آليات محق الفساد بلا حدود

التحرير

لا شك أن النوازع المادية قد طغت على الناس في عصرنا الحالي وأعمت بصيرتهم حيث يتهافتون نحو الشهرة والمكاسب المادية والتسيُّد على الآخرين. فاستسلمت شريحة كبيرة لنوازع النفس دون إعطاء أي اعتبار للقيم والمبادئ، وهكذا تأصلت في المجتمعات الأنانية واحتقار الطرف الآخر والتكالب على المصالح.

ويروي لنا التاريخ القديم والحديث ظلم الإنسان لأخيه الإنسان خلال سعيه لتحقيق نزعاته تحت غطاء مسميات شتى، حيث باع أقرب الناس إليه وأبعدهم لا لشيء إلا لتحقيق نجاحه المزعوم. وهكذا فقدت المصطلحات دلالاتها فضاعت روح الكلمة وضاع معها ذِمَم الناس وشرفهم.

ولا شك أن المهمة الرئيسة للدين الحنيف هي معالجة هذه الأسقام وهداية البشرية إلى سبيل تحصيل الهدى والرقي. ولقد كان في شخص سيدنا محمد المصطفى وتعليمه نموذجا ومثالا يُقتدى به، حيث كان أنفع الناس للناس قبل النبوة وبعدها.. يعمل لصالحهم ويحكم في نزاعاتهم ويرأف بكبيرهم وصغيرهم، وعَرف عنه قومه كل سلوك سَوي ومواقف عظيمة.

إن حب خدمة الخلق والرفق بهم يفيض من صميم نفس الرسول الكريم حيث منبع الرأفة والرحمة العظيمة تجاه خلق الله تعالى كافة. إنها محبة خالصة لوجهه تعالى تراعي حقوق البائسين والمحرومين والمظلومين. ولا شك أنها خالية من حب الظهور والشهرة والرياء مما تعارف عليه الناس من التسيّد واحتلال مناصب اجتماعية عالية. وما انفكت مشاغل قومه تقلقه حيث كان الطمع والأنانية والمظالم سمة عصره، وهذا من بين الأسباب التي جعلته ينأى بنفسه عن المشاركة في تلك المفاسد والمظالم ويأوي إلى ركن شديد في غار حراء يتعبّد بعيدا عن قومه. وهكذا هجر عَالَما يعجّ بالفساد والظلم فأخرجه الله مما هو فيه من كرب وحزن حينما بلغ الأربعين واصطفاه لرسالته.

ولقد أرسى منهجا لأتباعه للاهتمام بالآخرين وخدمتهم والإيثار ونكران الذات حيث تزخر كتُب السيرة بهذه المواقف العظيمة، فكان يتعرض إلى الإيذاء ولا يرد عليه بالمثل. وتعدت رحمته بخلق الله جميع الحدود حتى أن ألد أعدائه كان يحظي باحترام يُتوج بالعفو النبوي. فيا لها من رحمة بلا حدود.

إن الدراسة المستفيضة لتاريخ المسلمين تُبرز حالة البعد والجفاء عن الأخلاق المحمدية الفاضلة شهدتها شرائح عديدة من المسلمين عبر محطات تاريخية عديدة. إلا أن ما شهدته الساحة العالمية في السنوات الأخيرة لم يسبق لها مثيل حيث لا تخلو نشرة إخبارية من فواجع ومظالم تُرتكب باسم الدين والدين منها براء. فالمسلمون يذبحون المسلمين وغير المسلمين على حد سواء وهم يكبّرون ويهللون!! لا شك أنها مظالم ضد الإنسانية يُتهم الدين الحنيف بها ويُوضع في قفص الاتهام على أساس أنه الذي أوقد فتيل إرهاب الناس والفتك بهم.

إنها صيحة نرفعها من هذا المنبر لمن تخول له نفسه القيام بهذه الجرائم أن لا يقوم بها باسم إمامنا وحبيبنا محمد المصطفى الذي أرسله الله رحمة للعالمين حيث إن أخلاقه الشريفة وسنته العطرة تتنافى مع ما يُنسب إليه من ظلم وبهتان. ولا شك أن أعمال الفساد باسم الدين لا تخضع للحدود الجغرافية فهي كما يعبر عنها البعض “فساد بلا حدود”. وبلسان حال هذا الـمُسمى شهدت العاصمة الفرنسية باريس هذا الشهر أعمال فساد فظيعة ذهب ضحيتها عدد كبير من المواطنين الأبرياء قُتلوا ظلما وعدوانا. وقد أصدر مكتب الإعلام بالجماعة مباشرة بعد انتشار الخبر بيانا قال فيه:

“إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية يدين هجمات باريس ويدعو من أجل الضحايا

أدان إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية، الخليفة الخامس حضرة ميرزا مسرور أحمد هجمات الليلة الماضية الإرهابية في باريس. وقال حضرة ميرزا مسرور أحمد متحدثًا من لندن:

“باسم الجماعة الإسلامية الأحمدية في جميع أنحاء العالم، أعبر عن تعاطفنا العميق وتعازينا للأمة الفرنسية شعبًا وحكومةً في أعقاب الهجمات الإرهابية البشعة التي حدثت في باريس. لا يمكن إلا أن يدان هذا الهجوم الوحشي واللاإنساني بأشد العبارات الممكنة. كما أود أن أؤكد مجددًا أن جميع أشكال الإرهاب والتطرف لا تمت بأية صلة لتعاليم الإسلام الحقيقية. وأن القرآن الكريم يؤكد على أن قتل بريء واحد هو كقتل البشرية جمعاء. فلا يمكن تبرير القتل تحت أي ظرف قطّ. إن أولئك الذين يسعون لتبرير أفعالهم البغيضة باسم الإسلام إنما يقومون فقط بتشويه سمعته بأسوأ طريقة ممكنة.  تعاطفنا وأدعيتنا مع ضحايا هذه الهجمات ومع ذويهم ومع من تضرروا بأي شكل. أدعو الله سبحانه وتعالى أن يلهمهم الصبر، وآمل وأدعو أن يتم تقديم مرتكبي هذا العمل الشرير إلى العدالة على جناح السرعة.”

فعلى المسلمين اليوم إن أرادوا محق هذا الفساد بلا حدود أن يتحلوا فيما بينهم ومع من حولهم بسلاح الأخلاق المحمدية المستوحى من “رحمة بلا حدود” وأن يستجيبوا لنداء الله عز وجل:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (الأنفال: 25)

وأن يقفوا صفا واحدا مستنكرين أعمال الفساد التي تُقام باسم دينهم ويسترجعوا رايته من أيادي الظالمين السفاكين.ولا شك أن الله قد أسس هذه الجماعة المباركة لتحقيق هذا الهدف النبيل حيث نفخ فيها روح الوحي والهداية المنوطين بأئمتها الكرام عبر تاريخها المجيد وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

هدانا الله وإياكم لخدمة دينه الحنيف وذلك بإظهار صورته السمحاء النقية المسالمة لكافة الناس في جميع أقطار الأرض. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.