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ $ أَءُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فيِ شَكٍّ مِّنْ ذِكْرِي بَلْ لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (سورة ص:8-9)

ولأنهم لم يسمعوا بالدعوة من قبل، فهم يحكمون عليها بالضلال والبطلان، ويرفضون أن يستمعوا إليها، فيكون مآلهم نار جهنم كما يقول الكتاب الحكيم:

كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ $ قَالُوا بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فيِ ضَلاَلٍ كَبِيرٍ $ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فيِ أَصْحَابِ السَّعِيرِ $ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ (الْمُلْك:10-12)

ولعل الإنسان بطبعه يميل إلى أن يكون مع الأغلبية، ويتصرف عادة كما يتصرف الحيوان في القطيع، يمشي حيث يتجه القطيع كله، ولا يحاول أن يفكر تفكيرا مستقلا، يجعله في موضع يختلف فيه عن ”أكثر الناس“ في مجتمعه، ومن هنا جاء تحذير القرآن الحكيم من ”أكثر الناس“ فقال:

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فيِ الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ (الأنعام:117) وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (البقرة:244) وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (الأعراف:188)

وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (هود:18)

فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (الفرقان:51)

ورغم هذا التحذير فإن ”أكثر الناس“ يُفضلون دائمًا أن يكونوا في جانب الأغلبية من الناس، حتى ولو قاد ذلك إلى الدمار والهلاك، تماما مثل تلك الحيوانات الصغيرة التي تشبه فأر الحقل، وتعيش في مجموعات كبيرة، وتهاجر من حين إلى حين، لا إلى منطقة معينة، ولكن تظل جموعها منطلقة.. يتّبع كل فرد فيها غيره.. حتى تصل حافة الجبل المطل على البحر، فتقفز جميمعها وتهوي إلى حتفها.

ولهذا.. من أجل “أكثر الناس” وعامتهم، أراد الله أن تكون هناك آية أخرى من السماء، آية تكون عذابا وعقابا لأولئك الذين أنكروا الحق وهم يعلمون، وأيضا لأولئك الذين يُفضّلون أن يتّبعوا الأغلبية.. بصرف النظر عن جانب الحق. (يتبع)

* أما الآن في عام 2006م فقد توطدت الجماعة بفضل الله تعالى في 182 قطرا من أقطار العالم. (الناشر)

Share via
تابعونا على الفايس بوك